صفحة جزء
1331 150 - حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد ، عن زكرياء بن إسحاق ، عن يحيى بن عبد الله بن صيفي ، عن أبي معبد ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث معاذا رضي الله عنه إلى اليمن فقال : ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة ، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم .
مطابقته للترجمة ظاهرة ; لأن فيه بيان فرضية الزكاة .

( ذكر رجاله ) : وهم خمسة ; الأول : أبو عاصم الضحاك - بتشديد الحاء - ابن مخلد ; بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح اللام وإهمال الدال ، وقد مر في أول كتاب العلم . الثاني : زكريا بن إسحاق . الثالث : يحيى بن عبد الله بن صيفي - منسوبا إلى الصيف ضد الشتاء - مولى عثمان رضي الله تعالى عنه . الرابع : أبو معبد - بفتح الميم وسكون العين المهملة وفتح الباء الموحدة وفي آخره دال ، واسمه نافد بالنون والفاء والدال المهملة ، وقيل بالمعجمة ، مولى ابن عباس ، مات سنة أربع ومائة ، وكان أصدق موالي ابن عباس ، وقد مر في باب الذكر بعد الصلاة . الخامس : عبد الله بن عباس رضي الله عنهما .

( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد ، وفيه العنعنة في أربعة مواضع ، وفيه أن شيخه بصري وأن زكريا ويحيى مكيان ، وفيه اثنان مذكوران بالكنية أحدهما مذكور باسمه أيضا ، وفيه أن أحدهم مذكور باسم جده أيضا ، وفيه عن أبي معبد عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي مسلم عن أبي معبد عن ابن عباس عن معاذ رضي الله تعالى عنه جعله من مسند معاذ .

( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) : أخرجه البخاري أيضا في التوحيد عن أبي عاصم النبيل عن زكريا بن إسحاق إلى آخره نحوه ، وأخرجه أيضا في الجنائز والتوحيد عن محمد بن مقاتل ، وأخرجه أيضا في المغازي عن حبان بن موسى ; كلاهما عن ابن المبارك عن زكريا ، وفي التوحيد أيضا عن عبد الله بن أبي الأسود ، وفي الزكاة أيضا عن أمية بن بسطام ، وفي المظالم عن يحيى بن موسى عن وكيع به .

وأخرجه مسلم في الإيمان عن أمية بن بسطام به ، وعن عبد بن حميد عن أبي عاصم به ، وعن أبي بكر وأبي كريب وإسحاق بن إبراهيم ثلاثتهم عن وكيع به ، وعن محمد بن يحيى بن أبي عمر عن بشر بن السري عن زكرياء به .

وأخرجه أبو داود في الزكاة عن أحمد بن حنبل عن وكيع به ، وأخرجه الترمذي عن أبي كريب في الزكاة بتمامه وفي البر يذكر دعوة المظلوم حسب به ، وأخرجه النسائي في الزكاة عن محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي عن وكيع [ ص: 235 ] به وعن محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي عن المعافى بن عمران عن زكرياء به ، وأخرجه ابن ماجه فيه عن علي بن محمد الطنافسي عن وكيع به .

( ذكر معناه ) : قوله ( أن النبي - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - بعث معاذا ) ، وفي الإكليل لابن البيع : بعث النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - معاذا وأبا موسى عند انصرافه من تبوك سنة تسع . وزعم ابن الحذاء أن ذلك كان في شهر ربيع الآخر سنة عشر وقدم في خلافة أبي بكر رضي الله تعالى عنه في الحجة التي فيها حج عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ، وكذا ذكره سيف في الردة وفي الطبقات في شهر ربيع الآخر سنة تسع ، وفي كتاب الصحابة للعسكري : بعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - واليا على اليمن . وفي الاستيعاب : لما خلع من ماله لغرمائه بعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال : لعل الله أن يجبرك . قال : وبعثه أيضا قاضيا وجعل إليه قبض الصدقات من العمال الذين باليمن ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد قسم اليمن على خمسة رجال : خالد بن سعيد على صنعاء ، والمهاجر بن أبي أمية على كندة ، وزياد بن لبيد على حضرموت ، ومعاذ على الجندل ، وأبي موسى على زبيد وعدن والساحل .

