صفحة جزء
112 [ ص: 163 ] 53 - حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين ، قال : حدثنا شيبان ، عن يحيى ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة أن خزاعة قتلوا رجلا من بني ليث عام فتح مكة بقتيل منهم قتلوه ، فأخبر بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فركب راحلته فخطب ، فقال : إن الله حبس عن مكة القتل أو الفيل ، شك أبو عبد الله ، وسلط عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين ، ألا وإنها لم تحل لأحد قبلي ولم تحل لأحد بعدي ، ألا وإنها حلت لي ساعة من نهار ، ألا وإنها ساعتي هذه حرام ، لا يختلى شوكها ، ولا يعضد شجرها ، ولا تلتقط ساقطتها إلا لمنشد ، فمن قتل له قتيل فهو بخير النظرين : إما أن يعقل ، وإما أن يقاد أهل القتيل . فجاء رجل من أهل اليمن ، فقال : اكتب لي يا رسول الله ، فقال : اكتبوا لأبي فلان ، فقال رجل من قريش : إلا الإذخر يا رسول الله ، فإنا نجعله في بيوتنا وقبورنا ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إلا الإذخر إلا الإذخر .
مطابقة الحديث للترجمة في قوله " اكتبوا لأبي فلان " وكل ما يكتب من النبي عليه الصلاة والسلام فهو علم .

بيان رجاله :

وهم خمسة :

الأول : أبو نعيم الفضل بن دكين بضم الدال المهملة ، وقد مر .

الثاني : شيبان بفتح الشين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف وبالباء الموحدة ابن عبد الرحمن أبو معاوية النحوي المؤدب البصري الثقة مولى بني تميم ، سمع الحسن وغيره ، وعنه ابن مهدي وغيره ، وكان صاحب حروف وقراءات . قال أحمد : هو ثبت في كل المشايخ ، وشيبان أثبت في يحيى بن أبي كثير من الأوزاعي . قلت : حدث عنه الإمام أبو حنيفة وعلي بن الجعد ، وبين وفاتيهما تسع وسبعون سنة ، مات ببغداد ودفن بمقبرة الخيزران أو في باب التين سنة أربع وستين ومائة في خلافة المهدي ، روى له الجماعة . النحوي نسبة إلى قبيلة ، وهم ولد النحو ابن شمس بن عمرو بن غنم بن غالب بن عثمان بن نصر بن زهران ، وليس في هذه القبيلة من يروي الحديث سواه ويزيد بن أبي سعيد ، وأما ما عداهما فنسبة إلى النحو علم العربية ; كأبي عمرو بن العلاء النحوي وغيره .

وليس في البخاري من اسمه شيبان غيره ، وفي مسلم : هو وشيبان بن فروخ ، وفي أبي داود : شيبان أبو حذيفة النسائي ، وليس في الكتب الستة غير ذلك .

الثالث : يحيى بن أبي كثير صالح بن المتوكل ، ويقال : اسم أبي كثير نشيط ، ويقال : دينار . ودينار مولى علي اليمامي الطائي مولاهم العطار أحد الأعلام الثقات العباد ، روى عن أنس وجابر مرسلا ، وعن ابن أبي سلمة ، وعنه هشام الدستوائي وغيره .

قال أيوب : ما بقي على وجه الأرض مثله ، مات سنة تسع وعشرين ومائة ، وقيل : سنة اثنتين وثلاثين بعد أيوب بسنة ، وليس في الكتب الستة يحيى بن أبي كثير غيره ، نعم فيها يحيى بن كثير العنبري ، وفي أبي داود يحيى بن كثير الباهلي ، وفي ابن ماجه يحيى بن كثير صاحب البصري وهما ضعيفان .

الرابع : أبو سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف ، وقد مر .

الخامس : أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر .

بيان لطائف إسناده

منها أن فيه التحديث والعنعنة ، ومنها أن رواته أئمة أجلاء ، ومنها أنهم ما بين كوفي وبصري ويمامي ومدني ، ومنها أن فيه من رأى الصحابي عن التابعي .

بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره :

أخرجه البخاري هنا وفي الديات عن أبي نعيم ، عن شيبان . وفي اللقطة عن يحيى بن موسى ، عن الوليد ، عن الأوزاعي . وأخرجه مسلم في الحج ، عن زهير وعبد الله بن سعيد ، عن الوليد ، عن الأوزاعي ، وعن إسحاق بن منصور ، وعن عبد الله بن موسى ، عن شيبان . ثلاثتهم ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة به . وأخرجه أبو داود ، عن أحمد بن حنبل ، عن الوليد بن مسلم ، عن الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير به . وأخرجه الترمذي ، عن محمود بن غيلان ويحيى بن موسى ، عن الأوزاعي به منقطعا ، وقال : حسن صحيح . وأخرجه النسائي ، عن عباس بن الوليد ، عن أبيه ، عن الأوزاعي ، عن يحيى به . وأخرجه ابن ماجه ، عن دحيم ، عن الوليد ، عن الأوزاعي ، عن يحيى به .

بيان اللغات

قوله " خزاعة " بضم الخاء المعجمة وبالزاي حي من الأزد سموا بذلك ; لأن الأزد لما خرجوا [ ص: 164 ] من مكة وتفرقوا في البلاد ، تخلفت عنهم خزاعة وأقامت بها ، ومعنى خزع فلان عن أصحابه تخلف عنهم ، وبنو ليث أيضا قبيلة .

وقال الرشاطي : ليث في كنانة ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة ، وفي عبد القيس : ليث بن بكر بن حداءة بن ظالم بن ذهل بن عجل بن عمرو بن وديعة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس .

قوله " فركب راحلته " الراحلة الناقة التي تصلح لأن ترحل ، ويقال : الراحلة المركب من الإبل ذكرا كان أو أنثى ، وفي العباب : الراحلة الناقة التي يختارها الرجل لمركبه ورحله على النجابة وتمام الخلق وحسن المنظر ، فإذا كانت في جماعة الإبل عرفت . قاله القتيبي ، وقال الأزهري : الراحلة عند العرب تكون الجمل النجيب والناقة النجيبة ، وليست الناقة أولى بهذا الاسم من الجمل ، والهاء فيه للمبالغة كما يقال : رجل داهية وراوية ، وقيل : سميت راحلة ; لأنها ترحل ، كما قال الله تعالى في عيشة راضية أي مرضية .

قوله " لا يختلى " بالخاء المعجمة أي لا يجز ولا يقطع ، قال الجوهري : تقول : خليت الخلا واختليته أي جززته وقطعته فاختلى ، والمخلى ما يجتز به الخلا ، والمخلاة ما يجعل فيه الخلاء .

وقال ابن السكيت : خليت دابتي أخليها إذا جززت لها الخلا ، والسيف يختلي أي يقطع ، والمختلون والخالون الذين يختلون الخلاء ويقطعونه ، واختلت الأرض أي كثر خلاها والخلا مقصورا الرطب من الحشيش الواحدة خلاة .

وفي بعض الطرق : ولا يعضد شوكها ولا يخبط شوكها ، ومعنى الجميع متقارب ، والشوك جمع الشوكة ، وشجر شائك وشوك وشاك .

وقال ابن السكيت : يقال : هذه شجرة شاكة أي كثيرة الشوك .

قوله " ولا يعضد " أي ولا يقطع ، وقد استوفينا معناه في باب ليبلغ الشاهد الغائب .

قوله " ولا تلتقط ساقطتها " أي ما سقط فيها بغفلة المالك وأراد بها اللقطة ، وجاء : ولا يحل لقطتها إلا لمنشد ، وجاء : ولا يلتقط لقطتها إلا من عرفها ، والالتقاط من لقط الشيء يلقطه لقطا أخذه من الأرض .

قوله " إلا لمنشد " أي لمعرف ، قال أبو عبيد : المنشد المعرف ، وأما الطالب فيقال له : ناشد ، يقال : نشدت الضالة إذا طلبتها ، وأنشدتها إذا عرفتها . وأصل الإنشاد رفع الصوت ومنه إنشاد الشعر .

قوله " إما أن يعقل " من العقل وهو الدية .

