صفحة جزء
1392 63 - (حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أنه سمع أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالا من نخل، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب. قال أنس: فلما أنزلت هذه الآية: لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون قام أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله إن الله تبارك وتعالى يقول: لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وإن أحب أموالي إلي بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بخ، ذلك مال رابح! ذلك مال رابح! [ ص: 29 ] وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين، فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه).
مطابقته للترجمة تفهم مما ذكرنا الآن، ورجاله قد ذكروا غير مرة، وإسحاق هذا ابن أخي أنس بن مالك، وأبو طلحة اسمه زيد بن سهل الأنصاري.

(ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره)

أخرجه البخاري في الوصايا عن عبد الله بن يوسف، وفي الوكالة عن يحيى بن يحيى، وفي الوصايا وفي الأشربة عن القعنبي، وفي التفسير عن إسماعيل، وأخرجه مسلم في الزكاة عن يحيى بن يحيى، وأخرجه النسائي في التفسير عن هارون بن عبد الله.

(ذكر معناه):

قوله: "أكثر الأنصار" بالنصب لأنه خبر كان.

قوله: "مالا" نصب على التمييز، أي: من حيث المال، وكلمة من في "من نخل" للبيان.

قوله: "بيرحاء" اختلفوا في ضبطه على أوجه، جمعها ابن الأثير في النهاية، فقال: يروى بفتح الباء الموحدة وبكسرها، وبفتح الراء وضمها، وبالمد والقصر، وفي رواية حماد بن سلمة "بريحا" بفتح أوله وكسر الراء وتقديمها على الياء آخر الحروف، وفي سنن أبي داود: "باريحاء" مثله لكن بزيادة ألف.

وقال الباجي: أفصحها بفتح الباء وسكون الياء وفتح الراء، مقصور، وكذا جزم به الصغاني، وقال: إنه "فيعلا" من البراح، قال: ومن ذكره بكسر الباء الموحدة وظن أنها بئر من آبار المدينة فقد صحف.

وقال القاضي: روينا بفتح الباء والراء وضمها مع كسر الباء.

ومنهم من قال: من رفع الراء وألزمها حكم الإعراب فقد أخطأ، وقال: وبالرفع قرأناه على شيوخنا بالأندلس، والروايات فيه القصر، وروينا أيضا بالمد، وهو حائط سمي بهذا الاسم وليس اسم بئر.

وقال التيمي: هو بالرفع اسم كان، و"أحب" خبره، ويجوز بالعكس، وحا مقصور، كذا المحفوظ، ويجوز أن يمد في اللغة، يقال: هذه حاء بالقصر والمد، وقد جاء حا في اسم قبيلة، وبيرحاء بستان، وكانت بساتين المدينة تدعى بالآبار التي فيها، أي البستان التي فيه بئر حا، أضيف البئر إلى حا.

ويروى بيرحا بفتح الباء وسكون التحتانية وفتح الراء، هو اسم مقصور، ولا يتيسر فيه إعراب، أي فهو كلمة واحدة، لا مضاف ولا مضاف إليه، قال: ويجوز أن يكون في موضع رفع، وأن يكون في موضع نصب.

ويروى: "وإن أحب أموالي بير حا" فعلى هذا محله رفع، وهو اسم بستان.

وقال ابن التين: قيل: حا اسم امرأة.

وقيل: اسم موضع وهو ممدود، ويجوز قصره، وفي معجم أبي عبيد: حا على لفظ حرف الهجاء موضع بالشام، وحا آخر موضع بالمدينة، وهو الذي ينسب إليه بئر حا. ورواه حماد بن سلمة عن ثابت "أريحا" خرجه أبو داود، ولا أعلم أريحا إلا بالشام.

وقيل: سميت "بيرحا" بزجر الإبل عنها، وذلك أن الإبل إذا زجرت عن الماء وقد رويت حا حا.

وقيل: بير حا من البرح والياء زائدة، وفي المنتهى: بيرح اسم رجل. زاد في الواعي: الياء فيه زائدة.

قوله: "وكانت" أي "بيرحا" مستقبلة المسجد أو مقابلته.

وقال النووي: وهذا الموضع يعرف بقصر بني جديلة -بفتح الجيم وكسر الدال المهملة- قبلي المسجد، وفي التلويح: هو موضع بقرب المسجد يعرف بقصر بني حديلة، وضبطها بالكتابة بضم الحاء المهملة وفتح الدال. قلت: الصواب بالجيم. قوله: "من ماء فيها" أي في بيرحا. قوله: "طيب" بالجر لأنه صفة للماء.

قوله: "فلما أنزلت هذه الآية" وهي قوله تعالى: لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون قال ابن عباس في رواية أبي صالح: لن تنالوا ما عند الله من ثوابه في الجنة حتى تنفقوا مما تحبون من الصدقة، أي: بعض ما تحبون من الأموال.

