صفحة جزء
1790 461 - حدثنا عبيد بن إسماعيل قال: حدثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وعك أبو بكر وبلال، فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول:


كل امرئ مصبح في أهله والموت أدنى من شراك نعله

.

وكان بلال إذا أقلع عنه الحمى يرفع عقيرته يقول:


ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة     بواد وحولي إذخر وجليل
وهل أردن يوما مياه مجنة     وهل يبدون لي شامة وطفيل



قال: اللهم العن شيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، وأمية بن خلف، كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، اللهم بارك لنا في صاعنا وفي مدنا، وصححها لنا، وانقل حماها إلى الجحفة. قالت: وقدمنا المدينة وهي أوبأ أرض الله قالت: فكان بطحان يجري نجلا تعني ماء آجنا.



مطابقته للترجمة من حيث إنه صلى الله عليه وسلم لما فهم من الذين قدموا المدينة القلق بسبب نزولهم فيها وهي وبيئة، دعا الله تعالى أن يحببهم المدينة كحبهم مكة، وأن يبارك في صاعهم وفي مدهم، وأن ينقل الحمى منها إلى الجحفة؛ لئلا تعرى المدينة.

(ذكر رجاله) وهم خمسة؛ الأول: عبيد الله، بضم العين، ابن إسماعيل، واسمه في الأصل عبيد الله، يكنى أبا محمد الهباري القرشي، قال البخاري: مات في شهر ربيع الأول يوم الجمعة سنة خمسين ومائتين.

الثاني: أبو أسامة حماد بن أسامة.

الثالث: هشام بن عروة.

الرابع: أبوه عروة بن الزبير بن العوام.

الخامس: عائشة أم المؤمنين.

[ ص: 250 ] (ذكر لطائف إسناده) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه العنعنة في موضعين، وفيه أن شيخه من أفراده وأمه وأبو أسامة كوفيان، وهشام وأبوه مدنيان، وفيه رواية الابن عن الأب، وأخرج الحديث مسلم أيضا في الحج.

(ذكر معناه) قوله: " لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة" ، كان قدومه صلى الله عليه وسلم المدينة يوم الاثنين قريبا من وقت الزوال، قال الواقدي رحمه الله تعالى: لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول، وقال ابن إسحاق: لثنتي عشرة ليلة خلت منه، وهذا هو المشهور الذي عليه الجمهور من السنة الأولى من التاريخ الإسلامي، قوله: " وعك" جواب "لما"، وهو على صيغة المجهول؛ أي: أصابه الوعك وهو الحمى، وقال ابن سيده: رجل وعك ووعك موعوك، وهذه الصيغة على توهم فعل كألم، والوعك لم يجده الإنسان من شدة التعب.

وفي الجامع: وعك؛ إذا أخذته الحمى، والواعك الشديد من الحمى، وقد وعكته الحمى تعكه؛ إذا أدركته، وفي المجمل: الوعك الحمى، وقيل: هو مغث الحمى.

قوله: " كل امرئ.." إلى آخره؛ رجز مسدس، قوله: " مصبح" بلفظ المفعول؛ أي: يقال له: صبحك الله بالخير، وأنعم الله تعالى صباحك، والموت قد يفجؤه فلا يمسي حيا، قوله: " أدنى" ؛ أي: أقرب، " من شراك نعله" بكسر الشين، أحد سيور النعل التي تكون على وجهها، قوله: " إذا أقلع" بلفظ المعلوم من الإقلاع عن الأمر وهو الكف عنه، ويروى بلفظ المجهول، قوله: " عقيرته" بفتح العين المهملة وكسر القاف، وهو الصوت إذا غني به أو بكي، ويقال: أصله: أن رجلا قطعت إحدى رجليه فرفعها وصرخ، فقيل لكل رافع صوته: قد رفع عقيرته، وعن أبي زيد: يقال: رفع عقيرته إذا قرأ أو غنى، ولا يقال في غير ذلك.

