صفحة جزء
78 ورحل جابر بن عبد الله مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس في حديث واحد .
الكلام فيه على أنواع : الأول أنه أراد بذكر هذا الأثر المعلق التنبيه على فضيلة السفر والرحلة في طلب العلم برا وبحرا .

الثاني : أن جابر بن عبد الله هو الأنصاري الصحابي المشهور ، وعبد الله بن أنيس بضم الهمزة مصغر أنس بن مسعد الجهني بضم الجيم وفتح الحاء ، حليف الأنصار ، شهد العقبة مع السبعين من الأنصار ، وشهد أحدا وما بعدها من المشاهد ، وبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده سرية ، واختلف في شهوده بدرا ، له خمسة وعشرون حديثا ، روى له مسلم حديثا واحدا في ليلة القدر ، وروى له الأربعة ولم يذكره الكلاباذي وغيره فيمن روى له البخاري ، وقد ذكر البخاري في كتاب الرد على الجهمية ، ويذكر عن جابر بن عبد الله عن عبد الله بن أنيس فذكره ، توفي بالشام سنة أربع وخمسين في خلافة معاوية رضي الله عنه وفي سنن أبي داود والترمذي عن عبد الله بن أنيس الأنصاري عنه ابنه عيسى ولعله الأول ، وفي الصحابة عبد الله بن أنيس أو أنيس ، قيل : هو الذي رمى ماعزا لما رجموه فقتله ، وعبد الله بن أنيس قتل يوم اليمامة ، وعبد الله بن أنيس العامري له وفادة ، ومن رواية يعلى بن الأشدق وعبد الله بن أبي أنيسة ، قال الوليد بن مسلم : ثنا داود بن عبد الرحمن المكي ، عن عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن جابر ، سمعت حديثا في القصاص لم يبق أحد يحفظه إلا رجل بمصر يقال له عبد الله بن أبي أنيسة .

الثالث : قوله " في حديث واحد " أي لأجل حديث واحد ، وكلمة في تجيء للتعليل كما في قوله تعالى : فذلكن الذي لمتنني فيه وقوله : لمسكم في ما أفضتم وفي الحديث " إن امرأة دخلت النار في هرة حبستها " .

الرابع : قال ابن بطال : أراد بقوله في حديث واحد حديث الستر على المسلم ، قيل فيه نظر لأنه يقال إن أبا أيوب خالد بن زيد الأنصاري رحل إلى عقبة بن عامر ، أخرجه الحاكم ، حدثنا علي بن حماد ، حدثنا بشر بن موسى ، حدثنا الحميدي ، حدثنا سفيان ، عن ابن جريج ، عن أبي سعيد الأعمى ، عن عطاء بن أبي رباح قال : خرج أبو أيوب إلى عقبة بن عامر يسأله عن حديث سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لم يبق أحد سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم غيره وغير عقبة ، فلما قدم أبو أيوب منزل سلمة بن مخلد الأنصاري أمير مصر فأخبره فعجل عليه فخرج إليه فعانقه ، ثم قال : ما جاء بك يا أبا أيوب ؟ قال : حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبق أحد سمعه من رسول الله عليه السلام غيري وغيرك في ستر المؤمن ، قال عقبة : نعم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من ستر مؤمنا في الدنيا على عورة ستره الله يوم القيامة " فقال له أبو أيوب : صدقت ، ثم انصرف أبو أيوب إلى راحلته فركبها راجعا إلى المدينة ، وفي مسند عبد الله بن وهب صاحب مالك ، أنبأنا عبد الجبار بن عمر ، حدثنا مسلم بن أبي حرة عن رجل من الأنصار عن رجل من أهل قبا أنه قدم مصر على مسلمة بن مخلد فقال : أرسل معي إلى فلان رجل من الصحابة ، قال : حسبت أنه قال سرق ، قال : فذهب إليه في قريته فقال : هل تذكر مجلسا كنت أنا وأنت فيه مع النبي صلى الله عليه وسلم ليس أحد معنا ، قال : نعم ، قال : كيف سمعته يقول ؟ فقال : سمعته يقول " من اطلع من أخيه على عورة ثم سترها جعلها الله له يوم القيامة [ ص: 74 ] حجابا من النار " قال : كنت أعرف ذلك ; ولكن أوهمت الحديث فكرهت أن أحدث به على غير ما كان ، ثم ركب راحلته ورجع ، وقال ابن وهب : أخبرني عمرو بن الحارث عن أبيه ، عن مولى لخارجة ، عن أبي صياد الأسود الأنصاري وكان عريفهم : أن رجلا قدم على مسلمة بن مخلد ، فلم ينزل ، وقال : أرسل معي إلى عقبة بن عامر ، فأرسل معه أبا صياد ، فقال الرجل لعقبة : هل تذكر مجلسا لنا فيه عند النبي عليه الصلاة والسلام ؟ فقال : نعم ، فقال : " من ستر عورة مؤمن كانت له كموؤودة أحياها " فقال عقبة : نعم ، فكبر الرجل ، قال : لهذا ارتحلت من المدينة ثم رجع ، والصحيح أن المراد من قوله في حديث واحد هو الذي أخرجه البخاري في كتاب الرد على الجهمية آخر الكتاب ، فقال : ونذكر عن جابر بن عبد الله عن عبد الله بن أنيس ، سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول : " يحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب : أنا الملك أنا الديان " لم يزد البخاري على هذا ، ورواه أحمد وأبو يعلى في مسنديهما من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل أنه سمع جابر بن عبد الله يقول : بلغني عن رجل حديث سمعه عن رسول الله عليه الصلاة والسلام ، فاشتريت بعيرا ثم شددت رحلي فسرت إليه شهرا حتى قدمت الشام ; فإذا عبد الله بن أنيس ، فقلت للبواب : قل له جابر بن عبد الله على الباب ، فقال ابن عبد الله : قلت نعم ، فخرج فاعتنقني ، فقلت : حديث بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله عليه الصلاة والسلام فخشيت أن أموت قبل أن أسمعك ، فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " يحشر الله الناس يوم القيامة عراة غرلا بهما ، فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب : أنا الملك أنا الديان ، لا ينبغي لأهل الجنة أن يدخل الجنة واحد من أهل النار يطلبه بمظلمة حتى يقتصه منه حتى اللطمة " قال : وكيف وإنما نأتي عراة غرلا ؟ قال : بالحسنات والسيئات ، وأخرجه ابن أبي عاصم في كتاب العلم عن شيبان : حدثنا همام ، حدثنا القاسم بن عبد الواحد ، حدثني عبد الله بن محمد بن عقيل : أن جابرا حدثه ، إلى آخره ، وأخرجه أيضا الحارث بن أبي أسامة في مسنده عن هدبة عن همام بسنده نحوه ، وأخرجه أيضا نصر المقدسي في كتاب الحجة على تارك المحجة عن علي بن طاهر ، حدثنا الحسين بن خراش ، حدثنا أحمد بن إبراهيم ، ثنا علي بن عبد العزيز ، ثنا أبو الوليد الطيالسي ، ثنا همام ، إلى آخره .

