صفحة جزء
1476 144 - حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا وهيب، قال: حدثنا أيوب، عن أبي قلابة عن أنس رضي الله عنه، قال صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن معه بالمدينة الظهر أربعا، والعصر بذي الحليفة ركعتين، ثم بات بها حتى أصبح، ثم ركب حتى استوت به راحلته على البيداء حمد الله وسبح وكبر، ثم أهل بحج وعمرة، وأهل الناس بهما، فلما قدمنا أمر الناس فحلوا حتى كان يوم التروية أهلوا بالحج، قال: ونحر النبي صلى الله عليه وسلم بدنات بيده قياما، وذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة كبشين أملحين.
مطابقته للترجمة في قوله: "حمد الله وسبح وكبر" وموسى بن إسماعيل هو أبو سلمة التبوذكي، ووهيب مصغرا بن خالد، وأيوب السختياني، وأبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي.

(ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره):

أخرجه البخاري أيضا عن سهل بن بكار، فرقهما، كلاهما عن وهيب.

وعن مسدد، عن إسماعيل بن علية.

وأخرجه أيضا في الحج، وفي الجهاد عن سليمان بن حرب.

وعن قتيبة بن سعيد مقطعا.

وأخرجه [ ص: 175 ] مسلم في الصلاة عن خلف بن هشام.

وعن قتيبة بن سعيد، وأبي الربيع الزهراني، ثلاثتهم عن حماد بن زيد به.

وعن زهير بن حرب، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، كلاهما عن إسماعيل بن أمية به.

وأخرجه أبو داود عن موسى بن إسماعيل به مقطعا، بعضه في الحج، وبعضه في الأضاحي.

وأخرجه النسائي في الصلاة عن قتيبة بن سعيد، عن حماد بن زيد به.

(ذكر معناه):

قوله: (نحن) الواو فيه للحال.

قوله: (ثم بات بها) أي: بذي الحليفة.

قوله: (حتى استوت به راحلته) أي: قامت به ناقته، يعني: رفعته مستويا على ظهرها، ولفظ به حال، أي: استوت ملتبسة برسول الله صلى الله عليه وسلم.

قوله: (على البيداء) وقد ذكرنا أنه الشرف الذي قدام ذي الحليفة.

قوله: (ثم أهل بحج وعمرة) يعني: جمع بينهما، وهذا هو القران.

قوله: (وأهل الناس) أي: الذين كانوا معه بهما، أي: بالحج والعمرة.

قوله: (فلما قدمنا)، أي: مكة.

قوله: (أمر الناس فحلوا) أي: أمر الناس الذين كانوا معه ولم يسوقوا الهدي بالتحلل فحلوا، أي: صاروا حلالا.

وسأل الكرماني سؤالا، فقال: كيف جاز للقارن أن يحل قبل إتمام الحج، وما ذاك إلا للمتمتع؟ ثم أجاب بأن العمرة كانت عندهم منكرة في أشهر الحج، كما هو رسم الجاهلية، فأمرهم بالتحلل من حجهم، والانفساخ إلى العمرة؛ تحقيقا لمخالفة رسمهم، وتصريحا بجواز الاعتمار في تلك الأشهر. انتهى.

(قلت): هذا ليس بجواب، والجواب الصواب أنه إنما أمرهم بالتحلل; لأنهم لم يسوقوا الهدي، ولم يقل أحد أنهم كانوا قارنين في هذه الحالة حتى يرد هذا السؤال، وإنما كان النبي صلى الله عليه وسلم هو القارن، وقوله: "العمرة كانت عندهم منكرة" إنما كان إنكارهم قبل هذا بمدة في الجاهلية، وفي هذه الحالة لم يكونوا منكرين، فمن ادعى بخلاف ذلك فعليه البيان.

قوله: (حتى كان يوم التروية) برفع "يوم" لأن كان تامة، فلا تحتاج إلى خبر، ويوم التروية هو اليوم الثامن من ذي الحجة، وسميت بالتروية; لأنهم كانوا يروون دوابهم بالماء، ويحملونه معهم أيضا في الذهاب من مكة إلى عرفات.

قوله: (قياما) أي: قائمات، وانتصابه على الحال.

قوله: (أملحين) تثنية أملح، وهو الأبيض الذي يخالطه سواد، وكان النحر للبدنات في مكة، والذبح للكبش الذي للأضحية في المدينة يوم العيد.