وفي التهذيب للأزهري: أصله أن رجلا أصيب عضو من أعضائه، وله إبل اعتاد حداءها، فانتشرت عليه إبله، فرفع صوته بالأنين لما أصابه من العقر في يده، فسمعت له إبله فحسبته يحدو بها، فاجتمعت إليه، فقيل لكل من رفع صوته: رفع عقيرته.

وفي المحكم: عقيرة الرجل صوته إذا غنى، أو قرأ، أو بكى. قوله: " ألا ليت شعري.." إلى آخره، من البحر الطويل، وأصله: (فعولن مفاعيلن) ثمان مرات، وفيه القبض، وكلمة "ألا" هنا للتمني، ومعنى "ليت شعري": ليتني أشعر.

قوله: " وحولي" الواو فيه للحال، قوله: " إذخر" بكسر الهمزة وقد مر تفسيره في باب: لا ينفر صيد الحرم، وفي غيره، قوله: " وجليل" بفتح الجيم وكسر اللام الأولى، وهو الثمام، وهو نبت ضعيف يحشى به حصاص البيت، قوله: " وهل أردن" بالنون الخفيفة، وكذلك قوله: " وهل يبدون" قوله: " مياه مجنة" المياه جمع ماء، والمجنة، بفتح الميم والجيم وتشديد النون، ماء عند عكاظ على أميال يسيرة من مكة بناحية مر الظهران، وقال الأزرقي: هي على بريد من مكة، وقال أبو الفتح: يحتمل أن تسمى مجنة ببساتين تتصل بها، وهي الجنان، وأن يكون وزنها: فعلة، من مجن يمجن، سميت بذلك؛ لأن ضربا من المجون كان بها، وزعم ابن قرقول أن ميمها تكسر. قوله: " وهل يبدون" ؛ أي: هل يظهرن لي شامة، بالشين المعجمة، وطفيل، بفتح الطاء وكسر الفاء، وقال الجوهري هما جبلان، وقال غيره: طفيل: جبل من حدود هرشى مشرف هو وشامة على مجنة.

وقال الخطابي: كنت أحسب أنهما جبلان حتى أنبئت أنهما عينان. وذكر ابن الأثير، والصاغاني أن شابة بالباء الموحدة بعد الألف، وقيل: إن هذين البيتين اللذين أنشدهما بلال رضي الله تعالى عنه ليسا له، بل هما لبكر بن غالب بن عامر بن الحارث بن مضاض الجرهمي، أنشدهما عندما نفتهم خزاعة من مكة - شرفها الله- وقيل: لغيره.

قوله: " كما أخرجونا" متعلق بقوله: " اللهم"، فقوله: " اللهم العن" معناه: اللهم أبعدهم من رحمتك كما أبعدونا من مكة، قوله: " إلى أرض الوباء" هو مقصور يهمز ولا يهمز، وهو المرض العام، قاله بعضهم، وقال الجوهري: الوباء يمد ويقصر، ويقال: الوباء الموت الذريع، وقال الأطباء: هو عفونة الهواء، قوله: " حبب" أمر من: حبب يحبب، وقوله: " المدينة" مفعوله، قوله: " أو أشد" ؛ أي: أو حبا أشد من حبنا لمكة.

قوله: " في صاعنا" ؛ أي: في صاع المدينة، وهو كيل يسع أربعة أمداد، والمد رطل وثلث رطل عند أهل الحجاز، ورطلان عند أهل العراق، والأول قول الشافعي، والثاني قول أبي حنيفة، وقيل: إن أصل المد مقدر بأن يمد الرجل يديه، فيملأ كفيه طعاما، وفي رواية ابن إسحاق عن هشام عن أبيه، " عن عائشة رضي الله تعالى عنها: اللهم، إن إبراهيم عبدك وخليلك دعاك لأهل مكة، وأنا عبدك ورسولك أدعوك لأهل المدينة بمثل ما دعاك إبراهيم لأهل مكة، اللهم بارك لنا في مدينتنا.." الحديث.

