صفحة جزء
111 52 - حدثنا محمد بن سلام قال : أخبرنا وكيع ، عن سفيان ، عن مطرف ، عن الشعبي ، عن أبي جحيفة قال : قلت لعلي : هل عندكم كتاب ؟ قال : لا ، إلا كتاب الله أو فهم أعطيه رجل مسلم أو ما في هذه الصحيفة ، قال : قلت : فما في هذه الصحيفة ؟ قال : العقل ، وفكاك الأسير ، ولا يقتل مسلم بكافر .
مطابقة الحديث للترجمة في قوله " في هذه الصحيفة " ; لأن الصحيفة هي الورقة المكتوبة ، وفي العباب : الصحيفة الكتاب ، والذي يقرأ هو الصحيفة .

بيان رجاله : وهم سبعة :

الأول : محمد بن سلام أبو عبد الله البيكندي ، وفي الكمال بتخفيف اللام ، وقد يشدده من لا يعرف ، وقال الدارقطني : هو بالتشديد لا بالتخفيف ، وقد تقدم .

الثاني : وكيع بن الجراح بن مليح بن عدي بن فرس بن حمحمة ، وقيل : غيره . أصله من قرية من قرى نيسابور الرواسي الكوفي من قيس غيلان ، روى عن الأعمش وغيره ، وعن أحمد ، وقال : إنه أحفظ من ابن مهدي ، وقال حماد بن زيد : لو شئت قلت : إنه أرجح من سفيان . ولد سنة ثمان وعشرين ومائة ، ومات بفيد منصرفا من الحج يوم عاشوراء سنة سبع وستين ومائة .

وقال ابن معين : ما رأيت أفضل من وكيع ، وكان يفتي بقول أبي حنيفة ، وكان قد سمع منه شيئا كثيرا ، روى له الجماعة .

الثالث : سفيان ، قال الكرماني : يحتمل أن يراد به الثوري وأن يراد به سفيان بن عيينة ; لأن وكيعا يروي عنهما وهما يرويان عن مطرف ، ولا قدح بهذا الالتباس في الإسناد ; لأن أيا كان منهما فهو إمام حافظ ضابط عدل مشهور على شرط البخاري ، ولهذا يروي لهما في الجامع شيئا كثيرا ، وقال بعضهم عن سفيان : هو الثوري ; لأن وكيعا مشهور بالرواية عنه ولو كان ابن عيينة لنسبه ; لأن القاعدة في كل من روى عن متفق الاسم أنه يحمل من أهمل نسبته على من يكون له به [ ص: 159 ] خصوصية من إكثار ونحوه ، ووكيع قليل الرواية عن ابن عيينة بخلاف الثوري . قلت : كل ما ذكره ليس يصلح مرجحا أن يكون سفيان هذا هو الثوري بعد أن ثبت رواية وكيع عن سفيانين كليهما وروايتهما عن مطرف على أن أبا مسعود الدمشقي قال في الأطراف : هذا هو سفيان بن عيينة ، وقال الغساني في كتابه تقييد المهمل : هذا الحديث محفوظ عن ابن عيينة .

الرابع : مطرف بضم الميم وفتح الطاء المهملة وكسر الراء المشددة وبالفاء ابن طريف بطاء مهملة مفتوحة أبو بكر ، ويقال : أبو عبد الرحمن الكوفي الحارثي نسبة إلى بني الحارث بن كعب بن عمرو ، ويقال : الخارفي بالخاء المعجمة وبالفاء نسبة إلى خارف بن عبد الله ، وثقه أحمد وغيره .

مات سنة ثلاث وثلاثين ومائة ، روى له الجماعة .

الخامس : عامر الشعبي ، وقد تقدم .

