صفحة جزء
946 36- حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك، عن نافع، وعبد الله بن دينار، عن ابن عمر - أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة الليل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى.
مطابقته في قوله: توتر له ما قد صلى، ورجاله قد ذكروا غير مرة.

وأخرجه مسلم أيضا في الصلاة عن يحيى بن يحيى ، وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي ، وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن مسلمة ، والحارث بن مسكين ، كلاهما عن ابن القاسم ، ثلاثتهم عن مالك ، عن نافع ، وعبد الله بن دينار ، كلاهما عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما.

(ذكر معناه): قوله: " أن رجلا " وقع في معجم الطبراني هو ابن عمر ، لكن يعكر عليه رواية عبد الله بن شقيق عن ابن عمر أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم هو وأنا بينه وبين السائل - فذكر الحديث. وذكر محمد بن نصر في كتاب (أحكام الوتر) من رواية عطية ، عن ابن عمر أن أعرابيا سأل.

قلت: إذا حمل الأمر على تعدد السائل لا اعتراض فيه، ويجوز أن يكون ابن عمر عبر عن السائل تارة بـ"رجلا"، وتارة بـ"أعرابيا"، ويجوز أن يكون هو السائل مع سؤال الرجل. قوله: " عن صلاة الليل " أي عن عددها ; لأن جوابه بقوله: " مثنى " - يدل على ذلك ; لأن من شأن الجواب أن يكون مطابقا للسؤال.

قوله: " مثنى " - مرفوع بأنه خبر مبتدأ، وهو قوله: " صلاة الليل "، وهو بدون التنوين ; لأنه غير منصرف ; لتكرر العدل فيه، قاله الزمخشري . وقال غيره: للعدل، والوصف، والتكرير للتأكيد ; لأنه في معنى اثنين اثنين اثنين اثنين أربع مرات. وقد فسره ابن عمر راوي الحديث، فقال مسلم : حدثنا محمد بن المثنى ، قال: حدثنا محمد بن جعفر ، قال: حدثنا شعبة ، قال: سمعت عقبة بن حريث قال: سمعت ابن عمر يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: صلاة الليل مثنى مثنى ، فإذا رأيت الصبح يدركك، فأوتر بواحدة. [ ص: 3 ] فقيل لابن عمر : ما معنى مثنى مثنى ؟ قال: تسلم في كل ركعتين .

وقال بعضهم: فيه رد على من زعم من الحنفية أن معنى اثنين أن يتشهد بين كل ركعتين ; لأن راوي الحديث أعلم بالمراد به، وما فسره هو المتبادر إلى الفهم ; لأنه لا يقال في الرباعية مثلا: إنها مثنى. (قلت): زعم هذا الحنفي بما ذكر لا يستلزم نفي السلام، ومقصوده أن لا بد من التشهد بين كل ركعتين، وأما أنه يسلم، أو لا يسلم، فهو بحث آخر. ويجوز أن يقال في الرباعية: مثنى مثنى - بالنظر إلى أن كل ركعتين منها مثنى، مع قطع النظر عن السلام.

قوله: " فإذا خشي أحدكم الصبح " أي فوات صلاة الصبح.

قوله: " توتر له " على صيغة المجهول، أسند إلى ما فيما قد صلى. والمعنى تصير به تلك الركعة الواحدة وترا، وبه احتج الشافعي على أن الإيتار بركعة واحدة جائز، وسنتكلم فيه مبسوطا إن شاء الله تعالى.

(ذكر ما يستفاد منه): وهو على وجوه:

الأول: احتج به أبو يوسف ، ومحمد ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد أن صلاة الليل مثنى مثنى، وهو أن يسلم في آخر كل ركعتين. وأما صلاة النهار فأربع عندهما، وعند أبي حنيفة أربع في الليل والنهار. وعند الشافعي فيهما مثنى مثنى، واحتج بما رواه الأربعة من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: صلاة الليل والنهار مثنى مثنى . وبما رواه إبراهيم الحربي من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: صلاة الليل والنهار مثنى مثنى . وبما رواه الحافظ أبو نعيم في تاريخ أصبهان ، عن عروة ، عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صلاة الليل والنهار مثنى مثنى .