(ذكر ما يستفاد منه):

فيه أن الذي يريد السفر له أن يقصر الرباعية من بعد خروجه.

وفيه أن للمحرم أن يحمد الله ويسبحه ويكبره قبل الإهلال.

وفيه التصريح بأنه صلى الله عليه وسلم كان قارنا بقوله: "ثم أهل بحج وعمرة" وهذا هو عين القران، والمنكر هنا معاند، وقد ثبت بأحاديث أخر صحيحة أنه صلى الله عليه وسلم كان قارنا على ما نذكر إن شاء الله تعالى.

(فإن قلت): قد رد ابن عمر رضي الله تعالى عنهما هذا القول على أنس. وقال: كان أنس حينئذ يدخل على النساء، فنسب إليه الصغر وقلة الضبط حتى نسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقران.

وقال المهلب: رد ابن عمر على أنس رضي الله تعالى عنه قوله هذا، فقال مثل ما ذكرنا.

(قلت): هذا فيه نظر; لأن حجة الوداع كانت وسن أنس رضي الله تعالى عنه نحو العشرين، فكيف يدخل على النساء، وقد جاء في الصحيح أنه منع من الدخول عليهن حين بلغ خمس عشرة سنة، وذلك قبل الحجة بنحو خمس سنين، وأيضا فسنه نحو سن ابن عمر، ولعله لا يكون بينهما إلا نحو من سنة، أو دونها.

(فإن قلت): قال ابن بطال: ومما يدل على قلة ضبط أنس قوله في الحديث: "فلما قدمنا أمر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فحلوا حتى إذا كان يوم التروية أهلوا بالحج" وهذا لا معنى له، ولا يفهم أنه كان النبي صلى الله عليه وسلم قارنا، كما قال، والأمة متفقة على أن القارن لا يجوز له الإحلال حتى يفرغ من عمل الحج كله، فلذلك أنكر عليه ابن عمر، وإنما حل من كان أفرد الحج، وفسخه في عمرة، ثم تمتع.

(قلت): ولو قال ابن بطال ومن يقول مثل قوله لا ينهضون أن ينفوا صفة القران عن النبي صلى الله عليه وسلم في حجه، وذلك لأن الذين رووا الإفراد اختلف عنهم، ومن روى القران لم يختلف عليه، فالأخذ بقول من لم يختلف عليه أولى، ولأن معه زيادة، وهي مقبولة من الثقة.

وقال ابن حزم: وروي القران عن جميع من روى الإفراد، وهم عائشة، وجابر، وابن عمر، وابن عباس رضي الله تعالى عنهم، قال: ووجدنا أيضا عن علي بن أبي طالب وعمران بن حصين رضي الله تعالى عنهما، وروي عنهما التمتع، وروي عنهما القران، قال: ووجدنا أم المؤمنين حفصة، والبراء بن عازب، وأنس بن مالك لم تضطرب الرواية عنهم، ولا اختلاف عنهم في ذلك، فيترك رواية كل من قد اضطربت الرواية عنه، ويرجع إلى رواية من لا تضطرب عنه، وهذا وجه العمل على قول [ ص: 176 ] من يرى إسقاط ما تعارض من الروايات، والأخذ بما لم يتعارض منها.

وأما من ذهب إلى الأخذ بالزائد، فهو وجه يجب استعماله إذا كانت الألفاظ والأفعال كلها منسوبة إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم تكن موقوفة على من دونه، ولا تنازعا ممن سواه، فوجهه أنا وجدنا من روى الإفراد إنما اقتصر على ذكر الإهلال بعمرة وحدها دون حج معها، ووجدنا من روى القران قد جمع الأمرين معا، فزاد على من ذكر الحج وحده عمرة، وزاد على من ذكر العمرة وحدها حجا، فكانت هذه زيادتي علم لم يذكرهما الآخرون وزيادة حفظ ونقل على كلتي الطائفتين المتقدمتين، وزيادة العدل مقبولة، وواجب الأخذ بها، لا سيما إذا روجع فيها فثبت عليها ولم يرجع، كما ثبت في الصحيح من حديث بكر، عن أنس رضي الله تعالى عنه سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يلبي بالحج والعمرة، قال بكر: فحدثت بذلك ابن عمر، فقال أنس: ما يعدوننا إلا صبيانا، سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: (لبيك عمرة وحجا) وفي لفظ: "جمع بينهما" بين الحج والعمرة، وفي حديث يحيى بن أبي إسحاق، وعبد العزيز بن صهيب وحميد سمعوا أنسا قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم أهل بهما (لبيك عمرة وحجا) وسيأتي عند البخاري اختلاف علي وعثمان رضي الله تعالى عنهما، وقول علي: "ما كنت لأدع سنة النبي صلى الله عليه وسلم لقول أحد" ثم أهل بهما "لبيك بعمرة وحجة" وعند مسلم من حديث عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين حجة وعمرة، ثم لم ينه عنه حتى مات، ولم ينزل فيه قرآن يحرمه، وعند أبي داود بسند صحيح عن البراء بن عازب عن علي رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم من اليمن، قال: (إنه قد سقت الهدي وقرنت ).