قوله " وإما أن يقاد " بالقاف من القود وهو القصاص ، ويأتي مزيد الكلام فيه عن قريب .

قوله " إلا الإذخر " بكسر الهمزة وسكون الذال المعجمة وكسر الخاء المعجمة هو نبت معروف طيبة الريح واحده إذخرة .

بيان الإعراب

قوله " خزاعة " لا تنصرف للعلمية والتأنيث منصوب ; لأنه اسم أن و" قتلوا رجلا " جملة من الفعل والفاعل والمفعول وهو " رجلا " في محل الرفع ; لأنها خبر أن .

قوله " من بني ليث " في محل النصب ; لأنه صفة لـ " رجلا " ، قوله “ عام فتح مكة " نصب على الظرف ومكة لا تنصرف للعلمية والتأنيث .

قوله " بقتيل " أي بسبب قتيل من خزاعة ، قوله “ قتلوه " جملة في محل الجر ; لأنها صفة لقوله " بقتيل " أي قتل بنو الليث ذلك الخزاعي .

قوله " فأخبر " على صيغة المجهول ، و" النبي " مفعول ناب عن الفاعل ، قوله “ فركب " عطف على فأخبر ، وقوله " فخطب " عطف على ركب والفاء في " فقال " تصلح للتفسير .

قوله " القتل " منصوب مفعول حبس ، قوله “ وسلط " يجوز فيه الوجهان أحدهما صيغة المجهول فيكون مسندا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أنه ناب عن الفاعل ، فعلى هذا يكون والمؤمنون بالواو ; لأنه عطف عليه والآخر صيغة المعلوم ، وفيه ضمير يرجع إلى الله وهو فاعله ، ورسول الله مفعوله فعلى هذا يكون ، و" المؤمنين " بالياء ; لأنه عطف عليه .

قوله " ألا " بفتح الهمزة وتخفيف اللام للتنبيه ، فتدل على تحقق ما بعدها .

قوله " وإنها " عطف على مقدر ; لأن " ألا " لها صدر الكلام ، والمقتضى أن يقال : ألا إنها ، بدون الواو ، كما في قوله تعالى : ألا إنهم هم المفسدون والتقدير : ألا إن الله حبس عنها الفيل وإنها لم تحل لأحد ، قوله “ ولا تحل " عطف على قوله " لم تحل " ، وفي الكشميهني : ولم تحل . وفي رواية البخاري في اللقطة من طريق الأوزاعي ، عن يحيى : ولن تحل ، وهي أليق بالمستقبل .

قوله " ألا وإنها " الكلام فيه مثل الكلام في : ألا وإنها لم تحل ، وكذا قوله “ ألا وإنها ساعتي " ، قوله “ حرام " مرفوع ; لأنه خبر لقول إنها ، لا يقال : إنه ليس بمطابق للمبتدأ .

والمطابقة شرط ; لأنا نقول : إنه مصدر في الأصل فيستوي فيه التذكير والتأنيث والإفراد والجمع أو هو صفة مشبهة ، ولكن وصفيته زالت لغلبة الاسمية عليه ، فتساوى فيه التذكير والتأنيث .

قوله " لا يختلى " مجهول ، وكذا " لا يعضد " و" لا يلتقط " .

قوله " فمن قتل " على صيغة المجهول ، وكلمة " من " موصولة تتضمن معنى الشرط ، ولهذا دخلت في خبرها الفاء ، وهو قوله " فهو بخير النظرين " .

وقال الكرماني : فإن قلت : المقتول كيف يكون بخير النظرين ؟ قلت : المراد أهله ، وأطلق عليه ذلك لأنه هو السبب ، وقال الخطابي : فيه حذف تقديره من قتل له قتيل ، وسائر الروايات تدل عليه ، وقال بعضهم : فيه حذف وقع بيانه في رواية [ ص: 165 ] المصنف في الديات عن أبي نعيم بهذا الإسناد : فمن قتل له قتيل . قلت : كل ذلك فيه نظر ، أما كلام الكرماني فيلزم منه الإضمار قبل الذكر ، وأما كلام الخطابي فيلزم فيه حذف الفاعل ، وأما كلام بعضهم فهو من كلام الخطابي وليس من عنده شيء ، والتحقيق هنا أن يقدر فيه مبتدأ محذوف وحذفه سائغ شائع ، والتقدير : فمن أهله قتل فهو بخير النظرين ، فمن مبتدأ و" أهله قتل " جملة من المبتدأ ، والخبر وقعت صلة للموصول ، وقوله " فهو " مبتدأ وقوله " بخير النظرين " خبره ، والجملة خبر المبتدأ الأول ، والضمير في " قتل " يرجع إلى الأهل المقدر .

