صفحة جزء
1761 وقال لي أحمد بن محمد: حدثنا إبراهيم، عن أبيه، عن جده قال: أذن عمر رضي الله عنه لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم في آخر حجة حجها، فبعث معهن عثمان بن عفان، وعبد الرحمن رضي الله عنهما.


مطابقته للترجمة من حيث إن فيه حج النساء، ولكن فيه زيادة على حج الرجال، وهو الاحتياج إلى إذن من يتولى أمرهن في خروجهن على ما يأتي إن شاء الله تعالى في حديث أبي سعيد، وهو قوله: " أربع سمعتهن من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.." الحديث، وفيه: " لا تسافر امرأة مسيرة يومين ليس معها زوجها أو ذو محرم"، وفي الحديث المذكور: " ما خرجت أزواج النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم إلى الحج إلا بعد إذن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لهن، وأرسل معهن من يكون في خدمتهن"، وكان عمر رضي الله تعالى عنه متوقفا في ذلك أولا، ثم ظهر له الجواز، فأذن لهن، وتبعه على ذلك جماعة من غير نكير، وروى ابن سعد من مرسل أبي جعفر الباقر قال: منع عمر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم الحج والعمرة، وروى أيضا من طريق أم درة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: منعنا عمر الحج والعمرة حتى إذا كان آخر عام فأذن لنا، وهذا موافق لحديث الباب، ويدل على أن عمر كان يمنع أولا ثم أذن.

(ذكر رجاله) وهم خمسة؛ الأول: أحمد بن محمد بن الوليد أبو محمد الأزرقي، ويقال: الزرقي المكي، وهو من أفراد البخاري.

الثاني: إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أبو إسحاق الزهري القرشي المدني.

الثالث: أبوه سعد بن إبراهيم.

الرابع: جده إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، والضمير في "جده" يرجع إلى إبراهيم لا إلى الأب، قاله الكرماني، وقال الحميدي في الجمع بين الصحيحين: قال البرقاني: إبراهيم هو ابن عبد الرحمن بن عوف، قال: وفي هذا نظر، قال صاحب التلويح: الذي قاله الحميدي له وجه، ولقول البرقاني وجه، أما قول البرقاني فيحمل على جد إبراهيم الأول، وإنكار الحميدي صحيح كأنه قال: كيف يكون إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الرحمن نفسه يروي عنه شيخ البخاري، وقال بعضهم: ظاهره أنه من رواية إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن عمر رضي الله تعالى عنه ومن ذكر معه، وإدراكه كذلك ممكن؛ لأن عمره إذ ذاك كان أكثر من عشر سنين، وقد أثبت سماعه من عمر يعقوب بن شيبة.

(قلت): يقال: إنه ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وشهد الدار مع عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، ودخل على عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وهو صغير، وسمع منه، وروى ابن سعد هذا الحديث عن الواقدي، عن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن جده، "عن عبد الرحمن بن عوف قال: أرسلني عمر رضي الله تعالى عنه" وقيل: الواقدي لا يحتج به.

(قلت): ما للواقدي وهو إمام في هذا الفن، وهو أحد مشايخ الشافعي؟

قوله: " وقال لي أحمد" ؛ أي قال البخاري: قال لي أحمد: وهذا أسنده البيهقي عن الحكم، أنبأنا الحسن بن حليم المروزي، حدثنا أبو الموجه، أنبأنا عبدان، أنبأنا إبراهيم، يعني ابن سعد، عن أبيه، عن جده، أن عمر رضي الله تعالى عنه أذن لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم في الحج، فبعث معهن عثمان، وعبد الرحمن رضي الله تعالى عنهما فنادى الناس عثمان ألا لا يدنو منهن [ ص: 220 ] أحد، ولا ينظر إليهن إلا مد البصر وهن في الهوادج على الإبل، وأنزلهن صدر الشعب، ونزل عثمان وعبد الرحمن بن عوف بذنبه، فلم يقعد إليهن أحد، قال: رواه؛ يعني البخاري في الصحيح عن أحمد بن محمد، عن إبراهيم بن سعد مختصرا: " أذن في خروجهن للحج"؛ أي: في سفرهن لأجل الحج، وقال الكرماني: (فإن قلت): عثمان وعبد الرحمن لم يكونا محرمين لهن فكيف أجاز لهن وفي الحديث: " لا تسافر المرأة ليس معها زوجها أو ذو محرم"؟!