وعن الصبي بن معبد بسند صحيح في حديث، قال: ( أهللت بالحج والعمرة، فقال لي عمر : هديت لسنة النبي صلى الله عليه وسلم قالها مرتين ) رواه الطبراني في الأوسط، قال الدارقطني في العلل: هو حديث صحيح.

وقال أبو عمر >[1] : جيد الإسناد، رواه الثقات الأثبات عن أبي وائل، عن الصبي عن عمر.

ومنهم من يجعله عن أبي وائل، عن عمر رضي الله تعالى عنه، والأول مجود، ورواته أحفظ.

وعن أبي قتادة ( إنما قرن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بين الحج والعمرة; لأنه علم أنه ليس بحاج بعدها ) قال الحاكم : صحيح على شرطهما، ولم يخرجاه، وفي الاستذكار روى سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، سمعت عبد الله بن أبي أوفى يقول بالكوفة: إنما جمع صلى الله عليه وسلم بين الحج والعمرة; لأنه علم أنه لا يحج بعدها.

وعن سراقة بسند صالح عند أحمد، قال: ( قرن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في حجة الوداع ).

وعن أبي طلحة "أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم جمع بين الحج والعمرة" رواه ابن ماجه من حديث الحجاج بن أرطاة، وعند الترمذي محسنا عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرن الحج والعمرة .

وقال ابن حزم : صح عن عائشة وحفصة أمي المؤمنين أنه صلى الله عليه وسلم كان قارنا.

(قلت): يريد بذلك ما رواه أبو داود عن الربيع بن سليمان، أنبأنا محمد بن إدريس، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: طوافك بالبيت، وبين الصفا والمروة يكفيك لحجك وعمرتك قال ابن حزم: فصح أنها كانت قارنة، وعند أحمد بسند جيد عن أم سلمة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أهلوا يا آل محمد بعمرة في حج وعند أبي داود من حديث خيوان أن معاوية قال للصحابة: "هل تعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يقرن بين الحج والعمرة؟ فقالوا: لا" وفي سنن الكجي: حدثنا سليمان بن داود، حدثنا يحيى بن ضريس، عن عكرمة بن عمار، عن الهرماس بن زياد، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم على ناقته قال: "لبيك حجة وعمرة معا".

واعلم أن الطحاوي رحمه الله قد أخرج في تفضيل القران، وأنه صلى الله عليه وسلم كان قارنا من عشرة أنفس من الصحابة، وهم عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمر، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وعمران بن حصين، وأبو طلحة، وسراقة بن مالك، وعائشة، وأم سلمة زوجي النبي صلى الله عليه وسلم، وأخرج عن أنس بعدة طرق، وفي الباب أيضا عن أبي قتادة، وجابر، ومعاوية، والهرماس بن زياد، وأبي هريرة، والكل قد ذكرناه إلا حديث عبد الله بن عمر، وحديث عبد الله بن عباس، وحديث أبي هريرة.

أما حديث عبد الله بن عمر، فأخرجه الطحاوي عن نافع عنه أن ابن عمر خرج من المدينة إلى مكة مهلا بالعمرة مخافة الحصر، ثم قال: ما شأنهما إلا واحدا، أشهدكم أني أوجبت إلى عمرتي هذه حجة، ثم قدم فطاف لهما طوافا، وقال: هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرجه الشيخان مطولا، ففيه دليل على تفضيل القران، وعلى أنه صلى الله عليه وسلم كان قارنا، وذلك لأنه أضاف إلى عمرته حجة قبل أن يطوف لها، فهذا هو [ ص: 177 ] القران، ثم قال: هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، أراد أنه عليه الصلاة والسلام كان قد قرن إلى عمرته حجا.