قوله ( ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ) ; أي ادع أهل اليمن أولا إلى شيئين ، أحدهما شهادة أن لا إله إلا الله ، والثاني الشهادة بأن محمدا رسول الله . فإن قلت : كيف كان ما يعتقده أهل اليمن ؟ قلت : صرح في رواية مسلم أنهم من أهل الكتاب ، حيث قال : عن ابن عباس عن معاذ بن جبل - رضي الله تعالى عنهم - قال : بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال : إنك تأتي قوما من أهل الكتاب ، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله . وقال شيخنا زين الدين رحمه الله : كيفية الدعوة إلى الإسلام باعتبار أصناف الخلق في الاعتقادات ، فلما كان إرسال معاذ إلى من يقر بالإله والنبوات وهم أهل الكتاب أمره بأول ما يدعوهم إلى توحيد الإله والإقرار بنبوة محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ، فإنهم وإن كانوا يعترفون بإلهية الله تعالى ولكن يجعلون له شريكا لدعوة النصارى أن المسيح ابن الله تعالى ودعوة اليهود أن عزيرا ابن الله سبحانه عما يصفون وأن محمدا ليس برسول الله أصلا ، أو أنه ليس برسول إليهم على اختلاف آرائهم في الضلالة ، فكان هذا أول واجب يدعون إليه . وقال الطيبي : قيد قوما بأهل كتاب - يعني في رواية مسلم - وفيهم أهل الذمة وغيرهم من المشركين تفضيلا لهم وتغليبا على غيرهم . وقال القاضي عياض : أمره - صلى الله عليه وسلم - معاذا أن يدعوهم أولا بتوحيد الله وتصديق نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - دليل على أنهم ليسوا بعارفين الله تعالى ، وهو مذهب حذاق المتكلمين في اليهود والنصارى أنهم غير عارفين الله تعالى وإن كانوا يعبدون ويظهرون معرفته لدلالة السمع عندهم هذا وإن كان العقل لا يمنع أن يعرف الله تعالى من كذب رسولا ، وقال : ما عرف الله من شبهه وجسمه من اليهود أو أضاف إليه الولد على أو أضاف إليه الصاحبة أو أجاز الحلول عليه والانتقال والامتزاج من النصارى أو وصفه بما لا يليق به أو أضاف إليه الشريك والمعاند في خلقه من المجوس والثنوية ، فمعبودهم الذي عبدوه ليس هو الله تعالى وإن سموه به ، إذ ليس موصوفا بصفات الإله الواجبة ، فإذن ما عرفوا الله سبحانه ، وقيل : إنما أمره بالمطالبة بالشهادتين لأن ذلك أصل الدين الذي لا يصح شيء من فروعه إلا به ، فمن كان منهم غير موحد على التحقيق كالنصراني فالمطالبة موجهة إليه بكل واحدة من الشهادتين ، ومن كان موحدا كاليهود فالمطالبة له بالجمع بين ما أقر به من التوحيد وبين الإقرار بالرسالة .

وفي التلويح : أهل اليمن كانوا يهودا ; لأن ابن إسحاق وغيره ذكروا أن تبعا تهود وتبعه على ذلك قومه .

قوله ( فإن هم أطاعوا لذلك ) ; أي للإتيان بالشهادتين .

قوله ( فأعلمهم ) بفتح الهمزة ، من الإعلام .

قوله ( أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة ) ، كلمة " أن " مفتوحة لأنها في محل النصب على أنها مفعول ثان للإعلام ، وطاعتهم بالصلاة يحتمل وجهين ; أحدهما : يحتمل أن يريد إقرارهم بوجوبها . الثاني : أن يريد الطاعة بفعلها . ويرجح الأول بأن الذكر في لفظ الحديث هو الإخبار بالفريضة فتعود الإشارة بذلك إليها ، ويرجح الثاني بأنهم لو أخبروا بالوجوب فبادروا بالامتثال بالفعل لكفى ، ولم يشترط تلقيهم بالإقرار بالوجوب ، وكذا الزكاة لو امتثلوا بأدائها من غير تلفظ بالإقرار لكفى ، فالشرط عدم الإنكار والإذعان بالوجوب لا باللفظ . فإن قلت : ما الحكمة في أنه رتب دعوتهم إلى أداء الزكاة على طاعتهم إلى إقامة الصلاة ؟ قلت : لم يرتبه ترتيب الوجوب ، وإنما رتبه لترتيب البيان ، ألا ترى أن وجوب الزكاة على قوم من الناس دون آخرين وأن لزومها بمضي الحول على المال . وقال شيخنا زين الدين : يحتمل أن يقال إنهم إذا [ ص: 236 ] أجابوا إلى الشهادتين ودخلوا بذلك في الإسلام ولم يطيعوا لوجوب الصلاة كان ذلك كفرا وردة عن الإسلام بعد دخولهم فيه ، فصار مالهم فيئا فلا يؤمرون بالزكاة ، بل يقتلون .