وقوله " فهو " يرجع إلى من ، والباء في قوله " بخير النظرين " يتعلق بمحذوف تقديره : فهو مرضي بخير النظرين ، أو عامل أو مأمور ونحو ذلك ، وتقدير مخير ليس بمناسب ، ومعنى خير النظرين أفضلهما .

قوله " إما " بكسر الهمزة للتفصيل و" أن " بفتح الهمزة مصدرية ، وكذا قوله “ وإما أن " ، والتقدير إما العقل وإما القود .

قوله " من أهل اليمن " في محل الرفع على أنه صفة لرجل ، وكذا قوله “ من قريش " ، قوله “ إلا الإذخر يا رسول الله " ، قال الكرماني : مثله ليس مستثنى بل هو تلقين بالاستثناء ، فكأنه قال : قل : يا رسول الله ، لا يختلى شوكها ولا يعضد شجرها إلا الإذخر ، وأما الواقع في لفظه عليه الصلاة والسلام فهو ظاهر أنه استثناء من كلامه السابق . قلت : كل منهما استثناء ، والتقدير الذي قدره يدل على ذلك وهو المستثنى منه ، كما في الواقع في لفظ الرسول ، ويجوز فيه الرفع على البدل مما قبله والنصب على الاستثناء لكونه واقعا بعد النفي .

وقال الشيخ قطب الدين : إلا الإذخر ، استثناء من لا يختلى خلاها ، وهو بعض من كل ، فإن قلت : كيف جاز هذا الاستثناء وشرطه الاتصال بالمستثنى منه وهاهنا قد وقع الفاصلة ؟ قلت : قال الكرماني : جاز الفصل عند ابن عباس ، فلعل أباه أيضا جوز ذلك أو الفصل كان يسيرا ، وهو جائز اتفاقا .

وفيه نظر من وجهين : أحدهما أنه قال أولا مثله ليس مستثنى بل هو تلقين بالاستثناء ، فإذا لم يكن مستثنى لا يرد سؤاله .

والآخر : قوله أو الفصل كان يسيرا وليس كذلك ، بل الفصل كثير والصواب ما ذكرنا أن المستثنى منه محذوف والاستثناء منه من غير فصل .

بيان المعاني

قوله " قتلوا رجلا " لم يسم اسمه ، وأما المقتول الذي قتل في الجاهلية فاسمه أحمر ، وفي رواية البخاري : لما كان الغد من يوم الفتح فذكر إلى أن قال : بقتيل منهم ، قتلوه في الجاهلية .

وعند ابن إسحاق : بقتيل منهم قتلوه وهو مشرك . وذكر القصة ، وهو أن خراش بن أمية من خزاعة قتل ابن الأثرع الهذلي وهو مشرك بقتيل قتل في الجاهلية ، يقال له أحمر ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام : يا معشر خزاعة ، ارفعوا أيديكم عن القتل ، فمن قتل بعد مقامي هذا فأهله بخير النظرين .. وذكر الحديث .

قوله " إن الله حبس " أي منع عن مكة القتل بالقاف والتاء المثناة من فوق ، وقال الكرماني ما يدل عليه أنه روى ، والفتك أيضا بالفاء والكاف وفسره بسفك الدم ، وله وجه إن ساعدته الرواية .

قوله " أو الفيل " بالفاء المكسورة وسكون الياء آخر الحروف ، وهو الحيوان المشهور الذي ذكره الله تعالى في قوله ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل السورة ، فأرسل الله تعالى على أصحابه طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل حين وصلوا إلى بطن الوادي بالقرب من مكة .

