صفحة جزء
1 بسم الله الرحمن الرحيم.

(قال الشيخ الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري رحمه الله تعالى آمين باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقول الله جل ذكره: إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده


بيان حال الافتتاح ذكروا أن من الواجب على مصنف كتاب أو مؤلف رسالة ثلاثة أشياء: وهي البسملة والحمدلة والصلاة ومن الطرق الجائزة أربعة أشياء: وهي مدح الفن، وذكر الباعث، وتسمية الكتاب وبيان كيفية الكتاب من التبويب، والتفصيل.

أما البسملة والحمدلة فلأن كتاب الله تعالى مفتوح بهما، ولقوله صلى الله عليه وسلم: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بذكر الله وببسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع" رواه الحافظ عبد القادر في أربعينه وقوله عليه الصلاة والسلام: "كل كلام لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أجذم" رواه أبو داود والنسائي وفي رواية ابن ماجه: " كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه بالحمد أقطع " ورواه ابن حبان وأبو عوانة في صحيحيهما، وقال ابن الصلاح : هذا حديث حسن بل صحيح (قوله أقطع) أي قليل البركة، وكذلك أجذم من جذم بكسر الذال المعجمة يجذم بفتحها ويقال: أقطع وأجذم من القطع والجذام أو من القطعة وهي العطش والجذام فيكون معناهما أنه لا خير فيه كالمجذوم والنخل التي لا يصيبها الماء، وأما الصلاة فلأن ذكره صلى الله عليه وسلم مقرون بذكره تعالى ولقد قالوا في قوله تعالى: ورفعنا لك ذكرك معناه ذكرت حيثما ذكرت وفي رسالة الشافعي رحمه الله تعالى عن مجاهد في تفسير هذه الآية قال: لا أذكر إلا ذكرت أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وروي ذلك مرفوعا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جبريل عليه السلام إلى رب العالمين قاله النووي في شرح مسلم (فإن قيل) من ذكر الصلاة كان من الواجب عليه أن يذكر السلام معها لقرنها في الأمر بالتسليم ولهذا كره أهل العلم ترك ذلك (قلت) يرد هذا ورود الصلاة في آخر التشهد مفردة (فإن قيل) ورد تقديم السلام فلهذا قالوا هذا السلام فكيف نصلي (قلت) يمكن أن يجاب بما روى النسائي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في آخر قنوته وصلى الله على النبي وبقوله عليه السلام: "رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي والبخيل الذي ذكرت عنده فلم يصل علي" ويجوز أن يدعي أن المراد من التسليم الاستسلام والانقياد فقد ورد ذلك في سورة النساء ويعضد ذلك تخصيصه بالمؤمنين حيث كانوا مكلفين بأحكامه عليه السلام ويجوز أن يدعي أن الجملة [ ص: 12 ] الثانية تأكيد للأولى ثم إن البخاري رحمه الله لم يأت من هذه الأشياء إلا بالبسملة فقط وذكر بعضهم أنه بدأ بالبسملة للتبرك لأنها أول آية في المصحف أجمع على كتابتها الصحابة قلت: لا نسلم أنها أول آية في المصحف وإنما هي آية من القرآن أنزلت للفصل بين السور وهذا مذهب المحققين من الحنفية وهو قول ابن المبارك وداود وأتباعه وهو المنصوص عن أحمد على أن طائفة قالوا: إنها ليست من القرآن إلا في سورة النمل، وهو قول مالك وبعض الحنفية وبعض الحنابلة وعن الأوزاعي أنه قال: ما أنزل الله في القرآن بسم الله الرحمن الرحيم إلا في سورة النمل وحدها وليست بآية تامة وإنما الآية إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم وروي عن الشافعي أيضا أنها ليست من أوائل السور غير الفاتحة وإنما يستفتح بها في السور تبركا بها ثم أنهم اعتذروا عن البخاري بأعذار هي بمعزل عن القبول (الأول) أن الحديث ليس على شرطه فإن في سنده قرة بن عبد الرحمن ولئن سلمنا صحته على شرطه فالمراد بالحمد الذكر لأنه قد روي بذكر الله تعالى بدل حمد الله وأيضا تعذر استعماله لأن التحميد إن قدم على التسمية خولف فيه العادة وإن ذكر بعدها لم يقع به البداءة قلت: هذا كلام واه جدا لأن الحديث صحيح صححه ابن حبان وأبو عوانة وقد تابع سعيد بن عبد العزيز قرة كما أخرجه النسائي ولئن سلمنا أن الحديث ليس على شرطه فلا يلزم من ذلك ترك العمل به مع المخالفة لسائر المصنفين ولو فرضنا ضعف الحديث أو قطعنا النظر عن وروده فلا يلزم من ذلك أيضا ترك التحميد المتوج به كتاب الله تعالى والمفتتح به في أوائل السور عن الكتب والخطب والرسائل وقولهم فالمراد بالحمد الذكر ليس بجواب عن تركه لفظ الحمد لأن لفظة الذكر غير لفظة الحمد وليس الآتي بلفظة الذكر آتيا بلفظة الحمد المختص بالذكر في افتتاح كلام الله تعالى والمقصود التبرك باللفظ الذي افتتح به كلام الله تعالى وقولهم أيضا تعذر استعماله إلى آخره كلام من ليس له ذوق من الإدراكات لأن الأولية أمر نسبي فكل كلام بعده كلام هو أول بالنسبة إلى ما بعده فحينئذ من سمى ثم حمد يكون بادئا بكل واحد من البسملة والحمدلة.

