صفحة جزء
1141 221 - حدثنا ابن نمير، قال: حدثنا ابن فضيل، قال: حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله رضي الله عنه، أنه قال: كنا نسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد علينا وقال: إن في الصلاة شغلا.


مطابقته للترجمة في قوله: (فلم يرد علينا) إلى آخره.

(ذكر رجاله)، وهم ستة:

الأول: محمد بن عبد الله بن نمير بضم النون وسكون الياء آخر الحروف وبالراء أبو عبد الرحمن الهمداني ريحانة العراق ، مات سنة أربع وثلاثين ومائتين.

الثاني: محمد بن فضيل بضم الفاء وفتح الضاد المعجمة، مر في باب صوم رمضان من كتاب الإيمان.

الثالث: سليمان الأعمش ، وقد تكرر ذكره.

الرابع: إبراهيم النخعي .

الخامس: علقمة بن قيس .

السادس: عبد الله بن مسعود .

(ذكر لطائف إسناده) فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع، وفيه القول في ثلاثة مواضع، وفيه أن رجال إسناده كلهم كوفيون ، وفيه أنه ذكر شيخه بنسبته إلى جده; لأن اسم أبيه عبد الله كما ذكرنا الآن، وقد تكلف الكرماني في هذا، فقال ما حاصله أنه ذكره في باب إتيان مسجد قباء أنه عبد الله لا محمد ، فكيف يفرق بينهما، ثم قال: يحصل الفرق بذكر شيوخهما، ومعرفة طبقتهما، وتاريخ وفاتهما، ولعل غرض البخاري في مثل هذا الإبهام الترغيب في معرفة طبقات الرجال، وامتحان استحضارهم، ونحو ذلك، انتهى.

(قلت): المذكور في باب إتيان مسجد قباء ابن نمير فقط، وكذلك في هذا الباب المذكور ابن نمير في موضعين، والكل واحد، غير أنه تارة ينسب إلى أبيه، وتارة إلى جده، وفيه أن المذكور من الرجال اثنان بابن فلان أحدهما منسوب إلى جده، والآخر منسوب إلى أبيه، وفيه واحد مذكور بلقبه، وثلاثة مذكورون بلا نسبة.

(ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره) أخرجه البخاري أيضا في هجرة الحبشة عن يحيى بن حماد عن أبي عوانة ، وفي الصلاة عن عبد الله بن أبي شيبة ، وعن ابن نمير عن إسحاق بن منصور عن هريم بن سفيان ، وأخرجه مسلم في الصلاة، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وزهير ، وابن نمير ، وأبي سعيد الأشج ، أربعتهم عن ابن فضيل به، وعن ابن نمير ، عن [ ص: 268 ] إسحاق بن منصور به. وأخرجه أبو داود فيه، عن ابن نمير ، عن فضيل به. وأخرجه النسائي فيه، عن حميد بن مسعدة ، عن بشر بن المفضل ، عن شعبة ، عنه به.

(ذكر معناه).

قوله: (كنا نسلم على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وهو في الصلاة) ، وفي رواية أبي وائل : كنا نسلم في الصلاة ونأمر بحاجاتنا. وفي رواية أبي الأحوص : خرجت في حاجة ونحن يسلم بعضنا على بعض في الصلاة.

قوله: (وهو في الصلاة) ، جملة حالية.

قوله: (فيرد علينا) ، أي: يرد السلام علينا وهو في الصلاة.