قوله: " وصححها" ؛ أي: صحح المدينة من الأمراض، وزاد في دعائه بقوله: " وانقل حماها"؛ أي: حمى المدينة، وكانت وبيئة، وخصص بهذا في الدعاء؛ لأن أصحابه حين [ ص: 251 ] قدموا المدينة وعكوا. قوله: " إلى الجحفة" بضم الجيم وسكون الحاء المهملة، وبالفاء، وهي ميقات أهل مصر والشام والمغرب الآن، وذكر ابن الكلبي أن العماليق أخرجوا بني عنبر وهم أخوة عاد من يثرب، فنزلوا الجحفة، وكان اسمها مهيعة، فجاءهم سيل فاجتحفهم، فسميت الجحفة، ومعنى اجتحفهم: سلب أموالهم، وأخرب أبنيتهم ولم يبق شيئا. وإنما خص الجحفة؛ لأنها كانت يومئذ دار شرك، وقال الخطابي: وكان أهل الجحفة إذ ذاك يهودا، وكان صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يدعو على من لم يجبهم إلى دار الإسلام إذا خاف منه معونة أهل الكفر، ويسأل الله أن يبتليهم بما يشغلهم عنه، وقد دعا على قومه أهل مكة حين يئس منهم، فقال: " اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف"، ودعا على أهل الجحفة بالحمى ليشغلهم بها، فلم تزل الجحفة من يومئذ أكثر بلاد الله حمى، وإنه ليتقى شرب الماء من عينها الذي يقال له: عين حم، فقل من شرب منه إلا حم، ولما دعا عليه الصلاة والسلام بذلك الدعاء لم يبق أحد من أهل الجحفة إلا أخذته الحمى، ويحتمل أن يكون هذا هو السر في أن الطاعون لا يدخل المدينة؛ لأن الطاعون وباء، وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا بنقل الوباء عنها، فأجاب الله دعاءه إلى آخر الأبد.

(فإن قلت): نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن القدوم على الطاعون، فكيف قدموا المدينة وهي وبيئة؟ (قلت): كان ذلك قبل النهي، أو أن النهي يختص بالطاعون ونحوه من الموت الذريع لا المرض وإن عم. قوله: " قالت" يعني عائشة، وهو متصل بما قبله في رواية عروة عنها، قوله: " وهي" ؛ أي: المدينة " أوبأ أرض الله"، وأوبأ بالهمزة في آخره على وزن أفعل التفضيل، من الوباء: أي أكثر وباء وأشد من غيرها. قوله: " فكان بطحان" بضم الباء الموحدة وسكون الطاء المهملة، وهو واد في صحراء المدينة.

قوله: " يجري نجلا" خبر "كان"، تعني ماء آجنا، وهو من تفسير الراوي، و"نجلا" بفتح النون وسكون الجيم، وحكى ابن التين فيه "نجلا" بفتح الجيم أيضا، وقال ابن فارس: النجل، بفتحتين، سعة العين، وقال ابن السكيت: النجل: النز حين يظهر وينبع عين الماء، وقال الحربي: نجلا؛ أي: واسعا، ومنه: عين نجلاء؛ أي: واسعة، وقيل: هو الغدير الذي لا يزال فيه الماء، وغرض عائشة رضي الله تعالى عنها بذلك بيان السبب في كثرة الوباء بالمدينة؛ لأن الماء الذي هذه صفته يحدث عنده المرض.

قوله: " تعني ماء آجنا" هذا من كلام الراوي؛ أي تعني عائشة من قولها: يجري ماء آجنا، الآجن بالمد: الماء المتغير الطعم واللون، يقال فيه: أجن وأجن يأجن، ويأجن أجنا وأجونا، فهو آجن، بالمد، وأجن قال عياض: هذا تفسير خطأ ممن فسره؛ فليس المراد هنا الماء المتغير، ورد عليه بأنه ليس كما قال، فإن عائشة قالت ذلك في مقام التعليل؛ لكون المدينة كانت وبيئة، ولا شك أن النجل إذا فسر بكون الماء الحاصل من النز، فهو بصدد أن يتغير، وإذا تغير كان استعماله مما يحدث الوباء في العادة.