السادس : أبو جحيفة بضم الجيم وفتح الحاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف وبالفاء ، واسمه وهب بن عبد الله السوائي بضم السين المهملة وتخفيف الواو وبالمد الكوفي ، روي له عن رسول الله عليه الصلاة والسلام خمسة وأربعون حديثا ، اتفقا على حديثين وانفرد البخاري بحديثين ومسلم بثلاثة ، وكان علي رضي الله عنه يكرمه ويحبه ويثق به ، وجعله على بيت المال بالكوفة وشهد معه مشاهده كلها ، ونزل الكوفة ، وتوفي سنة اثنتين وسبعين ، روى له الجماعة ، وكان من صغار الصحابة .

قيل : توفي رسول الله عليه الصلاة والسلام ، ولم يبلغ الحلم ، والله أعلم .

السابع : علي بن أبي طالب رضي الله عنه .

بيان لطائف إسناده

منها أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة ، ومنها أن رواته كلهم كوفيون إلا شيخ البخاري وقد دخل فيها ، ومنها أن فيه رواية الصحابي عن الصحابي .

قوله " حدثنا محمد بن سلام " كذا في رواية أبي ذر وآخرين ، وفي رواية الأصيلي : حدثنا ابن سلام ، قوله " عن الشعبي " ، وفي رواية المصنف في الديات سمعت الشعبي ، قوله عن أبي جحيفة ، وفي رواية البخاري في الديات : سمعت أبا جحيفة ، وقد صرح باسمه الإسماعيلي في روايته .

بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره :

أخرجه البخاري أيضا في الجهاد ، عن أحمد بن يونس ، عن زهير . وفي الديات ، عن صدقة بن الفضل ، عن سفيان بن عيينة ، كلاهما عن مطرف به . وأخرجه الترمذي في الديات ، عن أحمد بن منيع ، عن هشيم ، عن مطرف نحوه ، وقال : حسن صحيح . وأخرجه النسائي في القود عن محمد بن منصور ، عن سفيان بن عيينة نحوه . وأخرجه ابن ماجه في الديات ، عن علقمة بن عمرو الداري ، عن أبي بكر بن عياش ، عن مطرف نحوه .

بيان اللغات

قوله " كتاب " أي مكتوب من عند رسول الله عليه الصلاة والسلام ، قوله “ أو فهم " ، وهو جودة الذهن ، قال الجوهري : فهمت الشيء فهما وفهامية علمته ، وفلان فهيم ، وقد استفهمني الشيء فأفهمته وفهمته تفهيما ، وتفهم الكلام إذا فهمه شيئا بعد شيء ، قوله “ الصحيفة " قد مر تفسيرها ، قوله “ العقل " أي الدية ، وإنما سميت به لأنهم كانوا يعطون فيها الإبل ويربطونها بفناء دار المقتول بالعقال وهو الحبل .

قوله " وفكاك الأسير " بكسر الفاء ، وهو ما يفتك به ، وفكه وافتكه بمعنى أي خلصه ، ويجوز فتح الفاء أيضا ، قال القزاز : الفتح أفصح ، وفي العباب : فك يفك فكا وفكوكا ، وفك الرهن إذا خلصه ، وفكاك الرهن وفكاكه ما يفتك به ، عن الكسائي ، وفك الرقبة أي أعتقها ، وفككت الشيء أي خلصته ، وكل مشتبكين فصلتهما فقد فككتهما .

قوله " الأسير " فعيل بمعنى المأسور من أسره إذا شده بالإسار ، وهو القد بكسر القاف وبالمهملة ; لأنهم كانوا يشدون الأسير بالقد ويسمى كل أخيد أسيرا وإن لم يشد به .

بيان الإعراب

قوله " هل " للاستفهام ، و" كتاب " مرفوع بالابتداء وخبره قوله “ عندكم " مقدما ، قوله “ لا " أي لا كتاب عندنا إلا كتاب الله بالرفع ، وهو استثناء متصل ; لأن المفهوم من الكتاب كتاب أيضا ; لأن المفاهيم توابع المناطيق ، قوله “ أو فهم " بالرفع عطف على كتاب الله و" أعطيه " بصيغة المجهول وفتح الياء أسند إلى قوله " رجل " ، ولكنه هو المفعول الأول النائب عن الفاعل ، والضمير المنصوب هو المفعول الثاني .

