صفحة جزء
باب إذا قال فارقتك أو سرحتك أو الخلية أو البرية أو ما عني به الطلاق فهو على نيته


أي : هذا باب في بيان حكم ما إذا قال الرجل لامرأته فارقتك أو سرحتك أو أنت خلية أو برية ، فالحكم في هذه الألفاظ أن يعتبر بنيته ، وهو معنى قوله " فهو على نيته " ; لأن هذه كنايات عن الطلاق ، فإن نوى الطلاق وقع وإلا فلا يقع شيء ، وإنما كانت الكناية للطلاق ولم تكن للنكاح لأن النكاح لا يصح إلا بالإشهاد . وقال الشافعي في القديم : لا صريح إلا لفظ الطلاق وما يتصرف منه . ونص في الجديد على أن الصريح لفظ الطلاق والفراق والسراح لورود ذلك في القرآن ، وقد رجح الطبري والمحاملي وغيرهما قوله القديم واختاره القاضي عبد الوهاب من المالكية ، وقال أبو يوسف في قوله فارقتك أو خلعتك أو خليت سبيلك أو لا ملك لي عليك أنه ثلاث ، واختلفوا في الخلية والبرية ; فعن علي أنه ثلاث وبه قال الحسن البصري ، وعن ابن عمر : ثلاث في المدخول بها - وبه قال مالك - ويدين في التي لم يدخل بها بتطليقة واحدة أراد أم ثلاثا . وقال الثوري وأبو حنيفة : تعتبر نيته في ذلك ، فإن نوى ثلاثا فثلاث ، وإن نوى واحدة فواحدة بائنة وهي أحق بنفسها ، وإن نوى ثنتين فهي واحدة . وفي التلويح : وقال الشافعي هو في ذلك كله غير مطلق حتى يقول أردت بمخرج الكلام مني طلاقا ، فيكون ما نواه ; فإن نوى دون الثلاث كان جميعا ، ولو طلقها واحدة بائنة كانت رجعية . وقال إسحاق : هو إلى نيته يدين . وقال أبو ثور : هي تطليقة رجعية ولا يسأل عن نيته في ذلك . وحكى الدارمي عن ابن خيران أن من لم يعرف إلا الطلاق فهو صريح في حقه فقط ، ونحوه للروياني فإنه لو قال اغربي فارقتك ولم يعرف أنها صريحة لا يكون صريحا في حقه ، واتفقوا على أن لفظ الطلاق وما يتصرف منه صريح ، لكن أخرج أبو عبيد في غريب الحديث من طريق عبيد الله بن شهاب الخولاني عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه رفع إليه رجل قالت له امرأته : شبهني ! فقال : كأنك ظبية . قالت : لا . قال : كأنك حمامة . قالت : لا أرضى حتى تقول أنت خلية طالق ! فقال له عمر : خذ بيدها فهي امرأتك .

قال أبو عبيد : قوله " خلية طالق " ; أي ناقة كانت معقولة ثم أطلقت من عقالها وخلي عنها ، فسميت " خلية " لأنها خليت عن العقال ، و " طالق " لأنها أطلقت منه ، فأراد الرجل أنها تشبه الناقة ولم يقصد الطلاق بمعنى الفراق أصلا ، فأسقط عمر عنه الطلاق .

وقال أبو عبيد : وهذا أصل لكل من تكلم بشيء من ألفاظ الطلاق ولم يرد الفراق بل أراد غيره ، فالقول قوله فيه فيما بينه وبين الله تعالى .

وفي المحيط : لو قال أنت طالق وقال عنيت به عن الوثاق لا يصدق قضاء ويصدق ديانة ، ولو قال أنت طالق من وثاق لم يقع شيء في القضاء ، ولو قال أردت أنها طالق من العمل لم يدين فيما بينه وبين الله تعالى ، [ ص: 239 ] وعن أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه أنه يدين ، ولو قال أنت طالق من هذا العمل وقف في القضاء ولا يقع فيما بينه وبين الله تعالى ، ولو قال أنت طالق من هذا القيد لم تطلق .

التالي السابق


الخدمات العلمية