أما البسملة فلأنها وقعت في أول كلامه وأما الحمدلة فلأنها أول أيضا بالنسبة إلى ما بعدها من الكلام ألا ترى أنهم تركوا العاطف بينهما لئلا يشعر بالتبعية فيخل بالتسوية وبهذا أجيب عن الاعتراض بقولهم بين الحديثين تعارض ظاهر إذ الابتداء بأحدهما يفوت الابتداء بالآخر.

(الثاني) أن الافتتاح بالتحميد محمول على ابتداءات الخطب دون غيرهما زجرا عما كانت الجاهلية عليه من تقديم الشعر المنظوم والكلام المنثور لما روي أن أعرابيا خطب فترك التحميد فقال عليه السلام: "كل أمر" الحديث، قلت: فيه نظر; لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

(الثالث) أن حديث الافتتاح بالتحميد منسوخ بأنه عليه السلام لما صالح قريشا عام الحديبية كتب بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو فلولا نسخ لما تركه قلت: هذا أبعد الأجوبة لعدم الدليل على ذلك لم لا يجوز أن يكون الترك لبيان الجواز.

(الرابع) أن كتاب الله عز وجل مفتتح بها وكتب رسوله عليه السلام مبتدأة بها فلذلك تأسى البخاري بها قلت: لا يلزم من ذلك ترك التحميد ولا فيه إشارة إلى تركه.

(الخامس) أن أول ما نزل من القرآن اقرأ و يا أيها المدثر وليس في ابتدائهما حمد لله فلم يجز أن يأمر الشارع بما كتاب الله على خلافه قلت: هذا ساقط جدا لأن الاعتبار بحالة الترتيب العثماني لا بحالة النزول إذ لو كان الأمر بالعكس لكان ينبغي أن يترك التسمية أيضا.

(السادس) إنما تركه لأنه راعى قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله فلم يقدم بين يدي الله ولا رسوله شيئا وابتدأ بكلام رسوله عوضا عن كلام نفسه (قلت) الآتي بالتحميد ليس بمقدم شيئا أجنبيا بين يدي الله ورسوله وإنما هو ذكره بثنائه الجميل لأجل التعظيم على أنه مقدم بالترجمة وبسوق السند وهو من كلام نفسه فالعجب أنه يكون بالتحميد الذي هو تعظيم الله تعالى مقدما ولا يكون بالكلام الأجنبي وقولهم الترجمة وإن تقدمت لفظا فهي كالمتأخرة تقديرا لتقدم الدليل على مدلوله وضعا وفي حكم التبع ليس بشيء لأن التقديم والتأخير من أحكام الظاهر لا التقدير فهو في الظاهر مقدم وإن كان في نية التأخير وقولهم لتقدم الدليل على مدلوله لا دخل له هاهنا فافهم.