قوله: (فلما رجعنا من عند النجاشي ) بفتح النون، وقيل: بكسرها، وكل من ملك الحبشة يسمى النجاشي كما يسمى كل من ملك الروم قيصرا، وكل من ملك الفرس يسمى كسرى ، وكل من ملك الترك يسمى خافانا، وكل من ملك الهند يسمى بطلميوسا، وكل من ملك اليمن يسمى تبعا، وقال ابن إسحاق : لما احتمل المسلمون من أذى الكفار واشتد ذلك عليهم قصد بعضهم الهجرة فرارا بدينهم من الفتنة. قال: ولما رأى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ما يصيب أصحابه من البلاء وما هو فيه من العافية بمكانه من الله تعالى ومن عمه أبي طالب وأنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء قال لهم: لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه، فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة، وفرارا إلى الله تعالى بدينهم، فكانت أول هجرة في الإسلام. وقال الواقدي : كانت هجرتهم إلى الحبشة في رجب سنة خمس من النبوة، وأن أول من هاجر منهم أحد عشر رجلا وأربع نسوة، وأنهم انتهوا إلى البحر ما بين ماش وراكب فاستأجروا سفينة بنصف دينار إلى الحبشة ، وهم عثمان بن عفان ، وامرأته رقية بنت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، وأبو حذيفة بن عتبة ، وامرأته سهلة بنت سهيل ، والزبير بن العوام ، ومصعب بن عمير ، وعبد الرحمن بن عوف ، وأبو سلمة بن عبد الأسد وامرأته أم سلمة بنت أبي أمية ، وعثمان بن مظعون ، وعامر بن ربيعة العنزي وامرأته ليلى بنت أبي حثمة ، وأبو سبرة بن أبي رهم ، وحاطب بن عمرو ، وسهيل بن بيضاء ، وعبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنهم.

وقال ابن جرير : وقال الآخرون: كانوا اثنين وثمانين رجلا سوى نسائهم، وأبنائهم، وعمار بن ياسر يشك فيه، فإن كان فيهم فقد كانوا ثلاثة وثمانين رجلا، ولما رجعوا من عند النجاشي كان رجوعهم من عنده إلى مكة ، وذلك أن المسلمين الذين ذكرناهم أنهم هاجروا إلى الحبشة بلغهم أن المشركين أسلموا فرجعوا إلى مكة فوجدوا الأمر بخلاف ذلك، واشتد الأذى عليهم فخرجوا إليها أيضا فكانوا في المرة الثانية أضعاف الأولى، وكان ابن مسعود مع الفريقين، واختلف في مراده بقوله: (فلما رجعنا)، هل أراد الرجوع الأول أو الثاني، فمالت جماعة منهم أبو الطيب الطبري إلى الأول وقالوا: تحريم الكلام كان بمكة ، وحملوا حديث زيد بن أرقم على أنه وقومه لم يبلغهم النسخ، وقالوا: لا مانع من أن يتقدم الحكم، ثم تنزل الآية بوفقه، ومالت طائفة إلى الترجيح، فقالوا بترجيح حديث ابن مسعود ، فإنه حكى لفظ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بخلاف زيد ، فلم يحكه، وقالت طائفة: إنما أراد ابن مسعود رجوعه.

الثاني: وقد ورد أنه قدم المدينة والنبي صلى الله تعالى عليه وسلم يتجهز إلى بدر . وروى الحاكم في مستدركه من طريق أبي إسحاق ، عن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: بعثنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى النجاشي ثمانين رجلا ، فذكر الحديث بطوله، وفي آخره: فتعجل عبد الله بن مسعود فشهد بدرا . وقال ابن إسحاق : إن المؤمنين وهم بالحبشة لما بلغهم أن النبي صلى الله عليه وسلم هاجر إلى المدينة رجع منهم إلى مكة ثلاثة وثلاثون رجلا، فمات منهم رجلان بمكة وحبس بها منهم سبعة، وتوجه إلى المدينة أربعة وعشرون رجلا فشهدوا بدرا فبان من ذلك أن ابن مسعود كان من هؤلاء، وأن اجتماعهم بالنبي صلى الله عليه وسلم كان بالمدينة .

قوله: (شغلا)، بضم الشين والغين وبسكون الغين والتنوين فيه للتنويع أي: نوعا من الشغل لا يليق معه الاشتغال بغيره، قاله الكرماني ، ويجوز أن يكون للتعظيم، أي: شغلا عظيما، وهو اشتغال بالله تعالى دون غيره في مثل هذه الحالة.