قوله ( فإن هم أطاعوا لذلك ) ; أي لوجوب الصلاة بالأداء كما ذكرنا .

قوله ( افترض عليهم صدقة ) ; أي زكاة ، وأطلق لفظ الصدقة على الزكاة كما في قوله تعالى : إنما الصدقات للفقراء والمراد بها الزكاة .

قوله ( تؤخذ ) على صيغة المجهول في محل النصب على أنها صفة لقوله " صدقة " ، وكذلك قوله " وترد " على صيغة المجهول عطف على قوله " تؤخذ " ، وسيأتي في كتاب الزكاة في باب لا تؤخذ كرائم أموال الناس في الصدقة عقيب قوله " وترد على فقرائهم ، فإذا أطاعوا بها فخذ منهم وتوق كرائم أموال الناس " ، وسيأتي أيضا في باب أخذ الصدقة من الأغنياء عقيب قوله " وكرائم أموالهم ، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينه وبين الله حجاب " .

قوله ( توق ) ، وفي رواية : فإياك وكرائم أموالهم ; يعني احترز فلا تأخذ كرائم الأموال ، والكرائم جمع كريمة وهي النفيسة من المال ، وقيل ما يختص صاحبه لنفسه منها ويؤثره . وقال صاحب المطالع : هي جامعة الكمال المتمكن في حقها من غزارة اللبن وجمال صورة أو كثرة لحم أو صوف .

قوله ( فإنه ) ; أي فإن الشأن ، وفي رواية أبي داود " فإنها " ; أي فإن القصة والشأن .

قوله ( ليس بينه ) ; أي بين دعاء المظلوم وبين الله حجاب ، وفي رواية " بينها " ; أي بين دعوة المظلوم وبين الله .

قوله ( فإياك وكرائم أموالهم ) بالواو ، ولا يجوز تركه لأن معنى إياك اتق ، وهو الذي يقال له التحذير ، والمحذر منه إذا ولي المحذر فإن كان اسما صريحا يستعمل بمن أو الواو ، ولا يخلو عنهما وإلا يفهم منه أنه محذر منه ، وإن كان فعلا يجب أن يكون مع أن ليكون في تأويل الاسم فيستعمل بالواو عطفا نحو إياك وأن تخذف فإن تقديره إياك والخذف ، أو بمن نحو إياك من أن تخذف ، ولا يجوز أن يقال إياك الأسد بدون الواو ، وقد نقل ابن مالك إياك الأسد بحذف الواو ولكنه شاذ يكون في الضرورة .

( ذكر ما يستفاد منه ) : وهو على وجوه ; الأول : فيه قبول خبر الواحد ووجوب العمل به ، قال صاحب التلويح : وفيه نظر من حيث إن أبا موسى كان معه ، فليس خبر واحد على هذا ، وعلى قول أبي عمر كانوا خمسة . قلت : في نظره نظر ; لأنه لا يخرج عن كونه خبر واحد ، وقبول خبر الواحد ووجوب العمل به قول من يعتد به في الإجماع .

الثاني : فيه أن الكفار يدعون إلى الإسلام قبل القتال وأنه لا يحكم بإسلام الكافر إلا بالنطق بالشهادتين ، وهذا مذهب أهل السنة ; لأن ذلك أصل الدين الذي لا يصح شيء من فروعه إلا به .

الثالث : فيه أن الصلوات الخمس فرض في كل يوم وليلة خمس مرات .

الرابع : فيه أن الزكاة فرض .

الخامس : فيه استدلال بعضهم على عدم جواز نقل الزكاة عن بلد المال ; لقوله صلى الله عليه وسلم : وترد على فقرائهم . قلت : هذا الاستدلال غير صحيح ; لأن الضمير في " فقرائهم " يرجع إلى فقراء المسلمين وهو أعم من أن يكون من فقراء أهل تلك البلدة أو غيرهم ، وقال الطيبي : اتفقوا على أنها إذا نقلت وأديت يسقط الفرض عنه ، إلا عمر بن عبد العزيز فإنه رد صدقة نقلت من خراسان إلى الشام إلى مكانها من خراسان .

