صفحة جزء
119 60 - حدثنا أحمد بن أبي بكر أبو مصعب ، قال : حدثنا محمد بن إبراهيم بن دينار ، عن ابن أبي ذئب ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة قال : قلت : يا رسول الله ، إني أسمع منك حديثا كثيرا أنساه ، قال : ابسط رداءك ، فبسطته ، قال : فغرف بيديه ، ثم قال : ضمه ، فضممته ، فما نسيت شيئا بعده .
مطابقة هذا الحديث للترجمة بطريق الالتزام ، والحديث الماضي بطريق المطابقة ، وأحاديث الباب ثلاثة كلها عن أبي هريرة ، والحديث الثالث يدل على أنه لم يحدث بجميع محفوظه ، ودلالته على الترجمة بالمطابقة .

بيان رجاله :

وهم خمسة :

الأول : أحمد بن أبي بكر ، واسم أبي بكر القاسم ، وقيل : زرارة بن الحارث بن زرارة بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف أبو مصعب الزهري العوفي ، قاضي المدينة وعالمها ، وهو أحد من حمل الموطأ عن مالك ، روى عنه الستة لكن النسائي بواسطة . وأخرج له مسلم حديث أبي هريرة " السفر قطعة من العذاب " فقط .

قال أبو حاتم : وأبو زرعة صدوق ، مات سنة [ ص: 183 ] اثنتين وأربعين ومائتين ، عن اثنتين وتسعين سنة .

الثاني : محمد بن إبراهيم بن دينار المدني ، ويقال : الأنصاري ، كان مفتي أهل المدينة مع مالك وعبد العزيز بن أبي سلمة ، فقيها فاضلا له بالعلم عناية .

قال البخاري : هو معروف بالحديث ، وقال أبو حاتم : ثقة ، روى له الجماعة .

الثالث : محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب بكسر الذال المعجمة القرشي العامري المدني ، الثقة كبير الشأن ، وقال أحمد : كان ابن أبي ذئب أفضل من مالك إلا أن مالكا كان أشد تنقية للرجال منه ، وأقدمه المهدي بغداد حتى حدث بها ، ثم رجع يريد المدينة ، فمات بالكوفة سنة تسع وخمسين ومائة ، ولد سنة ثمانين .

الرابع : سعيد بن أبي سعيد المقبري المدني .

الخامس : أبو هريرة رضي الله تعالى عنه .

بيان لطائف إسناده

منها أن فيه التحديث والعنعنة ، ومنها أن رواته كلهم مدنيون ، ومنها أن كلهم أئمة أجلاء .

بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره :

أخرجه البخاري أيضا في علامات النبوة عن إبراهيم بن المنذر ، عن ابن أبي فديك . وأخرجه الترمذي في المناقب عن محمد بن المثنى ، عن عثمان بن عمر ، كلاهما عن ابن أبي ذئب ، عن سعيد ، عن أبي هريرة ، وقال الترمذي : حسن صحيح ، قد روي من غير وجه عن أبي هريرة .

بيان الإعراب والمعاني

قوله " قلت : يا رسول الله " ويروى : " قلت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - " ، قوله “ كثيرا " صفة لقوله " حديثا " ; لأنه باعتبار كونه اسم جنس يطلق على الكثير والقليل .

قوله " أنساه " جملة في محل النصب ; لأنها صفة أخرى لقوله " حديثا " والنسيان جهل بعد العلم .

والفرق بينه وبين السهو أن النسيان زوال عن الحافظة والمدركة ، والسهو زوال عن الحافظة فقط ، والفرق بين السهو والخطأ أن السهو ما يتنبه صاحبه بأدنى تنبيه ، والخطأ ما لا يتنبه به ، ويقال : المأتي به إن كان على جهة ما ينبغي فهو الصواب ، وإن كان لا على ما ينبغي ينظر ، فإن كان مع قصد من الآتي به يسمى الغلط وإن كان من غير قصد منه ، فإن كان يتنبه بأيسر تنبيه فهو السهو وإلا فهو الخطأ ، والنسيان حالة تعتري الإنسان من غير اختياره توجب غفلته عن الحفظ ، والغفلة ترك الالتفات بسبب أمر عارض .

قوله " قال " أي قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي هريرة : " ابسط رداءك " .

قوله " فبسطته " عطف على " ابسط " ، وعطف الخبر على الإنشاء فيه خلاف ، والذي يمنعه يقدر شيئا ، والتقدير لما قال : ابسط رداءك امتثلت أمره فبسطته ، فغرف ، أي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده ، ولم يذكر المغروف ولا المغروف منه ; لأنه لم يكن إلا إشارة محضة .