ولأبي حنيفة رضي الله تعالى عنه في الليل ما رواه أبو داود في سننه من حديث زرارة بن أوفى عن عائشة أنها سئلت عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في جوف الليل، فقالت: كان يصلي صلاة العشاء في جماعة، ثم يرجع إلى أهله، فيركع أربع ركعات، ثم يأوي إلى فراشه . الحديث. وقال أبو داود : في سماع زرارة ، عن عائشة نظر. ثم أخرجه عن زرارة ، عن سعيد بن هشام ، عن عائشة ، قال: وهذه الرواية هي المحفوظة عندي.

وروى أحمد في مسنده، عن عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى العشاء ركع أربع ركعات، وأوتر بسجدة، ثم نام حتى يصلي بعدها صلاته من الليل . (فإن قلت): أخرج مسلم عن عبد الله بن شقيق عن عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في بيتي، الحديث. وفيه: ويصلي بالناس العشاء، ثم يدخل بيتي، ويصلي ركعتين ; فهذا مخالف لحديثها المتقدم. (قلت): قد وقع عن عائشة اختلاف كثير في أعداد الركعات في صلاته صلى الله عليه وسلم في الليل، فهذا إما من الرواة عنها، وإما منها باعتبار أنها أخبرت عن حالات منها ما هو الأغلب من فعله صلى الله عليه وسلم، ومنها ما هو نادر، ومنها ما هو بحسب اتساع الوقت وضيقه.

ولأبي حنيفة في النهار ما رواه مسلم من حديث معاذة أنها سألت عائشة رضي الله تعالى عنها: كم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى ؟ قالت: أربع ركعات، يزيد ما شاء. وفي رواية: ويزيد ما شاء . وروى أبو يعلى في مسنده من حديث عمرة عن عائشة قالت: سمعت أم المؤمنين عائشة تقول: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يصلي الضحى أربع ركعات ، لا يفصل بينهن بكلام .

والجواب من حديث الأربعة الذي فيه ذكر النهار أن الترمذي لما رواه سكت عنه إلا أنه قال: اختلف أصحاب شعبة فيه ; فرفعه بعضهم، ووقفه بعضهم. ورواه الثقات عن عبد الله بن عمر ، عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، ولم يذكر فيه صلاة النهار. وقال النسائي : هذا الحديث عندي خطأ، وقال في سننه الكبرى: إسناده جيد إلا أن جماعة من أصحاب ابن عمر خالفوا الأزدي فيه، فلم يذكروا فيه النهار، منهم سالم ، ونافع ، وطاوس . والحديث في (الصحيحين) من حديث جماعة عن ابن عمر ، وليس فيه ذكر النهار.

وقال الدارقطني في رواية محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن ابن عمر مرفوعا: صلاة الليل والنهار مثنى مثنى : غير محفوظ، وإنما تعرف صلاة النهار عن يعلى بن عطاء ، عن علي البارقي عن ابن عمر . وقد خالفه نافع ، وهو أحفظ منه، فذكر أن صلاة الليل مثنى مثنى، والنهار أربعا . (فإن قلت): قال البيهقي : سئل أبو عبد الله البخاري عن حديث البارقي هذا: أصحيح هو ؟ قال: نعم. وقال ابن الجوزي : هذه زيادة من ثقة، فهي مقبولة، (قلت): لو كان هذا صحيحا لخرجه البخاري هنا. وقال يحيى : كان شعبة ينفي هذا الحديث، وربما لم يرفعه. وروى إبراهيم الحنيني عن مالك ، والنمري عن نافع ، عن ابن عمر يرفعه: صلاة الليل والنهار مثنى مثنى . وقال ابن عبد البر : رواية الحنيني خطأ، ولم يتابعه عن مالك أحد.