قوله " مسلم " صفة لرجل ، قوله “ أو ما في هذه الصحيفة " عطف على قوله " كتاب الله " وكلمة " ما " موصولة مبتدأ ، وقوله " في هذه الصحيفة " خبره .

قوله " قلت : وما في هذه الصحيفة " أي أي شيء في هذه الصحيفة ، فكلمة ما استفهامية مبتدأ و" في هذه الصحيفة " خبره ، وفي بعض النسخ : فما في هذه الصحيفة ؟ بالفاء وكلاهما للعطف .

قوله " العقل " مرفوع ; لأنه مبتدأ حذف خبره ، أي فيها العقل ، والمضاف فيه محذوف أيضا أي حكم العقل أي الدية كما ذكرنا .

قوله [ ص: 160 ] " وفكاك الأسير " كلام إضافي عطف على العقل ، قوله “ ولا يقتل " بضم اللام . وفي رواية الكشميهني : وأن لا يقتل بزيادة أن الناصبة وأن مصدرية في محل الرفع على الابتداء ، والخبر محذوف تقديره : وفيها عدم قتل مسلم بكافر يعني حرمة قصاص المسلم بالكافر .

وأما على رواية من روى : ولا يقتل ، بدون أن ، فإنه جملة فعلية معطوفة على جملة اسمية ، أعني قوله العقل ; لأن تقديره : وفيها العقل كما ذكرنا ، والتقدير : وفيها العقل ، وفيها حرمة قصاص المسلم بالكافر .

وقال الكرماني : فإن قلت : كيف جاز عطف الجملة على المفرد ؟ قلت : هو مثل قوله تعالى : فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا انتهى .

قلت : ليس ها هنا عطف الجملة على المفرد ، وإنما هو عطف الجملة على الجملة ، فإن أراد بقوله المفرد العقل فهو ليس بمفرد ; لأنه مبتدأ محذوف الخبر ، وهو جملة ، ولا هو مثل لقوله تعالى : فيه آيات بينات مقام إبراهيم لأن المعطوف عليه الجملة ها هنا مفرد ، ولهذا قال صاحب الكشاف : التقدير مقام إبراهيم وأمن من دخله ، فقدر الجملة في حكم المفرد ليكون عطف مفرد على مفرد ، ولم يقدر هكذا إلا ليصح وقوع قوله مقام إبراهيم عطف بيان لقوله آيات بينات لأن بيان الجملة بالواحد لا يصح .

بيان المعاني

قوله " هل عندكم ؟ " الخطاب لعلي رضي الله عنه ، والجمع للتعظيم أو لإرادته مع سائر أهل البيت ، أو للالتفات من خطاب المفرد إلى خطاب الجمع على مذهب من قال من علماء البيان يكون مثله التفاتا ، وذلك كقوله تعالى : يا أيها النبي إذا طلقتم النساء إذ لا فرق بين أن يكون الانتقال حقيقة أو تقديرا عند الجمهور .

قوله " كتاب " أي مكتوب أخذتموه عن رسول الله عليه الصلاة والسلام مما أوحي إليه ، ويدل عليه ما رواه البخاري في الجهاد : هل عندكم شيء من الوحي إلا ما في كتاب الله ، وفي روايته الأخرى في الديات : هل عندكم شيء مما ليس في القرآن ، وفي مسند إسحاق بن راهويه عن جرير بن مطرف : هل علمت شيئا من الوحي ، وإنما سأله أبو جحيفة عن ذلك ; لأن الشيعة كانوا يزعمون أنه عليه الصلاة والسلام خص أهل بيته لا سيما علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه بأسرار من علم الوحي لم يذكرها لغيره ، وقد سأل عليا رضي الله تعالى عنه عن هذه المسألة أيضا قيس بن عباد بضم العين المهملة وتخفيف الباء الموحدة والأشتر النخعي ، وحديثهما في سنن النسائي .