(ذكر ما يستفاد منه) فيه فضل أبي بكر رضي الله تعالى عنه، بيانه أن الله لما ابتلى نبيه عليه الصلاة والسلام بالهجرة وفراق الوطن، ابتلى أصحابه بالأمراض، فتكلم كل إنسان بما فيه، فأما أبو بكر فتكلم بأن الموت شامل للخلق في الصباح والمساء، وأما بلال فتمنى الرجوع إلى وطنه، فانظر إلى فضل أبي بكر على غيره، وفيه في دعائه صلى الله عليه وسلم بأن يحبب الله لهم المدينة حجة واضحة على من كذب بالقدر؛ لأن الله عز وجل هو المالك للنفوس يحبب إليها ما شاء ويبغض، فأجاب الله دعوة نبيه صلى الله عليه وسلم فأحبوا المدينة حبا دام في نفوسهم إلى أن ماتوا عليه.

وفيه رد على الصوفية إذ قالوا: إن الولي لا تتم له الولاية إلا إذا تم له الرضى بجميع ما نزل به، ولا يدعو الله في كشف ذلك عنه، فإن دعا فليس في الولاية كاملا، وفيه حجة على بعض المعتزلة القائلين بأن لا فائدة في الدعاء مع سابق القدر، والمذهب أن الدعاء عبادة مستقلة ولا يستجاب منه إلا ما سبق به التقدير.

وفيه جواز هذا النوع من الغناء، وفيه مذاهب، فذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد وعكرمة والشعبي والنخعي وحماد والثوري وجماعة من أهل الكوفة إلى تحريم الغناء، وذهب آخرون إلى كراهته، نقل ذلك عن ابن عباس ونص عليه الشافعي، وجماعة من أصحابه، وحكي ذلك عن مالك وأحمد، وذهب آخرون إلى إباحته، لكن بغير هذه الهيئة التي تعمل الآن، فمن الصحابة عمر رضي الله تعالى عنه ذكره أبو عمر في التمهيد، وعثمان ذكره الماوردي، وعبد الرحمن بن عوف ذكره ابن أبي شيبة، وسعد بن أبي وقاص وابن عمر ذكرهما ابن قتيبة، وأبو مسعود البدري وأسامة بن زيد وبلال وخوات بن جبير ذكرهما البيهقي.

[ ص: 252 ] وعبد الله بن أرقم ذكره أبو عمر، وجعفر بن أبي طالب ذكره السهروردي في عوارفه، والبراء بن مالك ذكره أبو نعيم، وابن الزبير ذكره صاحب القوت، وابن جعفر ومعاوية وعمرو بن العاص والنعمان بن بشير وحسان بن ثابت وخارجة بن زيد وعبد الرحمن بن حسان ذكرهم أبو الفرج في تاريخه، وقطبة بن كعب ذكره الهروي، ورباح بن المغترف ذكره ابن طاهر، ومن التابعين جماعة ذكرهم ابن طاهر.

وذهبت طائفة إلى التفرقة بين الغناء الكثير والقليل، ونقل ذلك عن الشافعي، وذهبت طائفة إلى التفرقة بين الرجال والنساء فحرموه من الأجانب، وجوزوه من غيرهم، وقال ابن حزم: من نوى ترويح القلب ليقوى على الطاعة فهو مطيع، ومن نوى به التقوية على المعصية فهو عاص، وإن لم ينو شيئا فهو لغو معفو عنه، وقال الأستاذ أبو منصور: إذا سلم من تضييع فرض ولم يترك حفظ حرمة المشايخ به فهو محمود وربما أجر.

وفيه أن الله تعالى أباح للمؤمن أن يسأل ربه صحة جسمه، وذهاب الآفات عنه إذا نزلت به كسؤاله إياه في الرزق، وليس في دعاء المؤمن ورغبته في ذلك إلى الله لوم ولا قدح في دينه، وفيه تمثيل الصالحين والفضلاء بالشعر.

التالي السابق


الخدمات العلمية