وأما حديث عبد الله بن عباس، فأخرجه الطحاوي أيضا عن عكرمة عنه، قال: "اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عمر: عمرة الحديبية، وعمرته من العام القابل، وعمرته من الجعرانة، وعمرته مع حجته، وحج حجة واحدة" ورواه أبو داود أيضا، وفي لفظه: "والرابعة التي قرن مع حجته".

وأخرجه الترمذي أيضا، وفي لفظه نحوه.

(فإن قلت): كيف يقبل هذا عن عبد الله بن عمر، وعن عبد الله بن عباس، وقد روي عن ابن عباس أنه صلى الله تعالى عليه وسلم تمتع، وروي عن عبد الله بن عمر أنه صلى الله تعالى عليه وسلم تمتع؟

(قلت): قال الطحاوي: يجوز أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرم في بدء أمره بعمرة فمضى فيها متمتعا بها، ثم أحرم بحجة قبل طوافه، فكان في بدء أمره متمتعا، وفي آخره قارنا.

وأما حديث أبي هريرة، فأخرجه مسلم عنه عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: والذي نفسي بيده ليهلن ابن مريم عليهما السلام بفج الروحاء حاجا، أو معتمرا، أو ليثنيهما.

وقال ابن حزم: ستة عشر من الثقات اتفقوا على أنس رضي الله تعالى عنه على أن لفظ النبي صلى الله عليه وسلم كان إهلالا بحجة وعمرة معا، وصرحوا عن أنس أنه سمع ذلك منه صلى الله عليه وسلم، وهم: بكر بن عبد الله المزني، وأبو قلابة، وحميد الطويل، وأبو قزعة، وثابت البناني، وحميد بن هلال، ويحيى بن أبي إسحاق، وقتادة، وأبو أسماء، والحسن البصري، ومصعب بن الزبير بن الزبرقان، وسالم بن أبي الجعد، وأبو قدامة، وزيد بن أسلم، وعلي بن زيد.

(قلت): قد أخرجه الطحاوي عن تسعة منهم: أولهم بكر بن عبد الله، وقد مر في أثناء كلام ابن حزم.

وأخرجه مسلم، حدثنا شريح بن مسلم، قال: حدثنا هشيم، قال: حدثنا حميد، عن بكر، عن أنس، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يلبي بالحج والعمرة جميعا ... الحديث.

والثاني: أبو قلابة عن أنس، وهو حديث الباب.

والثالث: حميد الطويل، عن أنس، أخرجه الطحاوي، وابن حبان في صحيحه عنه عن أنس بن مالك، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لبيك بعمرة وحجة".

والرابع: أبو قزعة عن أنس أخرجه الطحاوي عنه عن أنس، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لبيك بعمرة وحجة".

وأخرجه ابن حزم نحوه.

والخامس: ثابت البناني، عن أنس أخرجه الطحاوي والعدني في مسنده نحو حديث قزعة.

والسادس: حميد بن هلال، أخرجه الطحاوي والبزار عنه عن أنس، قال: "كنت ردف أبي طلحة، وإن ركبته لتمس رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يلبي بالحج والعمرة".

والسابع: يحيى بن أبي إسحاق، أخرجه الطحاوي بإسناد صحيح عنه عن أنس يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لبيك بعمرة وحجة معا .

وأخرجه ابن أبي شيبة نحوه.

وأخرجه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه نحوه.

والثامن: قتادة عنه عن أنس، أخرجه الطحاوي نحو حديث يحيى.

وأخرجه البخاري.

والتاسع: أبو أسماء عنه عن أنس، أخرجه الطحاوي أيضا عن أنس، قال: خرجنا نصرح بالحج، فلما قدمنا مكة أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نجعلها عمرة، وقال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لجعلتها عمرة، ولكن سقت الهدي وقرنت الحج والعمرة".

وأخرجه أحمد نحوه.

وأخرجه النسائي ولفظه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي بهما.

والعاشر: الحسن البصري عنه عن أنس، أخرجه البزار عنه عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم أهل هو وأصحابه بالحج والعمرة ... الحديث.

والحادي عشر: مصعب بن سليم عنه عن أنس، أخرجه العدني في مسنده، حدثنا وكيع، عن مصعب بن سليم أنه سمع أنس بن مالك يقول: أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجة وعمرة.