فإن قلت : ذكر أبو سعيد بن يونس بسنده عن جابر قال : بلغني حديث في القصاص عن عقبة بن عامر وهو بمصر فاشتريت بعيرا فشددت عليه رحلا وسرت إليه شهرا حتى أتيت مصر ، وذكر الحديث ، وأخرجه الطبراني في مسند الشاميين وتمام في فوائده من طريق الحجاج بن دينار عن محمد بن المنكدر عن جابر ، قال : كان بلغني عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث في القصاص ، وكان صاحب الحديث بمصر ، فاشتريت بعيرا فسرت حتى وردت مصر فقصدت إلى باب الرجل ، فذكر نحو الحديث المذكور ، وإسناده صالح ، وروى الخطيب في كتاب الرحلة من حديث عبد الوارث بن سعيد عن القاسم بن عبد الواحد عن ابن عقيل عن جابر قال : تقدمت على ابن أنيس بمصر ، ورواه أيضا من طريق عيسى الغنجار عن عمر بن صالح ، عن مقاتل بن حبان ، عن أبي جارود العبسي ، عن جابر ، فأتيت مصر فإذا هو بباب الرجل فخرج إلي ، وفيه : " والرب على عرشه ينادي بصوت رفيع غير فظيع " الحديث ، قلت : يحتمل أن يكونا واقعتين إحداهما لعبد الله بن أنيس ، والأخرى لعقبة بن عامر رضي الله عنهما ، قوله “ عراة " جمع عار ، قوله “ غرلا " بضم الغين المعجمة وسكون الراء جمع أغرل وهو الأقلف ، قوله “ بهما " بضم الباء الموحدة ، قال الجوهري : ليس معهم شيء ، ويقال : أصحاء ، قلت : يعني ليس فيهم شيء من العاهات كالعمى والعور وغيرهما ، وإنما هي أجساد صحيحة للخلود إما في الجنة وإما في النار ، والبهيم في الأصل الذي يخالط لونه لون سواد ، قوله “ فيناديهم بصوت " قال القاضي : المعنى يجعل ملكا ينادي أو يخلق صوتا ليسمعه الناس ، وأما كلام الله تعالى فليس بحرف ولا صوت ، وفي رواية أبي ذر " فينادى بصوت " على ما لم يسم فاعله .

الخامس : ادعت جماعة أن البخاري قد نقض قاعدته ; وذلك أن من قواعده أنه يذكر التعليق إذا كان صحيحا بصيغة الجزم وإذا كان ضعيفا بصيغة التمريض ، وهنا قال : ورحل جابر بن عبد الله بصيغة الجزم ، وقال في أواخر صحيحه : ويذكر جابر بصيغة التمريض ، وأجاب عنه الشيخ قطب الدين بأنه جزم بالرحلة دون الحديث ، فعندما ذكر الحديث أتى بصيغة التمريض ، فقال : ويذكر عن جابر بن عبد الله .

التالي السابق


الخدمات العلمية