وقال الضحاك: يعني: لن تدخلوا الجنة حتى تنفقوا مما تحبون، يعني تخرجون زكاة أموالكم طيبة بها أنفسكم.

وفي رواية عن ابن عباس: هذه الآية منسوخة، نسختها آية الزكاة.

قوله: وما تنفقوا من شيء يعني الصدقة وصلة الرحم فإن الله به عليم أي: ما يخفى عليه فيثيبكم عليه، وروي عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه اشترى جارية جميلة وهو يحبها، فمكثت عنده أياما فأعتقها، فزوجها من رجل، فولد لها ولد، فكان يأخذ ولدها ويضمه إلى نفسه، فيقول: إني أشم منك ريح أمك، فقيل له: قد رزقك الله من حلال فأنت تحبها فلم تركتها؟ فقال: ألم تسمع هذه الآية: لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ذكره أبو الليث السمرقندي في تفسيره، وذكر أيضا عن عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه أنه كان يشتري أعدالا من سكر ويتصدق به، فقيل له: هلا تصدقت بثمنه؟ فقال: لأن السكر أحب إلي فأردت أن أنفق مما أحب.

قوله: "قام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم" [ ص: 30 ] أي قام أبو طلحة منتهيا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قوله: "برها" أي خيرها، والبر اسم جامع لأنواع الخيرات والطاعات، ويقال: أرجو ثواب برها.

قوله: "وذخرها" أي: أقدمها فأدخرها لأجدها هناك. وعن ابن مسعود: البر في الآية الجهة، والتقدير على هذا: أبواب البر.

قوله: "بخ" هذه كلمة تقال عند المدح والرضا بالشيء، وتكرر للمبالغة، فإن وصلت خففت ونونت وربما شددت كالاسم، ويقال: بإسكان الخاء وتنوينها مكسورة.

وقال القاضي: حكي الكسر بلا تنوين، وروي بالرفع، فإذا كررت فالاختيار تحريك الأول منونا وإسكان الثاني.

وقال ابن دريد: معناه: تعظيم الأمر وتفخيمه، وسكنت الخاء فيه كسكون اللام في هل وبل، ومن نونه شبهه بالأصوات كصه ومه.

وفي الواعي: قال الأحمر: في "بخ" أربع لغات: الجزم والخفض والتشديد والتخفيف.

وقال ابن بطال: هي كلمة إعجاب.

وقال ابن التين: هي كلمة تقولها العرب عند المدح والمحمدة.

وقال القزاز: هي كلمة يقولها المفتخر عند ذكر الشيء العظيم، وكلها متقاربة في المعنى.

قوله: "مال رابح" بالباء الموحدة، أي يربح فيه صاحبه في الآخرة، ومعناه ذو ربح، كلابن وتامر، أي ذو لبن وذو تمر.

وقال ابن قرقول: وروي بالياء المثناة من تحت، من الرواح، يعني يروح عليه أجره.

وقال ابن بطال: والمعنى أن مسافته قريبة، وذلك أنفس الأموال.

وقيل: معناه: يروح بالأجر ويغدو به، واكتفي بالرواح عن الغدو لعلم السامع.

ويقال: معناه أنه مال رائح، يعني من شأنه الرواح، أي الذهاب والفوات، فإذا ذهب في الخير فهو أولى.

وقال القاضي: وهي رواية يحيى بن يحيى وجماعة، ورواية أبي مصعب وغيره بالباء الموحدة.

وقال ابن قرقول: بل الذي رويناه ليحيى بالباء المفردة، وهو ما في مسلم، وفي التلويح: يحيى الذي أشار إليه ابن قرقول يحيى الليثي المغربي، ويحيى الذي في البخاري هو النيسابوري.

وقال أبو العباس الواني في كتابه أطراف الموطأ: في رواية يحيى الأندلسي بالباء الموحدة، قال: وتابعه روح بن عبادة وغيره.

وقال يحيى بن يحيى النيسابوري وإسماعيل وابن وهب وغيرهم: رائح بالهمزة من الروح، وشك القعنبي فيه.

وقال الإسماعيلي: من قال: "رابح" بالباء فقد صحف. قوله: "وقد سمعت ما قلت" بوب عليه البخاري في الوكالة "باب: إذا قال الرجل لوكيله: ضعه حيث أراك الله، وقال الوكيل: قد سمعت".

وقال المهلب: دل على قبوله صلى الله عليه وسلم ما جعل إليه أبو طلحة، ثم رد الوضع فيها إلى أبي طلحة بعد مشورته عليه فيمن يضعها.

قوله: "أفعل" قال السفاقسي: هو فعل مستقبل مرفوع.

وقال النووي: يحتمل أن يقول: "افعل" أنت ذاك فقد أمضيته على ما قلت، فجعله أمرا.