(السابع) أن الذي اقتضاه لفظ الحمد أن يحمد لا أن يكتبه والظاهر أنه حمد بلسانه قلت: يلزم على هذا عدم إظهار التسمية مع ما فيه من المخالفة لسائر المصنفين والأحسن فيه ما سمعته من بعض أساتذتي [ ص: 13 ] الكبار أنه ذكر الحمد بعد التسمية كما هو دأب المصنفين في مسودته كما ذكره في بقية مصنفاته وإنما سقط ذلك من بعض المبيضين فاستمر على ذلك والله تعالى أعلم.

(بيان الترجمة) لما كان كتابه مقصورا على أخبار النبي صلى الله عليه وسلم صدره بباب بدء الوحي لأنه يذكر فيه أول شأن الرسالة والوحي وذكر الآية تبركا ولمناسبتها لما ترجم له لأن الآية في أن الوحي سنة الله تعالى في أنبيائه عليهم السلام وقال بعضهم: لو قال كيف كان الوحي وبدؤه لكان أحسن لأنه تعرض لبيان كيفية الوحي لا لبيان كيفية بدء الوحي وكان ينبغي أن لا يقدم عليه عقب الترجمة غيره ليكون أقرب إلى الحسن وكذا حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس" لا يدل على بدء الوحي ولا تعرض له غير أنه لم يقصد بهذه الترجمة تحسين العبارة وإنما مقصوده فهم السامع والقارئ إذا قرأ الحديث علم مقصوده من الترجمة فلم يشتغل بها تعويلا منه على فهم القارئ واعترض بأنه ليس قوله لكان أحسن مسلما لأنا لا نسلم أنه ليس بيانا لكيفية بدء الوحي إذ يعلم مما في الباب أن الوحي كان ابتداؤه على حال المقام ثم في حال الخلوة بغار حراء على الكيفية المذكورة من الغط ونحوه ثم ما فر هو منه لازم عليه على هذا التقدير أيضا إذ البدء عطف على الوحي كما قرره فيصح أن يقال ذلك إيرادا عليه، وليس قوله كان ينبغي أيضا مسلما إذ هو بمنزلة الخطبة وقصد التقرب فالسلف كانوا يستحبون افتتاح كلامهم بحديث النية بيانا لإخلاصهم فيه وليس وكذا حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما مسلما إذ فيه بيان حال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ابتداء نزول الوحي أو عند ظهور الوحي والمراد من حال ابتداء الوحي حاله مع كل ما يتعلق بشأنه أي تعلق كان كما في التعلق الذي للحديث الهرقلي وهو أن هذه القصة وقعت في أحوال البعثة ومبادئها أو المراد بالباب بجملته بيان كيفية بدء الوحي لا من كل حديث منه فلو علم من مجموع ما في الباب كيفية بدء الوحي من كل حديث شيء مما يتعلق به لصحت الترجمة.

(بيان اللغة) الباب أصله البوب قلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ويجمع على أبواب وقد قالوا أبوبة، وقال القتال الكلابي واسمه عبد الله بن المجيب يرثي حنظلة بن عبد الله بن الطفيل:


هتاك أخبية ولاج أبوبة ملء الثواية فيه الجد واللين



قال الصغاني: وإنما جمع الباب أبوبة للازدواج ولو أفرده لم يجز وأبواب مبوبة كما يقال أصناف مصنفة والبابة الخصلة والبابات الوجوه، وقال ابن السكيت: البابة عند العرب الوجه والمراد من الباب هاهنا النوع كما في قولهم من فتح بابا من العلم أي نوعا وإنما قال: باب ولم يقل كتاب لأن الكتاب يذكر إذا كان تحته أبواب وفصول والذي تضمنه هذا الباب فصل واحد ليس إلا فلذلك قال باب ولم يقل كتاب.