السادس : أن الخطابي قال فيه : يستدل لمن يذهب إلى أن الكفار غير مخاطبين بشريعة الدين وإنما خوطبوا بالشهادة ، فإذا أقاموها توجهت عليهم بعد ذلك الشرائع والعبادات ; لأنه - صلى الله عليه وسلم - قد أوجبها مرتبة وقدم فيها الشهادة ثم تلاها بالصلاة والزكاة . وقال النووي : هذا الاستدلال ضعيف ، فإن المراد علمهم بأنهم مطالبون بالصلاة وغيرها في الدنيا ، والمطالبة في الدنيا لا تكون إلا بعد الإسلام ، وليس يلزم من ذلك أن لا يكونوا مخاطبين بها يزاد في عذابهم بسببها في الآخرة . ثم قال : اعلم أن المختار أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة المأمور به والمنهي عنه ، هذا قول المحققين والأكثرين ، وقيل : ليسوا مخاطبين ، وقيل : مخاطبون بالمنهي دون المأمور . قلت : قال شمس الأئمة في كتابه في فصل بيان موجب الأمر في حق الكفار : لا خلاف أنهم مخاطبون بالإيمان ; لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث إلى الناس كافة ليدعوهم إلى الإيمان ، قال تعالى : قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا ولا خلاف أنهم مخاطبون بالمشروع من العقوبات ، ولا خلاف أن الخطاب بالمعاملات يتناولهم أيضا ، ولا خلاف أن الخطاب بالشرائع يتناولهم في حكم المؤاخذة في الآخرة ، فأما في وجوب الأداء في أحكام الدنيا فمذهب العراقيين من أصحابنا أن الخطاب يتناولهم أيضا والأداء واجب عليهم ، ومشايخ ديارنا يقولون : إنهم لا يخاطبون بأداء ما يحتمل السقوط من العبادات .

[ ص: 237 ] السابع : استدل به من يرى بعدم وجوب الوتر ; لأن بعث معاذ إلى اليمن قبل وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بقليل ، وقال صاحب التوضيح : وهذا ظاهر لا إيراد عليه ، ومن ناقش به فقد غلط . قلت : ما غلط إلا من استمر على هذا بغير برهان ; لأن الراوي لم يذكر جميع المفروضات ، ألا ترى أنه لم يذكر الصوم والحج ونحوهما ، ولئن سلمنا ما ذكروه ولكن لا نسلم نفي ثبوت وجوبه بعد ذلك لعدم العلم بالتاريخ ، وقد قالت الشافعية في ردهم قول أحمد حيث تمسك بحديث ابن عكيم في عدم الانتفاع بأجزاء الميتة قبل موت النبي - صلى الله عليه وسلم - بشهر ، ويحتمل أن يكون الإذن في ذلك قبل موته بيوم أو يومين ، فكان ينبغي لهم أن يقولوا هنا كما قالوا هناك .

الثامن : ذكر الطيبي وآخرون أن في قوله " تؤخذ من أغنيائهم " دليلا على أن الطفل تلزمه الزكاة لعموم قوله " تؤخذ من أغنيائهم " . قلت : عبارة الشافعية أن الزكاة لا تجب على الصبي بل تجب في ماله ، وكذا في المجنون ، واحتجوا بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - خطب فقال : ألا من ولي يتيما له مال فليتجر في ماله ولا يتركه حتى تأكله الصدقة . رواه الترمذي ، قلنا : الشرط في وجوب الزكاة العقل والبلوغ ، فلا تجب في مال الصبي والمجنون لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : رفع القلم عن ثلاثة ; عن النائم حتى يستيقظ ، وعن الصبي حتى يحتلم ، وعن المجنون حتى يفيق . وحديث الترمذي ضعيف ; لأن في إسناده المثنى بن الصباح ، فقال أحمد : لا يساوي شيئا . وقال النسائي : متروك الحديث . وقال يحيى : ليس بشيء . وقال الترمذي بعد أن رواه : وفي إسناده مقال ; لأن المثنى بن الصباح يضعف في الحديث . فإن قلت : رواه الدارقطني من رواية مندل عن أبي إسحاق الشيباني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : احفظوا اليتامى في أموالهم لا تأكلها الزكاة . قلت : مندل بن علي الكوفي ضعفه أحمد ، وقال ابن حبان : كان يرفع المراسيل ويسند الموقوفات من سوء حفظه ، فلما فحش ذلك منه استحق الترك . فإن قلت : قال الترمذي : وروى بعضهم هذا الحديث عن عمرو بن شعيب أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ، فذكر هذا الحديث - قلت : ظاهره أن عمرو بن شعيب رواه عن عمر بغير واسطة بينه وبينه وليس كذلك ، وإنما رواه الدارقطني والبيهقي بواسطة سعيد بن المسيب من رواية حسين المعلم عن عمرو بن شعيب عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب قال : ابتغوا بأموال اليتامى لا تأكلها الصدقة . وقد اختلف في سماع ابن المسيب عن عمر بن الخطاب ، والصحيح أنه لم يسمع منه .

