صفحة جزء
118 59 - حدثنا عبد العزيز بن عبد الله ، قال : حدثني مالك ، عن ابن شهاب ، عن الأعرج ، [ ص: 181 ] عن أبي هريرة قال : إن الناس يقولون : أكثر أبو هريرة ، ولولا آيتان في كتاب الله ما حدثت حديثا ، ثم يتلو : إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى إلى قوله : الرحيم إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق ، وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم ، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشبع بطنه ، ويحضر ما لا يحضرون ويحفظ ما لا يحفظون .
مطابقة الحديث للترجمة في قوله " ويحفظ ما لا يحفظون " ، وقوله " أكثر أبو هريرة " ; لأن الإكثار لا يكون إلا عن حفظ .

بيان رجاله :

وهم خمسة :

قد ذكروا كلهم ، وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري ، والأعرج هو عبد الرحمن بن هرمز ، وقالوا : يجوز ذكر الراوي بلقبه أو صفته التي يكرهها إذا كان المراد تعريفه لا نقصه كما يجوز جرحهم للحاجة .

بيان لطائف إسناده :

منها : أن فيه التحديث بصيغة الجمع وصيغة الإفراد والعنعنة ، ومنها أن رواته كلهم مدنيون ، ومنها أن فيه رواية تابعي عن تابعي .

بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره :

أخرجه البخاري أيضا في المزارعة عن إبراهيم ، وفي الاعتصام عن علي عن سفيان . وأخرجه مسلم في الفضائل عن قتيبة وأبي بكر وزهير عن سفيان ، وعن عبد الله بن جعفر ، عن يحيى ، عن مالك ، وعن عبد الرزاق ، عن معمر ، كلهم عن الزهري ، وله طرق من غير رواية الأعرج . وأخرجه النسائي في العلم عن محمد بن منصور ، عن سفيان به ، وعن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم ، عن إسحاق بن عيسى ، عن مالك به . وأخرجه ابن ماجه في السنة عن أبي مروان العثماني ، عن إبراهيم بن سعد به مختصرا .

بيان اللغات والإعراب

قوله " إن الناس " مقول قال ، وقوله " يقولون " جملة في محل الرفع خبر إن ، قوله “ أكثر أبو هريرة " جملة من الفعل والفاعل مقول يقولون ، قوله “ ولولا آيتان " مقول قال لا مقول يقولون ، وحذف اللام من جواب لولا وهو جائز ، والأصل : لولا آيتان موجودتان في كتاب الله لما حدثت .

قوله " حديثا " نصب على المفعولية ، قوله “ ثم يتلو " مقول الأعرج ، وفي بعض النسخ : ثم تلا ، قوله “ إن إخواننا " استئناف كالتعليل للإكثار كأن سائلا سأل : لم كان أبو هريرة مكثرا دون غيره من الصحابة ؟ فأجاب بقوله : لأن إخواننا كذا وكذا ، فلأجل ذلك ترك العاطف بين الجملتين .

قوله " من المهاجرين " كلمة من بيانية ، قوله “ كان يشغلهم الصفق " جملة في محل الرفع ; لأنها خبر إن ، وقوله " يشغلهم " من باب شغل يشغل كفتح يفتح بفتح عين الفعل فيهما من الشغل ، ويقال : بضم حرف المضارعة من الإشغال ، وهو غريب .

وفي العباب : يقال : شغلته أشغله ، وقال ابن دريد : لا يقال أشغلته ، وقال ابن فارس : لا يكادون يقولون أشغلت ، وهو جائز .

وقال الليث : اشتغلت أنا ، والفعل اللازم اشتغل ، وقال أبو حاتم وابن دريد : لا يقال اشتغل ، وقال ابن فارس في المقاييس جاء عنهم اشتغل فلان بالشيء ، وهو مشتغل ، وقوله " الصفق " بالرفع فاعل يشغل ، وهو بفتح الصاد كناية عن التبايع ، يقال : صفقت له بالبيع صفقا ، أي ضربت يدي على يده للعقد .

قال الهروي : يقال : أصفق القوم على الأمر وصفقوا بالبيع والبيعة ، وقال غيره : أصله من تصفيق الأيدي بعضها على بعض من المتبايعين ، أي عاقدي البيعة عند عقدهم ، والسوق يؤنث ويذكر ، سميت به لقيام الناس فيها على سوقهم .

قوله " بشبع بطنه " بالباء الموحدة في رواية الأصيلي ، وفي رواية غيره : لشبع بطنه باللام ، وهو الثابت في غير البخاري أيضا وكلاهما للتعليل أي لأجل شبع بطنه ، وروي ليشبع بطنه بلام كي ، ويشبع بصيغة المضارع المنصوب ، والشبع بكسر الشين وفتح الباء الموحدة .