قوله " قال : لا " أي لا كتاب ، أي ليس عندنا كتاب غير كتاب الله تعالى . وفي رواية البخاري في الجهاد : لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة .

قوله " إلا كتاب الله " بالرفع ; لأنه بدل من المستثنى منه ، والاستثناء متصل كما ذكرنا ; لأنه من جنسه إذ لو كان من غير جنسه لكان قوله “ أو فهم " منصوبا ; لأنه عطف على المستثنى ، والمستثنى إذا كان من غير جنس المستثنى منه يكون منصوبا وما عطف عليه كذلك ، وقول بعضهم : الظاهر أن الاستثناء فيه منقطع غير صحيح ، وقال ابن المنير : فيه دليل على أنه كان عنده أشياء مكتوبة من الفقه المستنبط من كتاب الله ، وهو المراد من قوله " أو فهم أعطيه رجل " . قلت : ليس الأمر كذلك بل المراد من الفهم ما يفهمه الرجل من فحوى الكلام ويدرك من بواطن المعاني التي هي غير الظاهر من نصه ; كوجوه الأقيسة والمفاهيم وسائر الاستنباطات ، والدليل عليه ما رواه البخاري في الديات بلفظ : " ما عندنا إلا ما في القرآن إلا فهما يعطى رجل في الكتاب " والمعنى : إلا ما في القرآن من الأشياء المنصوصة لكن إن أعطى الله رجلا فهما في كتابه فهو يقدر على استنباط أشياء أخرى خارجة عن ظاهر النص ، ومن أبين الدليل على أن المراد من الفهم ما ذكرنا ، وأنه غير شيء مكتوب ما رواه أحمد بإسناد حسن من طريق طارق بن شهاب ، قال : شهدت عليا رضي الله عنه على المنبر ، وهو يقول : والله ما عندنا كتاب نقرؤه إلا كتاب الله وهذه الصحيفة ، وقد علمت أن الأحاديث يفسر بعضها بعضا .

قوله " أو ما في هذه الصحيفة " ، وكانت هذه معلقة بقبضة سيفه إما احتياطا أو استحضارا وإما لكونه منفردا بسماع ذلك ، وروى النسائي من طريق الأشتر فأخرج كتابا من قراب سيفه .

وقال الكرماني : والظاهر أن سبب اقتران الصحيفة بالسيف الإشعار بأن مصالح الدين ليست بالسيف وحده بل بالقتل تارة وبالدية تارة وبالعفو أخرى ، وقال البيضاوي : كلام علي رضي الله عنه أنه ليس عنده سوى القرآن وأنه صلى الله عليه وسلم لم يخص بالتبليغ والإرشاد قوما دون قوم ، وإنما وقع التفاوت من قبل الفهم واستعداد الاستنباط ، واستثنى ما في الصحيفة احتياطا لاحتمال أن يكون ما فيها ما لا يكون عند غيره ، فيكون منفردا بالعلم به ، قال : وقيل : كان فيها من الأحكام غير ما ذكر هنا ، ولعله لم يذكر جملة ما فيها إذ التفصيل لم يكن مقصودا حينئذ أو ذكره ولم يحفظ الراوي . قلت : وفي رواية للبخاري ومسلم من طريق يزيد التيمي ، عن علي [ ص: 161 ] رضي الله عنه قال : " ما عندنا شيء نقرؤه إلا كتاب الله وهذه الصحيفة ، فإذا فيها المدينة حرم .. " الحديث .

ولمسلم ، عن أبي الطفيل ، عن علي رضي الله عنه : " ما خصنا رسول الله عليه السلام بشيء لم يعم به الناس كافة إلا ما في قراب سيفي هذا ، فأخرج صحيفة مكتوبة ، فيها : لعن الله من ذبح لغير الله .. الحديث .