(ذكر ما يستفاد منه) فيه دلالة على أن الكلام كان مباحا في الصلاة ثم حرم، وكذلك في حديث زيد بن أرقم الآتي ذكره، واختلفوا: متى حرم، فقال قوم: بمكة ، واستدلوا بحديث ابن مسعود ورجوعه من عند النجاشي إلى مكة ، وقال آخرون: بالمدينة ، بدليل حديث زيد بن أرقم ، فإنه من الأنصار أسلم بالمدينة ، وسورة البقرة مدنية، وقالوا ابن مسعود لما عاد إلى مكة من [ ص: 269 ] الحبشة رجع إلى النجاشي إلى الحبشة في الهجرة الثانية، ثم ورد على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ، وهو يتجهز لبدر ، وقال الخطابي : إنما نسخ الكلام بعد الهجرة بمدة يسيرة، وأجاب الأولون بأنه قال: فلما رجعنا من عند النجاشي ، ولم يقل: في المرة الثانية، وحملوا حديث زيد على أنه إخبار عن الصحابة المتقدمين كما يقول القائل: قتلناكم، وهزمناكم، يعنون الآباء، والأجداد، ورد قول الخطابي بتعذر التاريخ، وفيه نظر; لأن في حديث جابر الذي رواه مسلم : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة، ثم أدركته وهو يصلي، فسلمت عليه فأشار إلي، فلما فرغ قال: إنك سلمت آنفا وأنا أصلي، فهو الذي منعني أن أكلمك . ورواه أبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه ، وفي لفظ: كان ذلك وهو منطلق إلى بني المصطلق . وهذا يرد أيضا ما قاله ابن حبان من قوله: (توهم من لم يحكم صناعة العلم أن نسخ الكلام في الصلاة كان بالمدينة لحديث زيد بن أرقم )، وليس كذلك; لأن الكلام في الصلاة كان مباحا إلى أن رجع ابن مسعود وأصحابه من عند النجاشي ، فوجدوا إباحة الكلام قد نسخت، وكان بالمدينة مصعب بن عمير يقري المسلمين، ويفقههم، وكان الكلام بالمدينة مباحا كما كان في مكة ، فلما نسخ ذلك بمكة تركه الناس بالمدينة ، فحكى زيد ذلك الفعل لا أن نسخ الكلام كان بالمدينة .

وقال ابن حبان في موضع آخر بأن زيد بن أرقم أراد بقوله: (كنا نتكلم)، من كان يصلي خلف النبي صلى الله عليه وسلم بمكة من المسلمين. ورد هذا أيضا بأنهم ما كانوا بمكة يجتمعون إلا نادرا، وبما رواه الطبراني من حديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنهم أجمعين: كان الرجل إذا دخل المسجد فوجدهم يصلون سأل الذي إلى جنبه فيخبره بما فاته فيقضي، ثم يدخل معهم حتى جاء معاذ يوما فدخل في الصلاة. فذكر الحديث، وهذا كان بالمدينة قطعا; لأن أبا أمامة ، ومعاذ بن جبل إنما أسلما بالمدينة .