قوله " قال محمد " وجعلوه على الشك ، كذا قال أبو نعيم : الفيل أو القتل ، وفي بعض النسخ : إن الله حبس عن مكة القتل أو الفيل ، كذا قال أبو نعيم ، وجعلوا على الشك الفيل أو القتل ، وفي بعضها : قال أبو عبد الله : كذا قال أبو نعيم : اجعلوه على الشك ، والمراد من قوله " قال محمد " هو البخاري نفسه ، وكذا من قوله " قال أبو عبد الله " ، والمعنى على النسخة الأولى وجعله الرواة على الشك ، كذا قال أبو نعيم الفضل بن دكين شيخه ، وعلى النسخة الثانية يكون " واجعلوا " من مقول أبي نعيم ، وهي صيغة أمر للحاضرين ، أي اجعلوا هذا اللفظ على الشك . وعلى النسخة الثالثة يكون اجعلوا من مقول البخاري نفسه ، فافهم .

قوله " وغيره يقول الفيل " ، أي غير أبي نعيم يقول : الفيل بالفاء من غير شك ، والمراد بالغير من رواه عن شيبان رفيقا لأبي نعيم ، وهو عبد الله بن موسى ، ومن رواه عن يحيى رفيقا لشيبان هو حرب بن شداد لما سيأتي بيانه في الديات إن شاء الله تعالى ، والمراد بحبس الفيل حبس أهل الفيل ، وأشار بذلك إلى القصة المشهورة للحبشة في غزوهم مكة ومعهم الفيل ، فمنعها الله منهم وسلط عليهم الطير الأبابيل مع كون أهل مكة إذ ذاك كانوا كفارا ، فحرمة أهلها بعد الإسلام آكد لكن غزو النبي عليه الصلاة والسلام إياها مخصوص به على ظاهر هذا الحديث وغيره .

قوله " ولا تحل لأحد بعدي " معنى حلال مكة حلال القتال فيها ، وقد مر أن في رواية الكشميهني [ ص: 166 ] " ولم تحل ، فإن قلت : لم تقلب المضارع ماضيا ولفظ بعدي للاستقبال ، فكيف يجتمعان ؟ قلت : معناه لم يحكم الله في الماضي بالحل في المستقبل .

قوله " ساعتي هذه " أي في ساعتي التي أتكلم فيها وهي بعد الفتح ، قال الطحاوي : الذي أحل له عليه الصلاة والسلام وخص به دخوله مكة بغير إحرام ، ولا يجوز لأحد أن يدخله بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - بغير إحرام ، وهو قول ابن عباس والقاسم والحسن البصري ، وهو قول أبي حنيفة وصاحبيه ، ولمالك والشافعي قولان فيمن لم يرد الحج أو العمرة ، ففي قول يجوز وفي قول لا يجوز إلا للحطابين وشبههم .

وقال الطبري : الذي أحل للنبي عليه الصلاة والسلام قتال أهلها ومحاربتهم ، ولا يحل لأحد بعده .

قوله " شوكها " دال على منع قطع سائر الأشجار بالطريق الأولى ، وقال في شرح السنة : المؤذي من الشوك كالعوسج لا بأس بقطعه كالحيوان المؤذي ، فيكون من باب تخصيص الحديث بالقياس . وكذا لا بأس بقطع اليابس كما في الصيد الميت ، وأما لقطتها فقيل : ليس لواجدها غير التعريف أبدا ، ولا يملكها بحال ولا يتصدق بها إلى أن يظفر بصاحبها بخلاف لقطة سائر البقاع ، وهو أظهر قولي الشافعي ومذهب مالك والأكثرين إلى أنه لا فرق بين لقطة الحل والحرم ، وقالوا : معنى " إلا لمنشد " أنه يعرفها كما يعرفها في سائر البقاع حولا كاملا حتى لا يتوهم أنه إذا نادى عليها وقت الموسم فلم يظهر مالكها جاز تملكها ، وقال عبد الرحمن بن مهدي : قوله " إلا لمنشد " يريد لا تحل ألبتة ، فكأنه قيل : إلا لمنشد ، أي لا يحل له منها إلا إنشادها ، فيكون ذلك مما اختصت به مكة كما اختصت بأنها حرام وأنه لا ينفر صيدها وغيرهما من الأحكام .

