صفحة جزء
1423 94 - حدثنا علي بن عبد الله قال: حدثنا يزيد بن زريع قال: حدثنا خالد، عن حفصة بنت سيرين، عن أم عطية الأنصارية رضي الله عنها قالت: دخل النبي صلى الله عليه وسلم على عائشة رضي الله عنها فقال: هل عندكم شيء؟ فقالت: لا، إلا شيء بعثت به إلينا نسيبة من الشاة التي بعثت بها من الصدقة، فقال: إنها قد بلغت محلها.
مطابقته للترجمة من حيث إن نسيبة أرسلت إلى عائشة من الشاة التي أرسلها إليها النبي صلى الله عليه وسلم من الصدقة، فلما قبلتها نسيبة دخلت في ملكها، وخرجت من كونها صدقة، فهذا معنى التحول كما ذكرنا.

(ذكر رجاله) وهم خمسة:

الأول: علي بن عبد الله المعروف بابن المديني.

الثاني: يزيد -من الزيادة- ابن زريع -مصغر زرع ضد الجدب- وقد مر في باب الجنب يخرج.

الثالث: خالد الحذاء.

الرابع: حفصة بنت سيرين أخت محمد بن سيرين، سيدة التابعيات.

الخامس: أم عطية -بفتح العين المهملة - واسمها نسيبة - بضم النون وفتح السين المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفتح الباء الموحدة - وقد مر ذكرها غير مرة.

(ذكر لطائف إسناده) فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع.

وفيه العنعنة في موضعين.

وفيه أن رواته كلهم بصريون.

وفيه رواية التابعية عن الصحابية.

وفيه رواية الحديث لصحابية مذكورة بكنيتها.

(ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره) أخرجه البخاري أيضا في الزكاة عن أحمد بن يونس، عن أبي شهاب الحناط، وفي الهبة عن محمد بن مقاتل عن خالد بن عبد الله.

وأخرجه مسلم في الزكاة عن زهير بن حرب، عن إسماعيل بن علية، عن خالد الحذاء.

(ذكر معناه): قوله: "هل عندكم شيء" أي: من الطعام.

قوله: "فقالت لا" أي: لا شيء إلا شيء، والمستثنى منه محذوف، وهو اسم لا التي لنفي الجنس، أي: لا شيء من الطعام إلا شيء كذا.

قوله: "بعثت به نسيبة" جملة من الفعل والفاعل صفة لقوله: "شيء" وكلمة "من" في "من الشاة" للبيان مع الدلالة على التبعيض.

قوله: "بعثت بها" على صيغة المخاطب أي: التي بعثت بها أنت إليها.

قوله: "إنها" أي: إن الصدقة "قد بلغت محلها" بكسر الحاء من حل إذا وجب، قال الزمخشري في: حتى يبلغ الهدي محله أي: مكانه الذي يجب فيه نحوه.

وقال التيمي: "بلغت محلها" أي: حيث يحل أكلها، فهو مفعل من حل الشيء حلالا. وقال: معناه أنه صلى الله عليه وسلم بعث إلى أم عطية شاة من الصدقة، فبعثت هي من تلك الشاة إلى عائشة هدية، وهذا معنى قول البخاري: "إذا تحولت الصدقة" إذ كانت عليها صدقة ثم صارت هدية.

(ذكر ما يستفاد منه) فيه دلالة كما قال الطحاوي على جواز استعمال الهاشمي، ويأخذ جعله على ذلك، وقد كان أبو يوسف يكره ذلك إذا كانت جعالتهم منها، قال: لأن الصدقة تخرج من ملك المتصدق إلى غير الأصناف التي سماها الله تعالى فيملك المتصدق بعضها وهي لا تحل له، واحتج بحديث أبي رافع في ذلك، وخالفه فيه آخرون فقالوا: لا بأس أن يجعل منها للهاشمي؛ لأنه يجعل على عمله، وذلك قد يحل للأغنياء، فلما كان هذا لا يحرم على الأغنياء الذين يحرم عليهم غناؤهم الصدقة كان ذلك أيضا في النظر لا يحرم ذلك على بني هاشم الذين يحرم عليهم نسبهم الصدقة.

فلما كان ما تصدق به على بريرة جاز للشارع أكله؛ لأنه إنما أكله بالهدية، فجاز أيضا للهاشمي أن يجتعل من الصدقة؛ لأنه إنما يملكها بعمله لا بالصدقة، هذا هو النظر عندنا، وهو أصح مما ذهب إليه أبو يوسف.

(قلت): أراد الطحاوي بقوله: آخرون مالكا والشافعي في قول، وأحمد في رواية [ ص: 92 ] ومحمد بن الحسن فإنهم قالوا: لا بأس أن يكون العامل هاشميا ويأخذ عمالته منها لأن ذلك على عمله.

ولقائل أن يقول: هذا القياس ليس بصحيح لأن الغني إذا كان عاملا يكون متفرغا لذلك، صارفا نفسه وحابسها لأجل ذلك، فيستحق الجعالة في مقابلة هذا الفعل، وذلك في الحقيقة يكون لحاجته إلى ذلك، فيصير كابن السبيل تباح له الصدقة وإن كان غنيا، بخلاف الهاشمي، فإنه إنما تحرم عليه الصدقة لكونها أوساخ الناس ولأجل لحوق الذلة والهوان لشرف نسبه، فهذا المعنى موجود دائما، سواء كان الذي يأخذه من الصدقة على وجه الاعتمال والاجتعال أو غير ذلك.

وفيه دليل على تحويل الصدقة إلى هدية؛ لأنه لما كان يجوز التصرف للمتصدق عليه فيها بالبيع والهبة لصحة ملكه لها حكم لها بحكم الهبة وخروجها عن معنى الصدقة، فصارت حلالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما كان يأكل الهدية دون الصدقة؛ لما في الهدية من التألف والدعاء إلى المحبة، وقال: "تهادوا تحابوا" وجائز أن يثيب عليها وأفضل منها، فيرفع الذلة والمنة، بخلاف الصدقة.

وفيه بيان أن الأشياء المحرمة لعلل معلومة إذا ارتفعت عنها تلك العلل حلت، وأن التحريم في الأشياء ليس لعينها.

التالي السابق


الخدمات العلمية