قوله " ضمه " بالهاء رواية الأكثرين ، وفي رواية الكشميهني " ضم " بلا هاء ، والضمير يرجع إلى الحديث ، يدل عليه ما روي في غير الصحيح " فغرف بيديه ، ثم قال : ضم .. " الحديث .

وفي بعض طرقه عند البخاري : " لن يبسط أحد منكم ثوبه حتى أقضي مقالتي هذه ، ثم يجمعها إلى صدره فينسى من مقالتي شيئا أبدا ، فبسطت نمرة ليس علي ثوب غيرها حتى قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - مقالته ثم جمعتها إلى صدري ، فوالذي بعثه بالحق ما نسيت من مقالته تلك إلى يومي " .

هذا ، وفي مسلم : " أيكم يبسط ثوبه فيأخذ ؟ " فذكره بمعناه ، ثم قال : " فما نسيت بعد ذلك اليوم شيئا حدثني به " ، ففي قوله " بعد ذلك اليوم " دليل على العموم وعلى أنه بعد ذلك لم ينس شيئا سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم - لا أن ذلك خاص بتلك المقالة كما يعطيه ظاهر قوله " من مقالته تلك " ويعضد العموم ما جاء في حديث أبي هريرة : " إنه شكى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ينسى " ، ففعل ما فعل ليزول عنه النسيان . قلت : تنكير شيئا بعد النفي يدل على العموم ; لأن النكرة في سياق النفي تدل عليه ، فدل على العموم في عدم النسيان لكل شيء من الحديث وغيره ، فإن قلت : قوله " فوالذي بعثه بالحق ما نسيت من مقالته تلك إلى يومي هذا " يدل على تخصيص عدم النسيان بتلك المقالة فقط ، وقوله " فما نسيت بعد ذلك اليوم شيئا حدثني به " يدل على تخصيص عدم النسيان بالحديث فقط . قلت : الجواب يفهم مما ذكرناه الآن ، وكيف لا وأبو هريرة استدل بذلك على كثرة محفوظه من الحديث ؟ ! فلا يصح حمله على تلك المقالة وحدها أو نقول : ويحتمل أن يكون قد وقعت له قضيتان إحداهما خاصة والأخرى عامة ، فإن قلت : ما هذه المقالة ؟ قلت : هي مبهمة في جميع طرق الحديث من رواية الزهري غير أنه صرح بها في طريق أخرى عن أبي هريرة ، أخرجها أبو نعيم في الحلية ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ما من رجل يسمع كلمة أو كلمتين مما فرض الله تعالى ، فيتعلمهن ويعلمهن إلا دخل الجنة " .

وقال الشيخ قطب الدين : وقوله " وضمه " فيه ثلاث لغات في الميم الفتح والكسر والضم ، وقال بعضهم : لا يجوز إلا الضم لأجل الهاء المضمومة بعده ، واختاره الفارسي ، وجوزه صاحب الفصيح [ ص: 184 ] وغيره . قلت : مثل هذه الكلمة يجوز فيه أربعة أوجه من حيث قواعد الصرفيين :

الأول : ضم الميم تبعا للضاد .

والثاني : فتحها ; لأن الفتحة أخف الحركات .

والثالث : كسرها ; لأن الساكن إذا حرك حرك بالكسر .

والرابع : فك الإدغام أعني اضمم . وقال بعضهم : ويجوز ضمها ، وقيل : يتعين لأجل ضمة الهاء . قلت : دعوى التعيين غير صحيحة ، ولا كون الضمة لأجل الهاء وإنما هو لأجل ضمة الضاد كما ذكرنا ، وقال : ويجوز كسرها لكن مع إسكان الهاء . قلت : إن أراد بالإسكان في حالة الوقف فمسلم ، وإن أراد مطلقا فممنوع فافهم ; فإن مثل هذا لا يحققه إلا من أمعن في النظر في العلوم الآلية .

قوله " بعد " بضم الدال; لأنه قطع من الإضافة فيبنى على الضم ، وفي بعض النسخ " بعده " أي بعد هذا الضم .

ومما يستفاد منه : معجزة النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم حيث رفع من أبي هريرة النسيان الذي هو من لوازم الإنسان ، حتى قيل : إنه مشتق منه ، وحصول هذا من بسط الرداء وضمه أيضا معجزة ; حيث جعل الحفظ كالشيء الذي يغرف منه ، فأخذ غرفة منه ورماها في ردائه ، ومثل بذلك في عالم الحس .

التالي السابق


الخدمات العلمية