صفحة جزء
140 باب غسل الوجه باليدين من غرفة واحدة
أي : هذا باب في بيان غسل الوجه إلى آخره ، والغرفة بالفتح بمعنى المصدر ، وبالضم بمعنى المغروف ، وهي ملء الكف ، وقرأ أبو عمرو ( إلا من اغترف غرفة ) بفتحها ، وفي العباب : غرفت الماء بيدي غرفا ، فالغرفة المرة الواحدة ، والغرفة بالضم اسم للمفعول منه ; لأنك ما لم تغرفه لا تسميه غرفة ، وقرأ ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو ( إلا من اغترف غرفة ) بالفتح ، والباقون بالضم ، وجمع المضمومة غراف ، كنطفة ونطاف ، والغرفة بالضم أيضا العلية ، والجمع غرفات وغرف ، والغرفة أيضا الخصلة من الشعر والحبل المعقود بالشوطة أيضا انتهى ، ويحكى أن أبا عمرو تطلب شاهدا على قراءته من أشعار [ ص: 262 ] العرب ، فلما طلبه الحجاج هرب منه إلى اليمن ، فخرج ذات يوم فإذا هو براكب ينشد قول أمية بن الصلت .


ربما تكره النفوس من الأمـ ـر له فرجة كحل العقال

قال : فقلت له : ما الخبر ؟ قال : مات الحجاج ، قال أبو عمرو : فلا أدري بأي الأمرين كان فرحي أكثر بموت الحجاج أو بقوله فرجة ; لأنه شاهد لقراءته ، أي : كما أن مفتوح الفرجة هنا بمعنى المنفرج ، كذا مفتوح الغرفة بمعنى المغروف ، فقراءة الضم والفتح يتطابقان .

فإن قلت : ما المراد من هذه الترجمة .

قلت : التنبيه على عدم اشتراط الاغتراف باليدين جميعا ; فإن ابن عباس رضي الله عنهما لما توضأ كوضوء النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ غرفة من الماء بيده الواحدة ، ثم ضم إليها يده الأخرى ، ثم غسل بتلك الغرفة وجهه على ما يأتي الآن إن شاء الله تعالى .

فإن قلت : ما وجه المناسبة بين البابين .

قلت : المناسبة بين البابين المذكورين وبين أكثر أبواب كتاب الوضوء غير ظاهرة ، ولذلك قال الكرماني .

فإن قلت : ما وجه الترتيب لهذه الأبواب ، وأشار به إلى الأبواب المذكورة ها هنا ، ثم قال في باب التسمية : إذ التسمية إنما هي قبل غسل الوجه لا بعده ، ثم إن توسط أمر الخلاء بين أبواب الوضوء لا يناسب ما عليه الوجوه ، ثم أجاب عن ذلك بقوله . قلت : البخاري لا يراعي حسن الترتيب ، وجملة قصده إنما هو في نقل الحديث ، وما يتعلق بتصحيحه لا غير ، ونعم المقصد ، انتهى .

قلت : لا نسلم أن جملة قصده نقل الحديث وما يتعلق بتصحيحه فقط ; بل معظم قصده ذلك مع سرده في أبواب مخصوصة ، ولهذا بوب الأبواب على تراجم معينة حتى وقع منه تكرار كثير لأجل ذلك ; فإذا كان الأمر كذلك ينبغي أن تتطلب وجوه المناسبات بين الأبواب ، وإن كانت غير ظاهرة بحسب الظاهر فنقول : وجه المناسبة بين البابين المذكورين من حيث إن من جملة المذكور في الباب الأول بعض وصف وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وفي هذا الباب المذكور أيضا وصف وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم - ; فإن ابن عباس رضي الله عنهما لما توضأ على الوجه المذكور في الباب قال : هكذا رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ ، فهذا المقدار من الوجه كاف على أن المناسبة العامة موجودة بين الأبواب كلها لكونها من واد واحد ، ثم توجيه المناسبات الخاصة إنما يكون بقدر الإدراك .

التالي السابق


الخدمات العلمية