وللنسائي من طريق الأشتر وغيره عن علي ، فإذا فيها : " المؤمنون تتكافأ دماؤهم ، يسعى بذمتهم أدناهم .. " الحديث ، ولأحمد من طريق ابن شهاب " فيها فرائض الصدقة " ، فإن قلت : كيف الجمع بين هذه الأحاديث ؟ قلت : الصحيفة كانت واحدة ، وكان جميع ذلك مكتوبا فيها ، ونقل كل من الرواة ما حفظه .

قوله " العقل " أي الدية ، والمراد أحكامها ومقاديرها وأصنافها وأسنانها ، وكذلك المراد من قوله “ وفكاك الأسير " حكمه والترغيب في تخليصه وأنه نوع من أنواع البر الذي ينبغي أن يهتم به .

بيان استنباط الأحكام :

الأول : قال ابن بطال : فيه ما يقطع بدعة الشيعة والمدعين على علي رضي الله عنه أنه الوصي وأنه المخصوص بعلم من عند رسول الله عليه الصلاة والسلام لم يعرفه غيره ، حيث قال : ما عنده إلا ما عند الناس من كتاب الله ، ثم أحال على الفهم الذي الناس فيه على درجاتهم ، ولم يخص نفسه بشيء غير ما هو ممكن في غيره .

الثاني : فيه إرشاد إلى أن للعالم الفهم أن يستخرج من القرآن بفهمه ما لم يكن منقولا عن المفسرين لكن بشرط موافقته للأصول الشرعية .

الثالث : فيه إباحة كتابة الأحكام وتقييدها .

الرابع : فيه جواز السؤال عن الإمام فيما يتعلق بخاصته .

الخامس : احتج به مالك والشافعي وأحمد على أن المسلم لا يقتل بالكافر قصاصا ، وبه قال الأوزاعي والليث والثوري وإسحاق ، وأبو ثور وابن شبرمة ، وروي ذلك عن عمر وعثمان وعلي وزيد بن ثابت ، وبه قال جماعة من التابعين منهم عمر بن عبد العزيز ، وإليه ذهب أهل الظاهر .

وقال أبو بكر الرازي : قال مالك والليث بن سعد : إن قتله غيلة قتل به وإلا لم يقتل ، وقال أبو حنيفة ، وأبو يوسف في رواية ، ومحمد وزفر : يقتل المسلم بالكافر . وهو قول النخعي ، والشعبي ، وسعيد بن المسيب ، ومحمد بن أبي ليلى ، وعثمان البتي . وهو رواية عن عمر بن الخطاب ، وعبد الله بن مسعود ، وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهم ، وقالوا : ولا يقتل بالمستأمن والمعاهد .

وقالت الشافعية : احتجت الحنفية بما رواه الدارقطني عن الحسن بن أحمد ، عن سعيد بن محمد الرهاوي ، عن عمار بن مطر ، عن إبراهيم بن محمد ، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، عن ابن البيلماني ، عن ابن عمر رضي الله عنهما : " إن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - قتل مسلما بمعاهد ، ثم قال : أنا أكرم من وفى بذمته " . ثم قالت الشافعية : قال الدارقطني : لم يسنده غير إبراهيم بن أبي يحيى . وهو متروك ، والصواب إرساله . وابن البيلماني ضعيف لا تقوم به حجة إذا وصل الحديث ، فكيف إذا أرسله ؟ ! وقال مالك ويحيى بن سعيد وابن معين : هو كذاب يعني إبراهيم بن أبي يحيى ، وقال أحمد والبخاري : ترك الناس حديثه ، وابن البيلماني اسمه عبد الرحمن ، وقد ضعفوه .