وقال الترمذي : وقد اختلف أهل العلم في هذا الباب ; فرأى غير واحد من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - في مال اليتيم زكاة منهم عمر وعلي وعائشة وابن عمر وبه يقول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق ، وقالت طائفة من أهل العلم : ليس في مال اليتيم زكاة ، وبه قال سفيان الثوري وعبد الله بن المبارك . قلت : وبه قال أبو حنيفة وأصحابه ، وهو قول أبي وائل وسعيد بن جبير والنخعي والشعبي والحسن البصري وحكي عنه إجماع الصحابة ، وقال سعيد بن المسيب : لا تجب الزكاة إلا على من تجب عليه الصلاة والصيام . وذكر حميد بن زنجويه والنسائي أنه مذهب ابن عباس ، وفي المبسوط : وهو قول علي أيضا . وعن جعفر بن محمد عن أبيه مثله ، وبه قال شريح - ذكره النسائي .

التاسع : فيه أن المدفوع عين الزكاة وفيه خلاف .

العاشر : أنه ليس في المال حق واجب سوى الزكاة ، وروى ابن ماجه من حديث شريك عن أبي حمزة عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس : سمعت النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - يقول : ليس في المال حق سوى الزكاة . قلت : قد اختلف نسخ ابن ماجه في لفظه ; ففي نسخة " في المال حق سوى الزكاة " ، وفي نسخة " ليس في المال حق سوى الزكاة " ، قال الشيخ تقي الدين في الإمام : هكذا في النسخة التي فيها روايتنا ، ورواه البيهقي بلفظ الترمذي " إن في المال لحقا سوى الزكاة " ، ثم قال : والذي يرويه أصحابنا في التعاليق " ليس في المال حق سوى الزكاة " . وقال شيخنا زين الدين رحمه الله : ليس حديث فاطمة هذا بصحيح ، تفرد برفعه أبو حمزة القصاب الأعور الكوفي واسمه ميمون ، وهو وإن روى عنه الثقات الحمادان وسفيان وشريك وابن علية وغيرهم فهو متفق على ضعفه . وقال أحمد : متروك الحديث . وقال ابن معين : ليس بشيء . وحكم الترمذي أن هذا الحديث من قول الشعبي أصح وهو كذلك ، وقد صح أيضا عن غيره من التابعين ، وروي أيضا عن ابن عمر من قوله ، وقال ابن حزم : صح عن الشعبي ومجاهد وطاوس وغيرهم [ ص: 238 ] القول في المال حق سوى الزكاة . قال : وعن ابن عمر أنه قال : في مالك حق سوى الزكاة . وقال مجاهد : إذا حصد ألقى لهم من السنبل ، وإذا جز النخل ألقى لهم من الشماريخ ، فإذا كاله زكاه . وعن محمد بن كعب في قوله تعالى : وآتوا حقه يوم حصاده قال ما قل منه أو كثر . وعن جعفر بن محمد عن أبيه قال : " وآتوا حقه " ، قال : شيء سوى الحق الواجب . وعن عطاء : القبضة من الطعام . وعن يزيد بن الأصم قال : كان النخل إذا صرم يجيء الرجل بالعذق من نخله فيعلقه في جانب المسجد ، فيجيء المسكين فيضربه بعصاه فإذا تناثر منه شيء أكل ، فذلك قوله : وآتوا حقه يوم حصاده وعن حماد : يعطي ضغثا . وعن الربيع بن أنس : " وآتوا حقه " ، قال : إلقاط السنبل . وعن سفيان قال : يدع المساكين يتبعون أثر الحصادين فيما سقط عن المنجل . وذكر العباس الضرير في كتابه مقامات التنزيل : وقد روي وصح عن علي بن الحسين ، وهو قول عطية وأبي عبيد ، واحتج بحديث النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - أنه نهى عن حصاد الليل . وقال ابن التين : وهو قول الشعبي رحمه الله . وقال النحاس : في هذه الآية الكريمة خمسة أقوال ; فمنهم من قال : هي منسوخة بالزكاة المفروضة ، فممن قال ذلك سعيد بن جبير ، وقال : كان هذا قبل أن تنزل الزكاة . وقال الضحاك : نسخت الزكاة في كل صدقة في القرآن ، وفي تفسير الفلاس : حدثنا يحيى ، حدثنا سفيان ، عن المغيرة ، عن إبراهيم قال : هي منسوخة .