الوجه الثاني: أن الشافعي احتج به على أن الإيتار بركعة واحدة جائز، واحتج أيضا بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها [ ص: 4 ] قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل عشر ركعات، ويوتر بسجدة، ويسجد بسجدتي الفجر - فذلك ثلاث عشرة ركعة . رواه أبو داود ، وغيره، وقال النووي : وهو مذهبنا، ومذهب الجمهور. وقال أبو حنيفة : لا يصح الإيتار بواحدة، ولا تكون الركعة الواحدة صلاة قط. والأحاديث الصحيحة ترد عليه. (قلت): معناه يوتر بسجدة، أي بركعة، وركعتين قبلها فيصير وتره ثلاثا ونفله ثمانيا، والركعتان للفجر.

ولأبي حنيفة أيضا أحاديث صحيحة ترد عليه، منها ما رواه النسائي في سننه بإسناده إلى عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يسلم في ركعتي الوتر . ومنها ما رواه في مستدركه بإسناده إلى عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بثلاث، لا يسلم إلا في آخرهن . وقال: إنه صحيح على شرط البخاري ، ومسلم ، ولم يخرجاه. ومنها ما رواه الدارقطني ثم البيهقي عن يحيى بن زكريا ، عن الأعمش ، عن مالك بن الحارث ، عن عبد الرحمن بن يزيد النخعي ، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: وتر الليل ثلاث كوتر النهار صلاة المغرب . (فإن قلت): قال الدارقطني : لم يروه عن الأعمش مرفوعا غير يحيى بن زكريا ، وهو ضعيف. وقال البيهقي : ورواه الثوري ، وعبد الله بن نمير ، وغيرهما عن الأعمش ، فوقفوه. (قلت): لا يضرنا كونه موقوفا على ما عرف، مع أن الدارقطني أخرج عن عائشة أيضا نحوه مرفوعا.

وأخرج النسائي من حديث ابن عمر ، قال: حدثنا قتيبة ، عن الفضيل بن عياض ، عن هشام بن حسان ، عن محمد بن سيرين ، عن ابن عمر : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: صلاة المغرب وتر صلاة النهار، فأوتروا صلاة الليل . وهذا السند على شرط الشيخين. وروى الطحاوي ، حدثنا روح بن الفرج ، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير ، حدثنا بكر بن مضر ، عن جعفر بن ربيعة ، عن عقبة بن مسلم قال: سألت عبد الله بن عمر عن الوتر، فقال: أتعرف وتر النهار ؟ فقلت: نعم، صلاة المغرب. قال: صدقت، وأحسنت .

وقال الطحاوي : وعليه يحمل حديث ابن عمر أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن صلاة الليل، إلى آخر حديث الباب. قال: معناه صل ركعة في ثنتين قبلها. وتتفق بذلك الأخبار ; حدثنا أبو بكرة ، حدثنا أبو داود ، حدثنا أبو خالد : سألت أبا العالية عن الوتر، فقال: علمنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الوتر مثل صلاة المغرب، هذا وتر الليل، وهذا وتر النهار .

وروى الطحاوي عن أنس قال: الوتر ثلاث ركعات . وروى أيضا عن المسور بن مخرمة قال: دفنا أبا بكر ليلا، فقال عمر رضي الله تعالى عنه: إني لم أوتر. فقام، وصففنا وراءه، فصلى بنا ثلاث ركعات لم يسلم إلا في آخرهن . وروى ابن أبي شيبة في مصنفه: حدثنا حفص بن عمر ، عن الحسن قال: أجمع المسلمون على أن الوتر ثلاثة لا يسلم إلا في آخرهن .

وقال الكرخي : أجمع المسلمون، إلى آخره - نحوه، ثم قال: وأوتر سعد بن أبي وقاص بركعة، فأنكر عليه ابن مسعود ، وقال: ما هذه البتيراء التي لا نعرفها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وعن عبد الله بن قيس قال: قلت لعائشة : بكم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر ؟ قالت: كان يوتر بأربع وثلاث، وست وثلاث، وثمان وثلاث، وعشر وثلاث. ولم يكن يوتر بأقل من سبع، ولا بأكثر من ثلاث عشرة . رواه أبو داود . فقد نصت على الوتر بثلاثة، ولم تذكر الوتر بواحدة، فدل على أنه لا اعتبار للركعة البتيراء.

