صفحة جزء
802 (باب التسليم )


أي هذا باب في بيان التسليم في آخر الصلاة ، وإنما لم يشر إلى حكمه هل هو واجب أم سنة لوقوع الاختلاف فيه لتعارض الأدلة ، وقال بعضهم : ويمكن أن يؤخذ الوجوب من حديث الباب حيث جاء فيه " كان إذا سلم " ; لأنه يشعر بتحقيق مواظبته على ذلك . ( قلت ) : قام الدليل على أن التسليم في آخر الصلاة غير واجب ، وأن تركه غير مفسد للصلاة ، وهو " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى الظهر خمسا ، فلما سلم أخبر بصنيعه ، فثنى رجله ، فسجد سجدتين " . رواه عبد الله بن مسعود . وأخرجه الجماعة بطرق متعددة وألفاظ مختلفة ، قال الطحاوي رحمه الله : ففي هذا الحديث أنه أدخل في الصلاة ركعة من غيرها قبل التسليم ، ولم ير ذلك مفسدا للصلاة ، فدل ذلك أن السلام ليس من صلبها ، ولو كان واجبا كوجوب السجدة في الصلاة لكان حكمه أيضا كذلك ، ولكنه بخلافه فهو سنة . انتهى . ( قلت ) : اختلف العلماء في هذا فقال مالك والشافعي وأحمد وأصحابهم : إذا انصرف المصلي من صلاته بغير لفظ التسليم فصلاته باطلة ، حتى قال النووي : ولو اختل بحرف من حروف " السلام عليكم " لم تصح صلاته ، واحتجوا على ذلك بقوله - صلى الله تعالى عليه وسلم - " تحليلها التسليم " . رواه أبو داود ، حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال : حدثنا وكيع عن سفيان ، عن ابن عقيل ، عن محمد بن الحنفية ، عن علي ابن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " مفتاح الصلاة الطهور ، وتحريمها التكبير ، وتحليلها التسليم " . وأخرجه الترمذي وابن ماجه أيضا . وأخرجه الحاكم في ( مستدركه ) وقال : صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه ، وقال الترمذي : هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب وأحسن . ( قلت ) : اختلفوا في صحته بسبب ابن عقيل ، وهو عبد الله بن محمد بن عقيل ، فقال محمد بن سعد : هو من الطبقة الرابعة من أهل المدينة ، وكان منكر الحديث ، لا يحتجون بحديثه ، وكان كثير العلم ، وقال ابن المديني ، عن بشر بن عمر الزهراني : كان مالك لا يروي عنه ، وكان يحيى بن سعيد لا يروي عنه . وعن يحيى بن معين : ليس حديثه بحجة ، وعنه : ضعيف الحديث ، وعنه : ليس بذلك ، وقال العجلي : تابعي ، مدني ، جائز الحديث ، وقال النسائي : ضعيف وقال الترمذي : صدوق ، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه . وعلى تقدير صحته أجاب الطحاوي عنه بما محصله أن عليا رضي الله تعالى عنه روى عنه " من رابه إذا رفع رأسه من آخر سجدة فقد تمت صلاته " فدل على أن معنى الحديث المذكور لم يكن على أن الصلاة لا تتم إلا بالتسليم إذا كانت تتم عنده بما هو قبل التسليم ، فكأن معنى " تحليلها التسليم " التحليل الذي ينبغي أن تحل به لا بغيره . وجواب آخر أن الحديث المذكور من أخبار الآحاد ، فلا يثبت به الفرض . ( فإن قلت ) : كيف أثبت فرضية التكبير به ، ولم يثبت فرضية التسليم ؟ ( قلت ) : أصل فرضية التكبير في أول الصلاة بالنص ، وهو قوله تعالى : وذكر اسم ربه فصلى وقوله : وربك فكبر غاية ما في الباب يكون الحديث بيانا لما يراد به من النص والبيان به يصح ، كما في مسح الرأس ، وذهب عطاء بن أبي رباح وسعيد بن المسيب وإبراهيم وقتادة وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وابن جرير الطبري بهذا إلى أن التسليم ليس بفرض ، حتى لو تركه لا تبطل صلاته .

التالي السابق


الخدمات العلمية