(قلت): النسوة الثقات يقمن مقام المحرم، أو الرجال كلهم محارم لهن؛ لأنهن أمهات المؤمنين، وكيف لا وحد المحرم صادق عليها.

وقال النووي: المحرم من حرم نكاحها على التأبيد بسبب مباح لحرمتها، واحترز بقيد التأبيد عن أخت المرأة، وبسبب مباح عن أم الموطوءة بشبهة، وبقوله: لحرمتها، عن الملاعنة؛ لأن تحريمها ليس لحرمتها، بل عقوبة وتغليظا.

وقال الشافعي: لا يشترط المحرم، بل يشترط الأمن على نفسها، حتى إذا كانت آمنة مطمئنة فلها أن تسير وحدها في جملة القافلة، ولعله نظر إلى العلة، فعمم الحكم. انتهى كلام الكرماني.

(قلت): قوله: النسوة الثقات يقمن مقام المحرم مصادمة للحديث الصحيح الذي رواه أبو سعيد: " لا تسافر امرأة مسيرة يومين ليس معها زوجها أو ذو محرم" على ما يأتي عن قريب، ولحديث أبي هريرة الذي أخرجه مسلم مرفوعا: " لا يحل لامرأة أن تسافر ثلاثا إلا ومعها ذو محرم منها". قوله: " أو الرجال كلهم محارم لهن؛ لأنهن أمهات المؤمنين" ؛ هذا جواب أبي حنيفة لحكام الرازي؛ فإنه قال: سألت أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه: هل تسافر المرأة بغير محرم؟ فقال: لا، نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تسافر امرأة مسيرة ثلاثة أيام فصاعدا إلا ومعها زوجها أو ذو محرم منها. قال حكام: فسألت العرزمي، فقال: لا بأس بذلك، حدثني عطاء أن عائشة كانت تسافر بلا محرم، فأتيت أبا حنيفة فأخبرته بذلك، فقال أبو حنيفة: لم يدر العرزمي ما روى، كان الناس لعائشة محرما، فمع أيهم سافرت فقد سافرت بمحرم، وليس الناس لغيرها من النساء كذلك، ولقد أحسن أبو حنيفة في جوابه هذا؛ لأن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كلهن أمهات المؤمنين، وهم محارم لهن؛ لأن المحرم: من لا يجوز له نكاحها على التأبيد، فكذلك أمهات المؤمنين حرام على غير النبي صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة، والعرزمي هو محمد بن عبيد الله بن أبي سليمان الراوي الكوفي، فيه مقال، فقال النسائي: ليس بثقة، وعن أحمد: ليس بشيء، لا يكتب حديثه، نزل جبانة عرزم بالكوفة فنسب إليها، وعرزم بتقديم الراء على الزاي.

قوله: وقال الشافعي.. إلى آخره كذلك مصادمة للأحاديث الصحيحة؛ لأن كلام النبي صلى الله عليه وسلم يدل قطعا على اشتراط المحرم، والذي يقول: لا يشترط خلاف ما يقول النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله: بل يشترط الأمن على نفسها دعوى بلا دليل، فأي دليل دل على هذا في هذا الباب، واشتراط الأمن على النفس ليس بمخصوص في حق المرأة خاصة، بل في حق الرجال والنساء كلهم. قوله: ولعله نظر.. إلى آخره، من كلام الكرماني، حمله على هذا أريحية العصبية، فإنه لو أنصف لرجع إلى الصواب.

التالي السابق


الخدمات العلمية