وقال النووي : وقال أصحابنا: لم يقل أحد من العلماء إن الركعة الواحدة لا يصح الإيتار بها إلا أبو حنيفة ، والثوري ، ومن تابعهما. (قلت): عجبا للنووي ! كيف ينقل هذا النقل الخطأ، ولا يرده مع علمه بخطئه. وقد ذكرنا عن جماعة من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم أن الإيتار بثلاث، ولا تجزي الركعة الواحدة.

وروى الطحاوي عن عمر بن عبد العزيز أنه أثبت الوتر بالمدينة بقول الفقهاء: ثلاث لا يسلم إلا في آخرهن. واتفاق الفقهاء بالمدينة على اشتراط الثلاث بتسليمة واحدة يبين لك خطأ نقل الناقل اختصاص ذلك بأبي حنيفة ، والثوري ، وأصحابهما. (فإن قلت): ما تقول في قوله صلى الله عليه وسلم: " فإذا خشيت الصبح، فأوتر بركعة " . (قلت): معناه متصلة بما قبلها، ولذلك قال: توتر لك ما قبلها . ومن يقتصر على ركعة واحدة كيف توتر له ما قبلها، وليس قبلها شيء ؟ (فإن قلت): روي أنه قال: من شاء أوتر بركعة، ومن شاء أوتر بثلاث، أو بخمس. (قلت): هو محمول على أنه كان قبل استقرارها ; لأن الصلاة المستقرة لا يخير في أعداد ركعاتها. وكذا قول عائشة : كان يسلم بين كل ركعتين، ويوتر بواحدة ، يعارضه ما روى ابن ماجه عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها أنه كان يوتر بسبع، أو بخمس لا يفصل بينهن بتسليم، ولا كلام ، فيحمل على أنه كان قبل استقرار الوتر.

ومما يدل على ما ذهبنا إليه حديث النهي عن البتيراء أن يصلي الرجل واحدة يوتر بها، أخرجه ابن عبد البر في التمهيد، عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن البتيراء . وممن قال: يوتر بثلاث لا يفصل بينهن - عمر وعلي ، وابن مسعود ، وحذيفة ، وأبي بن كعب ، وابن عباس ، وأنس ، وأبو أمامة ، [ ص: 5 ] وعمر بن عبد العزيز ، والفقهاء السبعة، وأهل الكوفة .

وقال الترمذي : ذهب جماعة من الصحابة، وغيرهم إليه. وعند النسائي بسند صحيح عن أبي بن كعب : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بسبح اسم ربك الأعلى، وقل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد. ولا يسلم إلا في آخرهن . وعند الترمذي من حديث الحارث عن علي رضي الله تعالى عنه: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يوتر بثلاث .

الوجه الثالث: في وقت الوتر ، ووقته وقت العشاء، فإذا خرج وقته لا يسقط عنه، بل يقضيه. وفي (شرح المهذب): جمهور العلماء على أن وقت الوتر يخرج بطلوع الفجر، وقيل: إنه يمتد بعد الفجر إلى أن يصلى الفجر. قال ابن بزيزة : ومشهور مذهب مالك أن يصليه بعد طلوع الفجر ما لم يصل الصبح، والشاذ من مذهبه أنه لا يصلى بعد طلوع الفجر. قال: وبالمشهور من مذهبه قال أحمد ، والشافعي ، ومن السلف ابن مسعود ، وابن عباس ، وعبادة بن الصامت ، وحذيفة ، وأبو الدرداء ، وعائشة . وقال طاوس : يصلى الوتر بعد صلاة الصبح، وقال أبو ثور ، والأوزاعي ، والحسن ، والليث : يصلى، ولو طلعت الشمس. وقال سعيد بن جبير : يوتر من القابلة. وفي (المصنف): عن الحسن قال: لا وتر بعد الغداة . وفي لفظ: إذا طلعت الشمس ، فلا وتر. وقال الشعبي : من صلى الغداة، ولم يوتر فلا وتر عليه. وكذا قاله مكحول ، وسعيد بن جبير .

التالي السابق


الخدمات العلمية