صفحة جزء
174 ( وقال جابر بن عبد الله: إذا ضحك في الصلاة أعاد الصلاة ولم يعد الوضوء )


هذا التعليق وصله البيهقي في المعرفة عن أبي عبد الله الحافظ، حدثنا أبو الحسن بن ماتي، حدثنا إبراهيم بن عبد الله، حدثنا وكيع عن الأعمش، عن أبي سفيان مرفوعا سئل جابر فذكره، ورواه أبو شيبة قاضي واسط عن يزيد بن أبي خالد، عن أبي سفيان مرفوعا، واختلف عليه في سننه والموقوف هو الصحيح ورفعه ضعيف.

قال البيهقي : وروينا عن عبد الله بن مسعود وأبي موسى الأشعري وأبي أمامة الباهلي ما يدل على ذلك وهو قول الفقهاء السبعة، وقال الشعبي وعطاء والزهري : وهو إجماع فيما ذكره ابن بطال وغيره، وإنما الخلاف هل ينقض الوضوء فذهب مالك والليث والشافعي إلى أنه لا ينقض، وذهب النخعي والحسن إلى أنه ينقض الوضوء والصلاة، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي مستدلين بالحديث الذي رواه الدارقطني، عن أبي المليح، عن أبيه " بينا نحن نصلي خلف رسول الله عليه الصلاة والسلام إذ أقبل رجل ضرير البصر فوقع في حفرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من ضحك منكم فليعد الوضوء والصلاة . ورواه أيضا من حديث أنس وعمران بن حصين وأبي هريرة وضعفها كلها قلت: مذهب أبي حنيفة ليس كما ذكره، وإنما مذهبه مثل ما روي عن جابر أن الضحك يبطل الصلاة ولا يبطل الوضوء، والقهقهة تبطلهما جميعا، والتبسم لا يبطلهما، والضحك ما يكون مسموعا له دون جيرانه، والقهقهة ما يكون مسموعا له ولجيرانه، والتبسم ما لا صوت فيه ولا تأثير له دون واحد منهما.

فإن قال: كيف استدلت الحنفية بالحديث الذي رواه الدارقطني وليس فيه إلا الضحك دون القهقهة، قلت: المراد من قوله: من ضحك منكم قهقهة يدل عليه ما رواه ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من ضحك في الصلاة قهقهة فليعد الوضوء والصلاة . رواه ابن عدي في الكامل من حديث بقية، حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن قيس، عن عطاء، عن ابن عمر والأحاديث يفسر بعضها بعضا، فإن قيل: قال ابن الجوزي : هذا حديث لا يصح فإن بقية من عادته التدليس قلت : المدلس إذا صرح بالتحديث وكان صدوقا زالت تهمة التدليس، وبقية صرح بالتحديث وهو صدوق.

ولنا في هذا الباب أحد عشر حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم منها أربعة مرسلة وسبعة مسندة.

فأول المراسيل حديث أبي العالية الرياحي رواه عنه عبد الرزاق، عن قتادة، عن أبي العالية وهو عدل ثقة " أن أعمى تردى في بئر والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه، فضحك بعض من كان يصلي معه عليه الصلاة والسلام، فأمر النبي عليه السلام من كان ضحك منهم أن يعيد الوضوء ويعيد الصلاة " وأخرجه الدارقطني من جهة عبد الرزاق بسنده، وعبد الرزاق فمن فوقه من رجال الصحيح، وأبو العالية اسمه رفيع بن مهران الرياحي البصري، أدرك الجاهلية، وأسلم بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام بسنتين، ودخل على أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، وصلى خلف عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وروى عن جماعة من الصحابة، ووثقه يحيى وأبو زرعة وأبو حاتم.

وروى له الجماعة، وقال ابن رشد المالكي : هو مرسل صحيح ولم يقل الشافعي إلا بإرساله، والمرسل عندنا حجة وكذا عند مالك قاله أبو بكر بن العربي، وكذا عند أحمد حكى ذلك ابن الجوزي في التحقيق، وروي ذلك أيضا من طرق سبعة متصلة ذكرها جماعة منهم ابن الجوزي .

