صفحة جزء
4922 وقال وراد عن المغيرة : قال سعد بن عبادة : لو رأيت رجلا مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أتعجبون من غيرة سعد ! لأنا أغير منه ، والله أغير مني .


مطابقته للترجمة ظاهرة .

ووراد - بفتح الواو والراء المشددة وبالدال المهملة - اسم لمولى المغيرة بن شعبة وكاتبه ، وسعد بن عبادة - بضم العين المهملة وتخفيف الباء الموحدة - ابن دليم الخزرجي الساعدي نقيب بني ساعدة ، قيل شهد بدرا ونزل الشام فأقام بحوران إلى أن مات سنة خمس عشرة ، وقيل قبره بالمنيحة قرية من قرى غوطة دمشق .

ووصل البخاري هذا المعلق الذي ذكره هنا مختصرا في كتاب الحدود عن موسى بن إسماعيل عن أبي عوانة عن عبد الملك بن عمير عن وراد ، وأخرجه مسلم من حديث سليمان بن بلال عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة .

قوله ( غير مصفح ) بضم الميم وسكون الصاد المهملة وفتح الفاء وكسرها ; أي غير ضارب بعرضه ، بل بحده تأكيدا لبيان ضربه به لقتله . قال عياض : فمن فتحه جعله وصفا للسيف وحالا منه ، ومن كسره جعله وصفا للضارب وحالا منه ، يقال أصفحت بالسيف فأنا مصفح والسيف مصفح به إذا ضربت بعرضه . وقال ابن قتيبة : أصفحت بالسيف إذا ضربت بعرضه . وقال ابن التين : مصفح بتشديد الفاء في سائر الأمهات ، وللسيف صفحتان وهما وجهاه العريضان ، وله حدان ; فالذي يضرب بالحد يقصد القتل ، والذي يضرب بالصفح يقصد التأديب . ووقع في رواية مسلم " غير مصفح عنه " ، قال بعضهم : هذه يترجح فيها كسر الفاء ، ويجوز الفتح أيضا على البناء للمجهول . قلت : قوله " على البناء للمجهول " غلط فاحش ، والصواب أن يقال على البناء للمفعول ، وقد يفرق بينهما من له أدنى مسكة من علم التصريف .

قوله ( أتعجبون ) الهمزة فيه للاستفهام ، يجوز أن يكون على سبيل الاستخبار ويجوز أن يكون على سبيل الإنكار ; يعني لا تعجبوا من غيرة سعد ، وأنا أغير منه - أي من سعد ، واللام في قوله " لأنا " للتأكيد ، وأكده باللام وبالجملة الاسمية .

قوله ( والله أغير مني ) ، قد ذكرنا الآن معنى غيرة العبد ، وأما معنى غيرة الله تعالى فالزجر عن الفواحش والتحريم لها والمنع منها ; لأن الغيور هو الذي يزجر عما يغار عليه ، وقد بين ذلك بقوله صلى الله تعالى عليه وسلم : ومن غيرته حرم الفواحش - أي زجر عنها ومنع منها ، وقال صلى الله عليه وسلم : غيرة الله أن لا يأتي المؤمن ما حرم الله عليه .

ومعنى حديث سعد : أنا أزجر عن المحارم منه ، والله أزجر مني .

واستدل ابن المواز من المالكية بحديث سعد هذا أنه إن وقع ذلك ذهب دم المقتول هدرا ، وسيأتي الكلام فيه في باب الحدود ، وقيل : الغيرة محمودة ومذمومة ، وقد جاءت التفرقة بينهما في حديث جابر بن عتيك وعقبة بن عامر ، فحديث جابر بن عتيك رواه أحمد في مسنده وأبو داود والنسائي وابن حبان في صحيحه من رواية يحيى بن أبي كثير عن محمد بن إبراهيم عن ابن جابر بن عتيك الأنصاري عن جابر بن عتيك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إن من الغيرة ما يحبه الله ومنها ما يبغضه [ ص: 206 ] الله ، وإن من الخيلاء ما يحبه الله ومنها ما يبغض الله ، فأما الغيرة التي يحبها الله فالغيرة في الريبة ، وأما الغيرة التي يبغضها الله فالغيرة في غير الريبة . وابن جابر بن عتيك هذا قال المزي في التهذيب : لعله عبد الرحمن . قال شيخنا : ليس هو عبد الرحمن ، وإنما هو أبو سفيان بن جابر بن عتيك لم يسم . وقد بين ذلك ابن حبان في صحيحه وذكره في الثقات ، وحديث عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه رواه أحمد في مسنده قال : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن زيد بن سلام ، عن عبد الله بن زيد الأزرق ، عن عقبة بن عامر الجهني قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : غيرتان إحداهما يحبها الله عز وجل والأخرى يبغضها الله عز وجل ; الغيرة في الريبة يحبها ، والغيرة في غيرها يبغضها الله . . . الحديث ، وقال شيخنا : لكن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص ، فرب رجل شديد التخيل فيظن ما ليس بريبة ريبة ، ورب رجل متساهل في ذلك فيحمل الريبة على محمل يحسن به ظنه .

التالي السابق


الخدمات العلمية