(فإن قلت): في حديث جابر المذكور إشكال على قول أبي حنيفة حيث قال: المصلي إذا سلم عليه لا يرد بلفظ، ولا بإشارة ؟ (قلت): حديث جابر روي بوجوه مختلفة، منها ما رواه الطحاوي : حدثنا أحمد بن داود ، قال: حدثنا مسدد ، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم ، قال: حدثنا هشام بن أبي عبد الله ، قال: حدثنا أبو الزبير ، عن جابر قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فبعثني في حاجة، فانطلقت إليها، ثم رجعت إليه، وهو على راحلته فسلمت عليه، فلم يرد علي، ورأيته يركع ويسجد، فلما سلم رد علي . فهذا جابر بن عبد الله يخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرد عليه، وأنه لما فرغ من صلاته رد عليه. وروى أيضا مرة، عن أبي بكرة ، عن أبي داود ، عن هشام ، فذكر بإسناده مثله غير أنه لم يقل: فلم يرد علي، وقال: فلما فرغ من صلاته قال: أما إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كنت أصلي فأخبرني هذا، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرد عليه في الصلاة، فدل ذلك على أن تلك الإشارة التي كانت منه في الصلاة لم تكن ردا، وإنما كانت نهيا. (فإن قلت): روى الطحاوي أيضا، عن جابر من رواية الأعمش ، عن أبي سفيان ، قال: سمعت جابرا يقول: ما أحب أن أسلم على الرجل وهو يصلي، ولو سلم علي لرددت عليه ؟ (قلت): هو كره أن يسلم على المصلي، وقد كان سلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يصلي فأشار إليه، فلو كانت الإشارة التي كانت من النبي صلى الله عليه وسلم رد السلام عليه، إذا لما كره ذلك; لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينهه عنه، ولكنه إنما كره ذلك; لأن إشارة النبي صلى الله عليه وسلم تلك كانت عنده نهيا له عن السلام عليه وهو يصلي.

(فإن قلت): قد قال: ولو سلم علي لرددت ؟ (قلت) له: أفقال جابر لرددت في الصلاة، قد يجوز أن يكون أراد بقوله: (لرددت)، أي: بعد فراغي من الصلاة. قال الطحاوي : وقد دل على ذلك من مذهبه ما حدثنا علي بن زيد ، قال: حدثنا موسى بن داود ، قال: حدثنا همام ، قال: سأل سليمان بن موسى عطاء : أسألت جابرا عن الرجل يسلم عليك، وأنت تصلي، فقال: لا ترد عليه حتى تقضي صلاتك ؟ فقال: نعم .

ثم الأئمة اختلفوا في هذا الباب، فقال قوم منهم: يرد السلام نطقا، وهو المروي، عن أبي هريرة ، وجابر ، والحسن ، وسعيد بن المسيب ، وقتادة ، وإسحاق . ومنهم من قال: يستحب رده بالإشارة، وبه قال الشافعي ، ومالك ، وأحمد ، وأبو ثور ، وقيل: يرد في نفسه، روي ذلك عن أبي حنيفة أيضا، وقال قوم: يرد بعد السلام، وهو قول عطاء ، والثوري ، والنخعي ، وهو المروي، عن أبي ذر ، وأبي العالية ، وبه قال محمد بن الحسن ، وقال أبو يوسف : لا يرد لا في الحال، ولا بعد الفراغ، وقالت طائفة من الظاهرية : إذا كانت الإشارة مفهمة قطعت عليه صلاته لما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: التسبيح للرجال، والتصفيق [ ص: 270 ] للنساء، ومن أشار في صلاته إشارة تفهم منه فليعدها . رواه الطحاوي ، ورواه أبو داود أيضا، ولفظه: فليعد لها، ثم قال: وهذا الحديث وهم، وقال إسحاق بن إبراهيم بن هانئ : سئل أحمد عن هذا الحديث، فقال: لا يثبت إسناده ليس بشيء، وأعله ابن الجوزي بابن إسحاق في سنده، وقال: أبو غطفان مجهول، وهو في إسناده أيضا. قال صاحب التحقيق: أبو غطفان هو ابن طريف ، ويقال: ابن مالك المري . قال عباس الدوري : سمعت ابن معين يقول فيه: ثقة، وقال النسائي في الكنى: أبو غطفان ثقة. قيل: اسمه سعد ، وذكره ابن حبان في الثقات، وأخرج له مسلم في صحيحه، فحينئذ يكون إسناد الحديث صحيحا، وأبو داود لم يبين كيفية الوهم، فلا يبنى عليه شيء، فإن كان قول أبي داود من جهة أبي غطفان فقد بينا حاله، وتعليل ابن الجوزي بابن إسحاق ليس بشيء; لأن ابن إسحاق من الثقات الكبار عند الجمهور.

التالي السابق


الخدمات العلمية