والثاني من المراسيل مرسل الحسن البصري، رواه الدارقطني بإسناده إليه وهو أيضا مرسل صحيح.

والثالث مرسل النخعي رواه أبو معاوية، عن الأعمش، عن النخعي قال: جاء رجل ضرير البصر والنبي عليه الصلاة والسلام يصلي. الحديث.

والرابع مرسل معبد الجهني روي عنه من طرق.

وأول المسانيد حديث عبد الله بن عمر وقد ذكرناه. والثاني حديث أنس بن مالك رواه الدارقطني من طرق. والثالث حديث أبي هريرة من رواية أبي أمية، عن الحسن، عن أبي هريرة، عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: إذا قهقه في الصلاة أعاد الوضوء وأعاد الصلاة، رواه الدارقطني . والرابع حديث عمران بن حصين، عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه [ ص: 49 ] قال: من ضحك في الصلاة قرقرة فليعد الوضوء.

والخامس: حديث جابر أخرجه الدارقطني .

والسادس: حديث أبي المليح بن أسامة أخرجه الدارقطني أيضا.

والسابع: حديث رجل من الأنصار أن رسول الله عليه الصلاة والسلام كان يصلي فمر رجل في بصره سوء فتردى في بئر وضحك طوائف من القوم، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان ضحك أن يعيد الوضوء والصلاة. رواه الدارقطني .

وقال بعضهم حاكيا عن ابن المنذر : أجمعوا على أنه لا ينقض خارج الصلاة، واختلفوا إذا وقع فيها فخالف من قال بالقياس الجلي، وتمسكوا بحديث لا يصح، وحاشا أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام الذين هم خير القرون أن يضحكوا بين يدي الله سبحانه خلف رسول الله عليه الصلاة والسلام. قلت: هذا القائل أعجبه هذا الكلام المشوب بالطعن على الأئمة الكبار، وفساده ظاهر من وجوه:

الأول: كيف يجوز التمسك بالقياس مع وجود الأخبار المشتملة على مراسيل، مع كونها حجة عندهم.

والثاني: قوله: تمسكوا بحديث لا يصح وليس الأمر كذلك، بل تمسكوا بالأحاديث التي ذكرناها، وإن كان بعضهم قد ضعف منها فبكثرتها واختلاف طرقها ومتونها ورواتها تتعاضد وتتقوى على ما لا يخفى، ومع هذا فإن الرواة الذين فيها من الضعفاء على زعم الخصم لا يسلمه من يعمل بأحاديثهم ولم يسلم أحد من التكلم فيه.

والثالث: قوله حاشا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى آخره ليس بحجة في ترك العمل في الأخبار المذكورة، وكان يصلي خلف النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة وغيرهم من المنافقين والأعراب الجهال، وهذا من باب حسن الظن بهم، وإلا فليس الضحك كبيرة وهم ليسوا من الصغائر بمعصومين ولا عن الكبائر على تقدير كونه كبيرة، ومع هذا وقع من الأحداث في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم ما هو أشد من هذا.

وقال القائل المذكور بعد نقله كلام ابن المنذر الذي ذكرناه على أنهم لم يأخذوا بمفهوم الخبر المروي في الضحك، بل خصوه بالقهقهة قلت: هذا كلام من لا ذوق له من دقائق التراكيب، وكيف لم يأخذوا بمفهوم الخبر المروي في الضحك، ولو لم يأخذوا ما قالوا: الضحك يفسد الصلاة ، ولا خصوه بالقهقهة; فإن لفظة القهقهة ذكر صريحا كما جاء في حديث ابن عمر صريحا، وجاء أيضا لفظ القرقرة في حديث عمران بن حصين وقد ذكرناهما قريبا، وقد ذكرنا أن الأحاديث يفسر بعضها بعضا.

التالي السابق


الخدمات العلمية