وقال المازري : معناه المبالغة في التعريف ; لأن الحاج قد لا يعود إلا بعد أعوام فتدعو الضرورة لإطالة التعريف بخلاف غيرها من البلاد ، ولأن الناس ينتابون إلى مكة ، ويقال : جاء الحديث ليقطع وهم من يظن أنه يستغنى عن التعريف هنا ; إذ الغالب أن الحجيج إذا تفرقوا مشرقين ومغربين ومدت المطايا أعناقها ، فيقول القائل : لا حاجة إلى التعريف ، فذكر عليه الصلاة والسلام أن التعريف فيها ثابت كغيرها من البلاد ، ومنهم من قال : التقدير إلا من سمع ناشدا يقول : من أضل كذا ؟ فحينئذ يجوز للملتقط أن يرفعها إذا رآها ليردها على صاحبها . وهذا مروي عن إسحاق بن راهويه والنضر بن شميل ، وقيل : لا تحل إلا لربها الذي يطلبها .

قال أبو عبيد : هو جيد في المعنى ، لكن لا يجوز في العربية أن يقال للطالب : منشد . قلت : قال بعضهم : الناشد المعرف والمنشد الطالب ، فيصح هذا التأويل على هذا التقرير .

قال القاضي عياض في المشارق : ذكر الحريري اختلاف أهل اللغة في الناشد والمنشد وأن بعضهم عكس ، فقال : الناشد المعرف والمنشد الطالب ، واختلافهم في تفسير الحديث بالوجهين .

قوله " فهو بخير النظرين " لفظة خير ها هنا بمعنى أفعل التفضيل ، والمعنى : أفضل النظرين ، وتفسير النظرين بقوله " إما أن يعقل " من العقل وهو الدية ، وإما أن يقاد أهل القتيل بالقاف أي يقتص .

ووقع في رواية لمسلم " إما أن يفادى " بالفاء من المفاداة ، وفي سنن أبي داود : " إما أن يأخذوا العقل أو يقتلوا " ، وهو أبين الروايات ، وهي تفسر بعضها بعضا .

وقوله في مسلم " وإما أن يقتل " وقول أبي داود " أو يقتلوا " مفسران لسائر الروايات ، وقال عياض : وقع هنا في العلم في جميع النسخ " وإما أن يقاد " بالقاف ، ويوافقه ما جاء في كتاب الديات إما أن يؤدي وإما أن يقاد ، وكذلك في مسلم .

وحكى بعضهم ، يعني في مسلم ، يفادى بالفاء موضع يقاد ، قال : والصواب الأول ، وهو القاف ; لأن على الفاء يختل اللفظ ; لأن العقل هو الفداء فيحصل التكرار .

قال : والصواب أن القاف مع قوله العقل ، والفاء مع قوله يقتل ; لأن العقل هو الفداء ، وأما يعقل مع يفدى أو يفادى فلا وجه له . قلت : حاصل الكلام أن الرواية على وجهين من قال وإما أن يقاد بالقاف من القود وهو القصاص ، قال فيما قبله إما أن يعقل بالعين والقاف من العقل وهو الدية ، ومن قال : وإما أن يفادى بالفاء من المفاداة ، قال فيما قبله : إما أن يقتل بالقاف والتاء المثناة من فوق ، وهو القتل الذي هو القود .

قوله " فجاء رجل من أهل اليمن " ، وهو أبو شاه . وجاء به مبينا في اللقطة ، وهو بشين معجمة وهاء بعد الألف في الوقف والدرج ، ولا يقال بالتاء ، قالوا : ولا يعرف اسم أبي شاه هذا وإنما يعرف بكنيته ، وهو كلبي يمني .

وفي المطالع : وأبو شاه مصروفا ضبطته وقرأته أنا معرفة ونكرة ، وعن ابن دحية أنه بالتاء منصوبا .

وقال النووي : هو بهاء في آخره درجا ووقفا ، قال : وهذا لا خلاف فيه ، ولا يغتر بكثرة من يصحفه ممن لا يأخذ العلم على وجهه ، ومن مظانه [ ص: 167 ] قوله “ فقال اكتبوا لأبي فلان " أراد به لأبي شاه ، وفي مسلم : فقال الوليد ، يعني ابن مسلم ، راوي الحديث : قلت للأوزاعي : ما قوله “ اكتبوا لي يا رسول الله " ، قال : هذه الخطبة التي سمعها من النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - .

قوله " فقال رجل من قريش " وهو العباس بن عبد المطلب عم النبي عليه الصلاة والسلام كما يأتي في اللقطة إن شاء الله تعالى ، ووقع في رواية لابن أبي شيبة ، فقال رجل من قريش يقال له شاه ، وهو غلط .

قوله " فإنا نجعله في بيوتنا " ; لأنه يسقف به البيت فوق الخشب ، وقيل : كانوا يخلطونه بالطين لئلا يتشقق إذا بني به كما يفعل بالتبن .

قوله " وقبورنا " ; لأنه يسد به فرج اللحد المتخللة بين اللبنات ، قوله “ إلا الإذخر " وقع في بعض الروايات مكررا مرتين ، فتكون الثانية للتأكيد .

بيان استنباط الأحكام

وهو على وجوه :

الأول : قال ابن بطال : فيه إباحة كتابة العلم ، وكره قوم كتابة العلم ; لأنها سبب لضياع الحفظ ، والحديث حجة عليهم ، ومن الحجة أيضا ما اتفقوا عليه من كتابة المصحف الذي هو أصل العلم ، وكان للنبي عليه الصلاة والسلام كتاب يكتبون الوحي .

وقال الشعبي : إذا سمعت شيئا فاكتبه ولو في الحائط . قلت : محل الخلاف كتابة غير المصحف ، فما اتفقوا لا يكون من الحجة عليهم ، وقال عياض : إنما كره من كره من السلف من الصحابة والتابعين كتابة العلم في المصحف وتدوين السنن لأحاديث رويت فيها ، منها حديث أبي سعيد : " استأذنا رسول الله عليه الصلاة والسلام في الكتابة فلم يأذن لنا " ، وعن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه : " أمرنا رسول الله عليه الصلاة والسلام أن لا نكتب شيئا " ، ولئلا يكتب مع القرآن شيء وخوف الاتكال على الكتابة ثم جاءت أحاديث بالإذن في ذلك في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص . قلت : يريد قول عبد الله : " استأذنا رسول الله عليه الصلاة والسلام في كتابة ما سمعت منه ، قال : فأذن لي فكتبته " ، فكان عبد الله يسمي صحيفته الصادقة ، قال : وأجازه معظم الصحابة والتابعين ، ووقع عليه بعد الاتفاق ودعت إليه الضرورة لانتشار الطرق وطول الأسانيد واشتباه المقالات مع قلة الحفظ وكلال الفهم .

وقال النووي : أجابوا عن أحاديث النهي إما بالنسخ ، فإن النهي كان خوفا من الاختلاط بالقرآن ، فلما اشتهر أمنت المفسدة أو أن النهي كان على التنزيه لمن وثق بحفظه والإذن لمن لم يثق بحفظه .

الثاني : فيه دليل على أن الخطبة يستحب أن تكون على موضع عال منبر أو غيره في جمعة أو غيرها .

الثالث : استدل بقوله " وسلط عليهم رسول الله " من يرى أن مكة فتحت عنوة وأن التسليط الذي وقع للنبي عليه الصلاة والسلام مقابل بالحبس الذي وقع لأصحاب الفيل ، وهو الحبس عن القتال . هذا قول الجمهور .

وقال الشافعي : فتحت صلحا ، وقد مر الكلام فيه مستوفى في حديث أبي شريح .

الرابع : فيه دليل على تحريم قطع الشجر في الحرم مما لا ينبته الآدميون في العادة ، وعلى تحريم خلاه ، وهذا بالاتفاق ، واختلفوا مما ينبته الآدميون ، قاله النووي .

الخامس : استدل أهل الأصول بهذا الحديث وشبهه على أن النبي عليه الصلاة والسلام كان متعبدا باجتهاده فيما لا نص فيه ، وهو الأصح عندهم ، ومنعه بعضهم .