قوله: "كيف" اسم لدخول الجار عليه بلا تأويل في قولهم على كيف تبيع الأحمرين ولإبدال الاسم الصريح نحو كيف أنت أصحيح أم سقيم، ويستعمل على وجهين أن يكون شرطا نحو كيف تصنع أصنع، وأن يكون استفهاما إما حقيقيا نحو كيف زيدا وغيره نحو كيف تكفرون بالله فإنه أخرج مخرج التعجب ويقع خبرا نحو كيف أنت وحالا نحو كيف جاء زيد أي على أي حالة جاء زيد، ويقال: فيه كي كما يقال في سوف هو قوله: "كان" من الأفعال الناقصة تدل على الزمان الماضي من غير تعرض لزواله في الحال أولا زواله وبهذا يفرق عن صار فإن معناه الانتقال من حال إلى حال ولهذا يجوز أن يقال كان الله ولا يجوز صار.

قوله: "بدء الوحي" البدء على وزن فعل بفتح الفاء وسكون الدال وفي آخره همز من بدأت الشيء بدءا ابتدأت به وفي العباب بدأت بالشيء بدءا ابتدأت به وبدأت الشيء [ ص: 14 ] فعلته ابتداء (وبدأ الله الخلق) وأبدأهم بمعنى وبدا بغير همز في آخره معناه ظهر تقول بدا الأمر بدوا مثل قعد قعودا أي: ظهر وأبديته أظهرته، وقال القاضي عياض: روي بالهمز مع سكون الدال من الابتداء وبغير همز مع ضم الدال وتشديد الواو من الظهور، وبهذا يرد على من قال: لم تجيء الرواية بالوجه الثاني فالمعنى على الأول كيف كان ابتداؤه، وعلى الثاني كيف كان ظهوره وقال بعضهم: الهمز أحسن لأنه يجمع المعنيين وقيل الظهور أحسن لأنه أعم وفي بعض الروايات باب كيف كان ابتداء الوحي والوحي في الأصل الإعلام في خفاء قال الجوهري: الوحي الكتاب وجمعه وحي مثل حلي وحلي قال لبيد:


فمدافع الريان عري رسمها     خلقا كما ضمن الوحي سلامها

والوحي أيضا الإشارة والكتابة والرسالة والإلهام والكلام الخفي وكل ما ألقيته إلى غيرك يقال وحيت إليه الكلام وأوحيت وهو أن تكلمه بكلام تخفيه قال العجاج: وحى لها القرار فاستقرت، ويروى أوحى لها ووحى وأوحى أيضا كتب، قال العجاج: حتى نحاهم جدنا والناحي.

لقدر كان وحاه الواحي، وأوحى الله تعالى إلى أنبيائه وأوحى أشار قال تعالى: فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا ووحيت إليك بخبر كذا أي أشرت، وقال الإمام أبو عبد الله التيمي الأصبهاني: الوحي أصله التفهيم وكل ما فهم به شيء من الإشارة والإلهام والكتب فهو وحي قيل في قوله تعالى: فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا أي أشرت، وقال الإمام: أي كتب، وقوله تعالى وأوحى ربك إلى النحل أي ألهم وأما الوحي بمعنى الإشارة فكما قال الشاعر:


يرمون بالخطب الطوال وتارة     وحي الملاحظ خيفة الرقباء

وأوحى ووحى لغتان والأولى أفصح وبها ورد القرآن وقد يطلق ويراد بها اسم المفعول منه أي الموحى، وفي اصطلاح الشريعة هو كلام الله المنزل على نبي من أنبيائه والرسول عرفه كثير منهم بمن جمع إلى المعجزة الكتاب المنزل عليه وهذا تعريف غير صحيح لأنه يلزم على هذا أن يخرج جماعة من الرسل عن كونهم رسلا كآدم ونوح وسليمان عليهم السلام فإنهم رسل بلا خلاف ولم ينزل عليهم كتاب وكذا قال صاحب البداية الرسول هو النبي الذي معه كتاب كموسى عليه السلام والنبي هو الذي ينبئ عن الله تعالى وإن لم يكن معه كتاب كيوشع عليه السلام وتبعه على ذلك الشيخ قوام الدين والشيخ أكمل الدين في شرحيهما والتعريف الصحيح أن الرسول من نزل عليه كتاب أو أتى إليه ملك والنبي من يوقفه الله تعالى على الأحكام أو يتبع رسولا آخر فكل رسول نبي من غير عكس قوله: "وقول الله تعالى" القول ما ينطق به اللسان تاما كان أو ناقصا ويطلق على الكلام والكلم والكلمة ويطلق مجازا على الرأي والاعتقاد كقولك: فلان يقول بقول أبي حنيفة رضي الله عنه ويذهب إلى قول مالك ويستعمل في غير النطق قال أبو النجم:


قالت له الطير تقدم راشدا     إنك لا ترجع إلا حامدا

ومنه قوله عز وجل إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون وقوله تعالى فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين قوله: "من بعده" بعد نقيض قبل وهما اسمان يكونان ظرفين إذا أضيفا، وأصلهما الإضافة فمتى حذفت المضاف إليه لعلم المخاطب بنيتهما على الضم ليعلم أنه مبني إذا كان الضم لا يدخلهما إعرابا لأنهما لا يصلح وقوعهما موقع الفاعل ولا موقع المبتدأ ولا الخبر فافهم.

(بيان الصرف) كيف لا يتصرف لأنه جامد والبدء مصدر من بدأت الشيء كما مر والوحي كذلك من وحيت إليه وحيا وهاهنا اسم فافهم ومصدر أوحى إيحاء والرسول صفة مشبهة يقال: أرسلت فلانا في رسالة فهو مرسل ورسول وهذه صيغة يستوي فيها الواحد والجمع والمذكر والمؤنث مثل عدو وصديق قال عز وجل إنا رسول رب العالمين ولم يقل أنا رسل لأن فعيلا وفعولا يستوي فيهما هذه الأشياء وفي العباب الرسول المرسل والجمع رسل ورسل ورسلاء [ ص: 15 ] وهذا عن الفراء والقول مصدر تقول قال يقول قولا وقولة ومقالا ومقالة وقالا يقال: أكثر القال والقيل وقرأ ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون ويقال: القال الابتداء والقيل: الجواب، وأصل قلت قولت بالفتح ولا يجوز أن يكون بالضم لأنه يتعدى ورجل قول وقوم قول ورجل مقول ومقوال وقولة مثل تؤدة وتقولة عن الفراء وتقوالة عن الكسائي أي ليس كثير القول والمقول اللسان والمقول القيل بلغة أهل اليمن وقلنا به أي قلناه.

(بيان الإعراب) قوله: "باب" بالرفع خبر مبتدأ محذوف أي هذا باب ويجوز فيه التنوين بالقطع عما بعده وتركه للإضافة إلى ما بعده، وقال بعض الشراح: يجوز فيه باب بصورة الوقف على سبيل التعداد فلا إعراب له حينئذ وخدشه بعضهم ولم يبين وجهه غير أنه قال: ولم تجئ به الرواية قلت: لا محل للخدش فيه لأن مثل هذا استعمل كثيرا في أثناء الكتب يقال عند انتهاء كلام باب أو فصل بالسكون ثم يشرع في كلام آخر وحكمه حكم تعداد الكلمات ولا مانع من جوازه غير أنه لا يستحق الإعراب لأن الإعراب لا يكون إلا بعد العقد والتركيب ورأيت كثيرا من الفضلاء المحققين يقولون فصل مهما فصل لا ينون ومهما وصل ينون لأن الإعراب يكون بالتركيب.

وقوله: لم تجئ به الرواية لا يصلح سندا للمنع لأن التوقف على الرواية إنما يكون في متن الكتاب أو السنة وأما في غيرهما من التراكيب يتصرف مهما يكون بعد أن لا يكون خارجا عن قواعد العربية.

ووقع في رواية أبي ذر عن مشايخه الثلاثة هكذا كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلخ بدون لفظة باب (فإن قلت) ما يكون محل كيف من الإعراب على هذا الوجه؟ قلت: يجوز أن يكون حالا كما في قولك كيف جاء زيد أي على أي حالة جاء زيد، والتقدير هاهنا على أي حالة كان ابتداء الوحي إلى رسول الله عليه السلام وقول بعضهم هاهنا والجملة في محل الرفع لا وجه له لأن الجملة من حيث هي لا تستحق من الإعراب شيئا إلا إذا وقعت في موقع المفرد وهو في مواضع معدودة قد بينت في موضعها وليس هاهنا موقع يقتضي الرفع وإنما الذي يقتضي هو النصب على الحالية كما ذكرنا وهو من جملة تلك المواضع فافهم.