وقال أحمد : من حكم بحديثه فهو عندي مخطئ وإن حكم به حاكم نقض ، وقال ابن المنذر : أجمع أهل الحديث على ترك المتصل من حديثه فكيف بالمنقطع ؟ ! وقال البيضاوي : إنه منقطع لا احتجاج به ثم إنه خطأ إذ قيل : إن القاتل كان عمرو بن أمية ، وقد عاش بعد الرسول عليه الصلاة والسلام سنين ومتروك بالإجماع ; لأنه روي أن الكافر كان رسولا فيكون مستأمنا لا ذميا وأن المستأمن لا يقتل به المسلم وفاقا ، ثم إن صح فهو منسوخ ; لأنه روي أنه كان قبل الفتح ، وقد قال صلى الله عليه وسلم يوم الفتح في خطبة خطبها على درج البيت الشريف : " ولا يقتل مسلم بكافر ، ولا ذو عهد في عهده " .

وقالت الحنفية : لا يتعين علينا الاستدلال بحديث الدارقطني وإنما نحن نستدل بالنصوص المطلقة في استيفاء القصاص من غير فصل ، وأما حديث علي رضي الله عنه فلم يكن مفردا ، ولو كان مفردا لاحتمل ما قلتم ، ولكنه كان موصولا بغيره ، وهو الذي رواه قيس بن عباد والأشتر ، فإن في روايتهما : لا يقتل مؤمن بكافر ، ولا ذو عهد في عهده . فهذا هو أصل الحديث وتمامه ، وهذا لا يدل على ما ذهبتم إليه ; لأن المعنى على أصل الحديث : لا يقتل مؤمن بسبب قتل كافر ، ولا يقتل [ ص: 162 ] ذو عهد في عهده بسبب قتل كافر ، ومن المعلوم أن ذا العهد كافر ، فدل هذا أن الكافر الذي منع النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يقتل به مؤمن في الحديث المذكور هو الكافر الذي لا عهد له ، وهذا لا خلاف فيه لأحد أن المؤمن لا يقتل بالكافر الحربي ، ولا الكافر الذي له عهد يقتل به أيضا ، فحاصل معنى حديث أبي جحيفة لا يقتل مسلم ولا ذو عهد في عهده بكافر .

فإن قالوا : كل واحد من الحديثين كلام مستقل مفيد فيعمل به ، فما الحاجة إلى جعلهما واحدا حتى يحتاج إلى هذا التأويل ؟ قلنا : قد ذكرنا أن أصل الحديث واحد فتقطيعه لا يزيل المعنى الأصلي ، ولئن سلمنا أن أصله ليس بواحد وأن كل واحد حديث برأسه ، ولكن الواجب حملهما على أنهما وردا معا ; وذلك لأنه لم يثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ذلك في وقتين مرة من غير ذكر ذي العهد ومرة مع ذكر ذي العهد ، وأيضا إن أصل هذا كان في خطبته صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة ، وقد كان رجل من خزاعة قتل رجلا من هذيل في الجاهلية ، فقال صلى الله عليه وسلم : ألا إن كل دم كان في الجاهلية فهو موضوع تحت قدمي هاتين ، لا يقتل مؤمن بكافر ، ولا ذو عهد في عهده . يعني ، والله أعلم ، الكافر الذي قتله في الجاهلية ، وكأن ذلك تفسير لقوله " كل دم كان في الجاهلية فهو موضوع تحت قدمي " ; لأنه مذكور في خطاب واحد في حديث واحد ، وقد ذكر أهل المغازي أن عهد الذمة كان بعد فتح مكة ، وأنه إنما كان قبل بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين المشركين عهود إلى مدد لا على أنهم داخلون في ذمة الإسلام وحكمه ، وكان قوله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة : " لا يقتل مؤمن بكافر " منصرفا إلى الكفار المعاهدين ; إذ لم يكن هناك ذمي ينصرف الكلام إليه ويدل عليه ، قوله “ ولا ذو عهد في عهده " وهذا يدل على أن عهودهم كانت إلى مدد ، ولذلك قال : " ولا ذو عهد في عهده " كما قال تعالى : فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم وقال : فسيحوا في الأرض أربعة أشهر وكان المشركون حينئذ على ضربين :

أحدهما : أهل الحرب ومن لا عهد بينه وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - .

والآخر : أهل المدة ، ولم يكن هناك أهل ذمة ، فانصرف الكلام إلى الضربين من المشركين ، ولم يدخل فيه من لم يكن على أحد هذين الوصفين ، وهذا هو التحقيق في هذا المقام .

وقال بعض الحنفية : وقع الإجماع على أن المسلم تقطع يده إذا سرق من مال الذمي ، فكذا يقتل إذا قتله ، وإن قوله " ولا ذو عهد في عهده " من باب عطف الخاص على العام ، وأنه يقتضي تخصيص العام ; لأن الكافر الذي لا يقتل به ذو العهد هو الحربي دون المساوي له والأعلى وهو الذمي ، فلا يبقى أحد يقتل به المعاهد إلا الحربي ، فيجب أن يكون الكافر الذي لا يقتل به المسلم هو الحربي تسوية بين المعطوف والمعطوف عليه ، واعترضوا بوجوه :

الأول : أن الواو ليست للعطف بل للاستئناف وما بعد ذلك جملة مستأنفة فلا حاجة إلى الإضمار ، فإنه خلاف الأصل فلا يقدر فيه بكافر .

الثاني : سلمنا أنه من باب عطف المفرد ، والتقدير : بكافر ، لكن المشاركة بواو العطف وقعت في أصل النفي لا في جميع الوجوه كما إذا قال القائل : مررت بزيد منطلقا وعمرو .

قال الشهاب القرافي : المنقول عن أهل اللغة والنحو أن ذلك لا يقتضي أنه مر بالمعطوف منطلقا ، بل الاشتراك في مطلق المرور .

الثالث : أن المعنى لا يقتل ذو عهد في عهده خاصة إزالة لتوهم مشابهة الذمي ، فإنه لا يقتل ولا ولده الذي لم يعاهد ; لأن الذمة تنعقد له ولأولاده وهلم جرا ، وأما الجواب عن القياس المذكور فإنه قياس في مقابلة النص ، وهو قوله " ولا يقتل مسلم بكافر " فلا أثر له .

وأجيب عن الأول : بأن الأصل في الواو العطف ، ودعوى الاستئناف يحتاج إلى بيان .

وعن الثاني : بأن ما ذكرتم في عطف المفرد وهذا عطف الجملة على الجملة ، وكذلك المعطوف في المثال الذي ذكره القرافي مفرد .

وعن الثالث : بأنه إنما يصح إذا كانت الواو للاستئناف ، وقد قلنا : إنه يحتاج إلى البيان ، وأيضا فمعلوم أن ذا العهد يحظر قتله ما دام في عهده ، فلو حملنا قوله " ولا ذو عهد في عهده " على أن لا يقتل ذو عهد في عهده لأخلينا اللفظ عن الفائدة ، وحكم كلام النبي عليه الصلاة والسلام حمله على مقتضاه في الفائدة ، ولا يجوز إلغاؤه ولا إسقاط حكمه ، والقياس إنما يكون في مقابلة النص إذا كان المعنى على ما ذكرتم وهو غير صحيح ، وعلى ما ذكرنا يكون القياس في موافقة النص فافهم .

وأما قول البيضاوي أنه منقطع فإنه لا يضر عندنا ; لأن المرسل حجة عندنا وجزمه بأنه خطأ غير صحيح ; لأن القاتل يحتمل أن يكون اثنين قتل أحدهما وعاش الآخر بعد النبي عليه الصلاة والسلام ، وقوله : إنه منسوخ وقد كان قبل الفتح غير صحيح ; لما ذكرنا أن أصل الحديث كان في خطبته عليه الصلاة والسلام من فتح مكة ، فافهم .

التالي السابق


الخدمات العلمية