وممن قال بالأول الشافعي وأحمد وأبو يوسف ، واختاره الآمدي ، وصحح الغزالي الجواز وتوقف في الوقوع ، وقال ابن الخطيب الرازي : توقف أكثر المحققين في الكل ، وجوزه بعضهم في أمر الحرب دون غيره ، واستدل من قال بوقوعه بما جاء في هذا .

وفي قوله " لما سئل : أحجنا هذا لعامنا أم للأبد ؟ ولو قلت : نعم لوجب " ، وبقوله تعالى وشاورهم في الأمر وبقوله تعالى في أسارى بدر : ما كان لنبي الآية ، ولو كان حكم بالنص لما عوتب ، وأجاب المانعون عن الكل بأنه يجوز أن يقارنها نصوص أو تقدم عليها بأن يوحى إليه أنه إذا كان كذا فاضل فافعل كذا ، مثل أن لا يستثني إلا الإذخر حين سأل العباس أو كان جبريل عليه الصلاة والسلام حاضرا ، فأشار عليه به ، وحينئذ يكون بالوحي لا بالاجتهاد .

قال المهلب : يجوز أن الله تعالى أعلم رسوله بتحليل المحرمات عند الاضطرار ، فكان هذا من ذلك الأصل ، فلما سأل العباس حكم فيه .

وقال بعضهم في قوله تعالى : وشاورهم في الأمر إنه مخصوص بالحرب .

السادس : فيه أن ولي القتيل بالخيار بين أخذ الدية وبين القتل وليس له إجبار الجاني على أي الأمرين شاء ، وبه قال الشافعي وأحمد .

وقال مالك في المشهور عنه : ليس له إلا القتل أو العفو ، وليس له الدية إلا برضى الجاني ، وبه قال الكوفيون .

قلت : هو قول أبي حنيفة ، وأبي يوسف ، ومحمد ، وإبراهيم النخعي ، وسفيان الثوري ، وعبد الله بن ذكوان ، وعبد الله بن شبرمة ، والحسن بن حي .

قال الطحاوي : وكان من الحجة لهم أن قوله : أخذ الدية ، قد يجوز أن يكون على ما قال أهل المقالة الأولى ، ويجوز أن يأخذ الدية إن أعطيها كما يقال للرجل : خذ بدينك إن شئت دراهم وإن شئت دنانير وإن شئت عرضا ، وليس [ ص: 168 ] المراد بذلك أن يأخذ ذلك رضي الذي عليه الدين أو كره ، ولكن يراد إباحة ذلك له إن أعطيه . قلت : التحقيق في هذا المقام أن قوله " بخير النظرين " جار ومجرور ، ولا بد له من متعلق مناسب يتعدى بالباء ، وقد ذكرنا فيما مضى أن تقدير مخير ليس بمناسب فيقدر إما عامل بخير النظرين أو مرضي أو مأمور بخير النظرين للقاتل إشارة إلى أن الرفق له مطلوب حتى كان العفو مندوبا إليه ، ويجوز أن يكون تأويله : فهو بخير النظرين من رضى القاتل ورضى نفسه ، فإن كان رضى القاتل خيرا له وقد اختار الفداء فله قبول ذلك ، وإن كان رضى نفسه بالاقتصاص خيرا فله فعل ذلك وينبغي أن لا يقف عند رضى نفسه ألبتة ; لأن القاتل باختيار الدية قد يكون خيرا له فيؤول وجوب الدية إلى رضى القاتل .

السابع : فيه أن القاتل عمدا يجب عليه أحد الأمرين : القصاص أو الدية ، وهو أحد قولي الشافعي وأصحهما عنده أن الواجب القصاص والدية بدل عند سقوطه ، وهو مشهور مذهب مالك ، وعلى القولين للولي العفو عن الدية ولا يحتاج إلى رضى الجاني ، ولو مات أو سقط الطرف المستحق وجبت الدية .

وبه قال أحمد ، وعن أبي حنيفة ومالك : إنه لا يعدل إلا المال إلا برضى الجاني ، وإنه لو مات الجاني سقطت الدية ، وهو قول قديم للشافعي ورجحه الشيخ تقي الدين في شرحه .

التالي السابق


الخدمات العلمية