قوله: "في أقاربه" الأقارب جمع الأقرب، وقالت الفقهاء: لو قال: "وقفت على قرابتي" يتناول الواحد، ويقال: هم قرابتي وهو قرابتي، وفي الفصيح: ذو قرابتي للواحد وذو قرابتي للاثنين وذو قرابتي للجمع، والقرابة والقربى في الرحم.

وفي الصحاح: والقرابة القربى في الرحم، وهو في الأصل مصدر، تقول: بيني وبينه قرابة وقرب وقربى ومقربة ومقربة وقربة وقربة بضم الراء، وهو قريبي وذو قرابتي وهم أقربائي وأقاربي، والعامة تقول: هو قرابتي وهم قراباتي.

قوله: "وبني عمه" من باب عطف الخاص على العام. فافهم.

(ذكر ما يستفاد منه):

فيه أن الرجل الصالح قد يضاف إليه حب المال، وقد يضيفه هو إلى نفسه وليس في ذلك نقيصة عليه.

وفيه اتخاذ البساتين والعقار.

وقال ابن عبد البر: وفيه رد لما يروى عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: "لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا".

وفيه إباحة دخول العلماء البساتين.

وفيه دخول الشارع حوائط أصحابه وشربه من مائها.

وفيه أن كسب العقار مباح إذا كان حلالا ولم يكن بسبب ذل ولا صغار؛ فإن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كره كسب أرض الخراج، ولم ير شراها، وقال: لا تجعل في عنقك صغارا.

وفيه إباحة شرب من ماء الصديق، وكذا الأكل من ثماره وطعامه. قال أبو عمر: إذا علم أن نفس صاحبه تطيب بذلك.

وفيه دلالة للمذهب الصحيح أنه يجوز أن يقال: إن الله تبارك وتعالى يقول، كما يقال: إن الله تعالى قال، خلافا لما قاله مطرف بن عبد الله بن الشخير؛ إذ قال: لا يقال: الله تعالى يقول، إنما يقال: قال الله أو الله عز وجل، قال: كأنه ينجر إلى استئناف القول، وقول الله قديم، وكأنه ذهل عن قوله عز وجل: والله يقول الحق وهو يهدي السبيل

وفيه استعمال ظاهر الخطاب وعمومه، ألا ترى أن أبا طلحة حين سمع: لن تنالوا البر لم يحتج أن يقف حتى يرد عليه البيان عن الشيء الذي يريد الله عز وجل أن ينفق عباده منه إما بآية أو سنة تبين ذاك.

[ ص: 31 ] وفيه مشاورة أهل العلم والفضل في كيفية وجوه الطاعات وغيرها، والإنفاق من المحبوب.

وفيه أن الوقف صحيح وإن لم يذكر سبيله، وهو الذي بوب عليه البخاري في الوصايا.

وفيه أن الوكالة لا تتم إلا بالقبول.

وفيه أن أبا طلحة هو الذي قسمها في أقاربه وبني عمه، وقد ذكر إسماعيل القاضي في المبسوط عن القعنبي بسنده.

وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قسمها في أقارب أبي طلحة وبني عمه، لا خلاف في ذلك.

وقال أبو عمر: هو المحفوظ عند العلماء.

قلت: هذا خلاف ما ذكر هنا، ويحتمل أنه إنما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأنه الآمر به.

وفيه في قوله: "فضعها يا رسول الله حيث أراك الله" جواز أمر الرجل لغيره أن يتصدق عنه أو يقف عنه، وكذلك إذا قال لآخر: خذ هذا المال فاجعله حيث أراك الله من وجوه الخير.

وقال مالك في هذا: لا يأخذ منه شيئا وإن كان فقيرا، فقال غيره: وجاز له أن يأخذه كله إذا كان فقيرا.

وفيه صحة الصدقة المطلقة والحبس المطلق، وهو الذي لم يعين مصرفه ثم بعد ذلك يعين.

وفيه جواز أن يعطي الواحد من الصدقة فوق مائتي درهم؛ لأن هذا الحائط مشهور أن ريعه يحصل للواحد منه أكثر من ذلك، قاله القرطبي، ولا فرق بين فرض الصدقة ونفلها في مقدار ما يجوز إعطاؤه المتصدق عليه فيما ذكره الخطابي.

وفيه أن الصدقة إذا كانت جزلة مدح صاحبها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "بخ ذلك مال رابح!".

وفيه أن الصدقة على الأقارب وضعفاء الأهلين أفضل منها على سائر الناس إذا كانت صدقة تطوع، ويدل على ذلك قوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "لك أجران أجر القرابة والصدقة".

وقال لميمونة حين أعتقت جارية لها: "أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك" ذكره البخاري رحمه الله تعالى في الهبة.

التالي السابق


الخدمات العلمية