والثاني عشر: مصعب بن عبد الله عنه عن أنس، أخرجه العدني أيضا عنه عن أنس، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لبيك بحجة وعمرة، أو بعمرة وحجة معا.

والثالث عشر: سالم بن أبي الجعد عنه عن أنس، أخرجه أحمد في مسنده عن أنس أنه يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه جمع بين العمرة والحج، فقال: لبيك بحجة وعمرة.

والرابع عشر: الواقدي أبو قدامة، أخرجه أيضا أحمد عنه عن أنس، قال (قلت) لأنس: بأي شيء كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل؟ فقال: سمعته سبع مرار "بعمرة وحجة".

والخامس عشر: زيد بن أسلم عنه عن أنس، أخرجه البزار في مسنده عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أهل بحج وعمرة.

والسادس عشر: علي بن زيد، أخرجه البزار أيضا عنه عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم لبى بهما جميعا.

فقال القاضي عياض: قد أكثر الناس الكلام على هذه الأحاديث من علمائنا وغيرهم، فمن مجيد منصف، ومن مقصر متكلف [ ص: 178 ] ومن مطيل مكثر، ومن مقتصد مختصر، وأوسعهم نفسا في ذلك أبو جعفر الطحاوي الحنفي المصري، فإنه تكلم في ذلك على ألف ورقة، وتكلم في ذلك أيضا معه أبو جعفر الطبري، وبعدهم أبو عبد الله بن أبي صفرة، وأخوه المهلب، والقاضي أبو عبد الله بن المرابط، والقاضي أبو الحسن بن القصار البغدادي، والحافظ أبو عمر بن عبد البر، وغيرهم.

وأولى ما يقال في هذا على ما فحصناه من كلامهم، واخترناه من اختياراتهم ما هو أجمع للروايات، وأشبه بمساق الأحاديث أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أباح للناس فعل هذه الثلاثة الأشياء؛ لتدل على جواز جميعها؛ إذ لو أمر بواحد لكان غيره لا يجزئ، وإذا كان لم يحج سوى هذه الحجة، فأضيف الكل إليه، وأخبر كل واحد بما أمره به، وأباحه له، ونسبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم إما لأمره بذلك، أو لتأويله عليه. انتهى.

(قلت): لا نزاع في جواز هذه الثلاثة، ولهذا قال الخطابي: جواز القران بين الحج والعمرة إجماع من الأئمة، ولا يجوز أن يتفقوا على جواز شيء منهي عنه، ولكن النزاع أن أي هذه الأشياء أفضل، وأن النبي صلى الله عليه وسلم على أي واحد من هذه حج، فقد دلت الأحاديث الصحيحة أن القران أفضل، وأنه صلى الله عليه وسلم كان قارنا؛ ولأن القارن يجمع بين النسكين في سفرة واحدة، ولا شك أن العبادتين أفضل من عبادة واحدة، وقد عمل به الأصحاب بعده صلى الله عليه وسلم.

وروى ابن أبي شيبة في مصنفه من حديث علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، قال: سمعت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يهلون بحجة وعمرة معا.

ومن فوائد حديث الباب أن السنة في الإبل النحر، فلو ذبح كره، وأن السنة نحرها وهي قائمة; لأنه أمكن لنحرها; لأنه يطعن في لبتها، وتكون معقولة اليد اليسرى.

وقال ابن حبيب: وهو تفسير قوله تعالى: صواف وروى محمد، عن مالك: "لا يعقلها إلا من خاف أن يضعف عنها" والأفضل أن يتولى نحرها بنفسه، كما فعل صلى الله تعالى عليه وسلم. وقال "هنا بدنات".

وقال ابن التين: وفي غير هذا الموضع أنها كانت سبعين بدنة، وفي الموطأ عن علي رضي الله تعالى عنه أنه صلى الله تعالى عليه وسلم نحر بعض هديه بيده ونحر بعضه غيره، وروي أن عليا نحر باقيها، ويقال: أهدى مائة بدنة، فنحر ثلاثا وستين بيده، كل واحد عن سنة من عمره. وفيه إشارة إلى قدر عمره، وأعطى عليا فنحر الباقي.

قوله: (وذبح بالمدينة كبشين) أحدهما ذبحه عن أهل بيته، والآخر عمن لم يضح من أمته.

التالي السابق


الخدمات العلمية