قوله "صلى الله عليه وسلم" جملة خبرية ولكنها لما كانت دعاء صارت إنشاء لأن المعنى اللهم صل على محمد وكذا الكلام في سلم، قوله: "وقول الله تعالى" يجوز فيه الوجهان الرفع على الابتداء وخبره قوله (إنا أوحينا إليك) إلخ والجر عطف على الجملة التي أضيف إليها الباب والتقدير باب كيف كان ابتداء الوحي وباب معنى قول الله عز وجل.

وإنما لم يقدر وباب كيف قول الله لأن قول الله تعالى لا يكيف، وقال بعض الشراح: قال النووي في تلخيصه وقول الله مجرور ومرفوع معطوف على كيف قلت: وجه العطف في كونه مجرورا ظاهر وأما الرفع كيف يكون بالعطف على كيف وليس فيه الرفع فافهم.

قوله (إليك) في محل النصب على المفعولية قوله (كما أوحينا) كلمة ما هاهنا مصدرية والتقدير كوحينا ومحلها الجر بكاف التشبيه قوله (إلى نوح) بالصرف وكان القياس فيه منع الصرف للعجمة والعلمية إلا أن الخفة فيها قاومت أحد السببين فصرفت لذلك وقوم يجرون نحوه على القياس فلا يصرفونه لوجود السببين واللغة الفصيحة التي عليها التنزيل.

(بيان المعاني) اعلم أن كيف متضمنة معنى همزة الاستفهام لأنه سؤال عن الحال وهو الاستفهام وقد يكون للإنكار والتعجب كما في قوله تعالى كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا المعنى أتكفرون بالله ومعكم ما يصرف عن الكفر ويدعو إلى الإيمان وهو الإنكار والتعجب ونظيره قولك أتطير بغير جناح وكيف تطير بغير جناح.

قوله إنا أوحينا كلمة إن للتحقيق والتأكيد وقد علم أن المخاطب إذا كان خالي الذهن من الحكم بأحد طرفي الخبر على الآخر نفيا وإثباتا والتردد فيه استغنى عن ذكر مؤكدات الحكم وإن كان متصورا لطرفيه مترددا فيه طالبا للحكم حسن تقويته بمؤكد واحد من أن أو اللام أو غيرهما كقولك لزيد عارف أو إن زيدا عارف وإن كان منكرا للحكم الذي أراده المتكلم وجب توكيده بحسب الإنكار فكلما زاد الإنكار استوجب زيادة التأكيد فتقول لمن لا يبالغ في إنكار صدقك إني صادق ولمن بالغ فيه إني لصادق ولمن أوغل فيه والله إني لصادق ويسمى الضرب الأول ابتدائيا والثاني طلبيا والثالث إنكاريا ويسمى إخراج الكلام على هذه الوجوه إخراجا على مقتضى الظاهر وكثيرا ما يخرج على خلافه لنكتة من النكات كما عرف في موضعه والنكتة في تأكيد قوله: أوحينا إليك بقوله إن لأجل الكلام السابق لأن الآية جواب لما تقدم من قوله تعالى: [ ص: 16 ] يسألك أهل الكتاب أن تنـزل عليهم كتابا من السماء الآية فأعلم الله تعالى أن أمره كأمر النبيين من قبله يوحى إليه كما يوحى إليهم وقال عبد القاهر في نحو قوله تعالى: وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم و يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم وغير ذلك مما يشابه هذه أن التأكيد في مثل هذه المقامات لتصحيح الكلام السابق والاحتجاج له وبيان وجه الفائدة فيه، ثم النون في قوله (أوحينا) للتعظيم وقد علم أن نا وضعت للجماعة فإذا أطلقت على الواحد يكون للتعظيم فافهم.