وفي العباب : الشبع مثال عنب ، والشبع بالفتح ، وهذه عن ابن عباد نقيض الجوع ، يقال : شبعت خبزا ولحما ، ومن خبز ولحم شبعا ، وهو من مصادر الطبايع ، وقال ابن دريد : الشبع والشبع بإسكان الباء وتحريكها ، وقال غيره : الشبع بالإسكان اسم ما أشبعك من شيء ، وفي الحديث : " آجر موسى صلى الله عليه وسلم نفسه من شعيب صلى الله عليه وسلم بشبع بطنه وعفة فرجه " ، قوله “ ما لا يحضرون " في محل النصب على أنه مفعول يحضر ، وكذلك قوله “ ما لا يحفظون " مفعول يحفظ .

[ ص: 182 ] بيان المعاني :

قوله " أكثر أبو هريرة " أي من رواية الحديث ، وهو من باب حكاية كلام الناس أو وضع المظهر موضع المضمر ; إذ حق الظاهر أن يقول : أكثرت . وفي رواية البخاري في البيوع من طريق شعيب ، عن الزهري : " أكثر أبو هريرة من الحديث " ، وفي روايته فيه : وفي المزارعة من طريق إبراهيم بن سعد ، عن الزهري هنا زيادة وهي : " ويقولون : ما للمهاجرين والأنصار لا يحدثون مثل أحاديثه " ، وهذه الزيادة تدلك على النكتة في ذكر أبي هريرة المهاجرين والأنصار .

قوله " لولا آيتان " المراد من الآيتين : إن الذين يكتمون إلى آخر الآيتين ، والمعنى : لولا أن الله تعالى ذم الكاتمين للعلم لما حدثتكم أصلا ، لكن لما كان الكتمان حراما وجب الإظهار والتبليغ ; فلهذا حصل مني الإكثار لكثرة ما عندي منه ، ثم ذكر سبب الكثرة بقوله " إن إخواننا " إلى آخره .

قوله " ثم يتلو " ، أي قال الأعرج : ثم يتلو أبو هريرة ، وذكر بلفظ المضارع استحضارا لصورة التلاوة كأنه فيها .

قوله " إن إخواننا " الإخوان جمع أخ ، وهذا يدل على أن أصل أخ أخو بالتحريك ، ويجمع أيضا على آخاء ; مثل : آباء ، والذاهب منه واو ، وعلى إخوة وأخوة بالضم عن الفراء ، وفيه سؤالان : الأول : كان حق الظاهر أن يقول : إن إخوانه ليرجع الضمير إلى أبي هريرة ، وأجيب بأنه عدل عنه لغرض الالتفات ، وهو فن من محاسن الكلام .

الثاني : قال : إخواننا ولم يقل إخواني ، وأجيب لأنه قصد نفسه وأمثاله من أهل الصفة ، والمراد الإخوان في الإسلام لا في النسب ، والمراد من المهاجرين الذين هاجروا من مكة إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ، ومن الأنصار أصحاب المدينة الذين آووا رسول الله - عليه الصلاة والسلام ونصروه بأنفسهم وأموالهم .

قوله " العمل في أموالهم " يريد به الزراعة والعمل في الغيطان ، وفي رواية مسلم : " كان يشغلهم عمل أرضهم " ، وفي رواية ابن سعد " كان يشغلهم القيام على أراضيهم " .

قوله " وإن أبا هريرة " فيه التفات أيضا ; لأن حق الظاهر أن يقول : وإني ، قوله “ بشبع بطنه " يعني أنه كان يلازم قانعا بالقوت لا مشتغلا بالتجارة ولا بالزارعة ، وفي رواية البخاري في البيوع : " كنت امرأ مسكينا من مساكين الصفة " .

قوله " ويحضر " بالرفع عطفا على قوله " يلزم " ، ويجوز بالنصب أيضا على رواية من روى : ليشبع بطنه بلام كي ، و” يشبع " بصورة المضارع إن صحت هذه الرواية .

قوله " ما لا يحضرون " أي من أحوال الرسول عليه الصلاة والسلام ، و” يحفظ ما لا يحفظون " من أقواله ، وهذا إشارة إلى المسموعات وذاك إشارة إلى المشاهدات ، لا يقال : هذا الحديث يعارضه ما تقدم من حديث أبي هريرة : " ما من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أحد أكثر حديثا عنه مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو ، فإنه كان يكتب ولا أكتب " ; لأنا نقول : إن عبد الله كان أكثر تحملا ، وأبو هريرة كان أكثر رواية ، فإن قلت : كيف يكون الأكثر تحملا وهو داخل تحت عموم المهاجرين . قلت : هو أكثر من جهة ضبطه بالكتابة وتقييده بها ، وأبو هريرة أكثر من جهة مطلق السماع .

بيان استنباط الأحكام

فيه حفظ العلم والمواظبة على طلبه ، وفيه فضيلة أبي هريرة وفضل التقلل من الدنيا وإيثار طلب العلم على طلب المال ، وفيه جواز الإخبار عن نفسه بفضيلته إذا اضطر إلى ذلك وأمن الإعجاب ، وفيه جواز إكثار الأحاديث وجواز التجارة والعمل وجواز الاقتصار على الشبع ، وقد تكون مندوبات ، وقد تكون واجبات بحسب الأشخاص والأوقات .

التالي السابق


الخدمات العلمية