صفحة جزء
1195 ( باب غسل الميت ووضوئه بالماء والسدر )
أي هذا باب في بيان حكم غسل الميت إلى آخره .

وهذه الترجمة مشتملة على أمور :

الأول : في غسل الميت هل هو فرض ، أو واجب ، أو سنة ، فقال أصحابنا : هو واجب على الأحياء بالسنة ، وإجماع الأمة : أما السنة فقوله صلى الله عليه وسلم: " للمسلم على المسلم ست حقوق " وذكر منها : إذا مات أن يغسله ، وأجمعت الأمة على هذا ، وفي شرح الوجيز الغسل والتكفين والصلاة فرض [ ص: 36 ] على الكفاية بالإجماع ، وكذا نقل النووي الإجماع على أن غسل الميت فرض كفاية ، وقد أنكر بعضهم على النووي في نقله هذا ، فقال : وهو ذهول شديد ; فإن الخلاف مشهور جدا عند المالكية ; حتى إن القرطبي رجح في شرح مسلم أنه سنة ، ولكن الجمهور على وجوبه . انتهى .

قلت : هذا ذهول أشد من هذا القائل ; حيث لم ينظر إلى معنى الكلام ، فإن معنى قوله : سنة ، أي سنة مؤكدة ، وهي في قوة الوجوب حتى قال هو ، وقد رد ابن العربي على من لم يقل بذلك ، أي بالوجوب ، وقال : توارد به القول والعمل وغسل الطاهر المطهر ، فكيف بمن سواه .

الثاني : في أن أصل وجوب غسل الميت ما رواه عبد الله بن أحمد في المسند أن آدم عليه الصلاة والسلام غسلته الملائكة وكفنوه وحنطوه وحفروا له وألحدوا وصلوا عليه ، ثم دخلوا قبره فوضعوه فيه ووضعوا عليه اللبن ، ثم خرجوا من قبره ، ثم حثوا عليه التراب ، ثم قالوا : يا بني آدم هذه سبيلكم " . ورواه البيهقي بمعناه .

الثالث : في سبب وجوب غسل الميت ، فقال بعضهم : هو الحدث ، فإن الموت سبب لاسترخاء مفاصله ، وقال الشيخ أبو عبد الله الجرجاني وغيره من مشايخ العراق : إنما أوجب النجاسة الموت ; إذ الآدمي له دم مسفوح كسائر الحيوانات ، ولهذا يتنجس البئر بموته فيها ، وفي البدائع عن محمد بن الشجاع البجلي أن الآدمي لا ينجس بالموت كرامة له ; لأنه لو تنجس لما حكم بطهارته بالغسل كسائر الحيوانات التي حكم بنجاستها بالموت ، وسيأتي قول ابن عباس : " إن المسلم لا ينجس حيا ولا ميتا ، وقال بعض الحنابلة : ينجس بالموت ولا يطهر بالغسل ، ويتنجس الثوب الذي ينشف به كسائر الميتات ، وهذا باطل بلا شك وخرق للإجماع .

الرابع : في وضوء الميت فوضوؤه سنة كما في الاغتسال في حالة الحياة ، غير أنه لا يمضمض ولا يستنشق عندنا ; لأنهما متعسران ، وقال صاحب المغني : ولا يدخل الماء فاه ولا منخريه في قول أكثر أهل العلم ، وهو قول سعيد بن جبير والنخعي والثوري وأحمد ، وقال الشافعي : يمضمض ويستنشق كما يفعله الحي ، وقال النووي المضمضة جعل الماء في فيه . قلت : هذا خلاف ما قاله أهل اللغة ، فقال الجوهري : المضمضة تحريك الماء في الفم وإمام الحرمين لم يصوب من قال مثل ما قال النووي .

الخامس : في الماء والسدر ، فالحكم فيه عندنا أن الماء يغلى بالسدر والأشنان مبالغة في التنظيف ، فإن لم يكن السدر أو الأشنان فالماء القراح ، وذكر في المحيط والمبسوط أنه يغسل أولا بالماء القراح ثم بالماء الذي يطرح فيه السدر ، وفي الثالثة يجعل الكافور في الماء ، ويغسل به ، هكذا روي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ، وعند سعيد بن المسيب والنخعي والثوري : يغسل في المرة الأولى والثانية بالماء القراح ، والثالثة بالسدر ، وقال الشافعي : يختص السدر بالأولى ، وبه قال ابن الخطاب من الحنابلة ، وعن أحمد : يستعمل السدر في الثلاث كلها ، وهو قول عطاء وإسحاق وسليمان بن حرب ، وقال القرطبي : يجعل السدر في ماء ، ويخضخض إلى أن تخرج رغوته ، ويدلك جسده ، ثم يصب عليه الماء القراح . فهذه غسلة . وكرهت الشافعية وبعض الحنابلة الماء المسخن وخيره مالك ما ذكره في الجواهر ، وفي الختلي من كتب الشافعية قيل : المسخن أولى بكل حال ، وهو قول إسحاق ، وفي الدراية وعند الشافعي وأحمد : الماء البارد أفضل إلا أن يكون عليه وسخ أو نجاسة لا تزول إلا بالماء الحار ، أو يكون البرد شديدا . فإن قلت : الوضوء مذكور في الترجمة ، ولم يذكر له حديثا . قلت : اعتمد على المعهود من الاغتسال عن الجنابة ويمكن أن يقال : إنه اعتمد على ما ورد في بعض طرق حديث الباب من حديث أم عطية ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها . وقيل : أراد وضوء الغاسل ، أي لا يلزمه وضوء. قلت : هذا بعيد ; لأن الغاسل لم يذكر فيما قبله ولا يعود الضمير في قوله : " ووضوئه " إلا إلى الميت ووجه بعضهم هذا فقال : إلا أن يقال تقدير الترجمة باب غسل الحي الميت ; لأن الميت لا يتولى ذلك بنفسه ، فيعود الضمير على المحذوف . قلت : هذا عسف وإن كان له وجه مع أن رجوع الضمير إلى أقرب الشيئين إليه أولى .

التالي السابق


الخدمات العلمية