(بيان البيان) الكاف في قوله كما أوحينا للتشبيه وهي الكاف الجارة والتشبيه هو الدلالة على مشاركة أمر لأمر في وصف من أوصاف أحدهما في نفسه كالشجاعة في الأسد والنور في الشمس والمشبه هاهنا الوحي إلى محمد عليه السلام والمشبه به الوحي إلى نوح والنبيين من بعده ووجه التشبيه هو كونه وحي رسالة لا وحي إلهام لأن الوحي ينقسم على وجوه والمعنى أوحينا إليك وحي رسالة كما أوحينا إلى الأنبياء عليهم السلام وحي رسالة لا وحي إلهام.

(بيان التفسير) هذه الآية الكريمة في سورة النساء وسبب نزول الآية وما قبلها أن اليهود قالوا للنبي عليه السلام إن كنت نبيا فأتنا بكتاب جملة من السماء كما أتى به موسى عليه السلام فأنزل الله تعالى يسألك أهل الكتاب الآيات فأعلم الله تعالى أنه نبي يوحى إليه كما يوحى إليهم وأن أمره كأمرهم (فإن قلت) لم خصص نوحا عليه السلام بالذكر ولم يذكر آدم عليه السلام مع أنه أول الأنبياء المرسلين؟ قلت: أجاب عنه بعض الشراح بجوابين:

الأول: أنه أول مشرع عند بعض العلماء، والثاني: أنه أول نبي عوقب قومه فخصصه به تهديدا لقوم محمد صلى الله عليه وسلم وفيهما نظر، أما الأول: فلا نسلم أنه أول مشرع بل أول مشرع هو آدم عليه السلام فإنه أول نبي أرسل إلى بنيه وشرع لهم الشرائع ثم بعده قام بأعباء الأمر شيث عليه السلام وكان نبيا مرسلا وبعده إدريس عليه السلام بعثه الله إلى ولد قابيل ثم رفعه الله إلى السماء.

وأما الثاني: فلأن شيث عليه السلام هو أول من عذب قومه بالقتل وذكر الفربري في تاريخه أن شيث عليه السلام سار إلى أخيه قابيل فقاتله بوصية أبيه له بذلك متقلدا بسيف أبيه وهو أول من تقلد بالسيف وأخذ أخاه أسيرا وسلسله ولم يزل كذلك إلى أن قبض كافرا والذي يظهر لي من الجواب الشافي عن هذا أن نوحا عليه السلام هو الأب الثاني وجميع أهل الأرض من أولاد نوح الثلاثة لقوله تعالى وجعلنا ذريته هم الباقين فجميع الناس من ولد سام وحام ويافث وذلك لأن كل من كان على وجه الأرض قد هلكوا بالطوفان إلا أصحاب السفينة وقال قتادة: لم يكن فيها إلا نوح عليه السلام وامرأته وثلاثة بنيه سام وحام ويافث ونساؤهم فجميعهم ثمانية، وقال ابن إسحاق كانوا عشرة سوى نسائهم، وقال مقاتل: كانوا اثنين وسبعين نفسا وعن ابن عباس كانوا ثمانين إنسانا أحدهم جرهم والمقصود لما خرجوا من السفينة ماتوا كلهم ما خلا نوحا وبنيه الثلاثة وأزواجهم ثم مات نوح عليه السلام وبقي بنوه الثلاثة فجميع الخلق منهم وكان نوح عليه السلام أول الأنبياء المرسلين بعد الطوفان وسائر الأنبياء عليهم السلام بعده ما خلا آدم وشيث وإدريس فلذلك خصه الله تعالى بالذكر ولهذا عطف عليه الأنبياء لكثرتهم بعده.

(بيان تصدير الباب بالآية المذكورة) اعلم أن عادة البخاري رحمه الله تعالى أن يضم إلى الحديث الذي يذكره ما يناسبه من قرآن أو تفسير له أو حديث على غير شرطه أو أثر عن بعض الصحابة أو عن بعض التابعين بحسب ما يليق عنده ذلك المقام ومن عادته في تراجم الأبواب ذكر آيات كثيرة من القرآن وربما اقتصر في بعض الأبواب عليها فلا يذكر معها شيئا أصلا وأراد بذكر هذه الآية في أول هذا الكتاب الإشارة إلى أن الوحي سنة الله تعالى في أنبيائه عليهم السلام.

التالي السابق


الخدمات العلمية