القول الثاني أنها الزكاة المفروضة ، وهو قول أنس بن مالك ، وعن الحسن مثله ، وهو قول جابر بن زيد وسعيد بن المسيب وقتادة وزيد بن أسلم ، وقيل هذا قول مالك والشافعي أيضا .

القول الثالث : قال أبو العباس : كان السدي ذهب إلى أن الذي نزل بمكة " وآتوا حقه يوم حصاده " فقط ، فلما أعطى ابن قيس كلما حصد نزل " ولا تسرفوا " ، وأول الآية مكي وآخرها مدني . وعن الكلبي مثل قول السدي ، وذكر النحاس مثل قول السدي عن الأعرج ، وحكاه الثعلبي وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما .

القول الرابع : قول من قال نسخت الآية بالعشر ونصف العشر ، وفي تفسير الفلاس : هو قول ابن عباس .

القول الخامس : قال أبو جعفر : أن يكون معناه على الندب ، وهذا لا نعرف أحدا من المتقدمين قاله .

الحادي عشر : في قوله " تؤخذ من أغنيائهم " دليل على أن الإمام يرسل السعاة إلى أصحاب الأموال لقبض صدقاتهم . وقال ابن المنذر : أجمع أهل العلم على أن الزكاة كانت ترفع إلى رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - وإلى رسله وعماله ، وإلى من أمر بدفعها إليه ، واختلفوا في دفع الزكاة إلى الأمراء ، فكان سعد بن أبي وقاص وابن عمر وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة وعائشة والحسن البصري والشعبي ومحمد بن علي وسعيد بن جبير وأبو رزين والأوزاعي والشافعي يقولون : تدفع الزكاة إلى الأمراء . وقال عطاء : يعطيهم إذا وضعوها مواضعها . وقال طاوس : لا يدفع إليهم إذا لم يضعوها مواضعها . وقال الثوري : احلف لهم وعدهم واكذبهم ، ولا تعطهم شيئا إذا لم يضعوها مواضعها .

الثاني عشر : فيه أن الساعي ليس له أن يأخذ خيار الأموال ، بل يأخذ الوسط بين الخيار والرديء .

الثالث عشر : قال الخطابي فيه : قد يستدل به من لا يرى على المديون زكاة ; لأنه قسم قسمين : فقيرا وغنيا ، فهذا لما جاز له الأخذ لم يجب عليه الدفع ، وأجيب عنه بأن المديون لا يأخذها لفقره حتى لا تجب عليه لغناه ، وإنما يأخذها لكونه من الغارمين وهم أحد الأصناف الثمانية المذكورين في الآية .

الرابع عشر : قال صاحب المفهم : فيه دليل لمالك رضي الله تعالى عنه على أن الزكاة لا تجب قسمتها على الأصناف الثمانية المذكورين في الآية ، وأنه يجوز للإمام أن يصرفها إلى صنف واحد من الأصناف المذكورين في الآية إذا رآه نظرا أو مصلحة دينية .

الخامس عشر : فيه أن دعوة المظلوم لا ترد ولو كان فيه ما يقتضي أن لا يستجاب لمثله من كون مطعمه حراما أو نحو ذلك ، حتى ورد في بعض طرقه " وإن كان كافرا ليس دونه حجاب " ، رواه أحمد من حديث أنس رضي الله تعالى عنه . وله من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه : دعوة المظلوم مستجابة ، وإن كان فاجرا ففجوره على نفسه . وإسناده حسن .

التالي السابق


الخدمات العلمية