صفحة جزء
2012 69 - حدثنا محمد بن الصباح قال: حدثنا إسماعيل بن زكرياء، عن محمد بن سوقة، عن نافع بن جبير بن مطعم قال: حدثتني عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يغزو جيش الكعبة [ ص: 236 ] فإذا كانوا ببيداء من الأرض يخسف بأولهم وآخرهم، قالت: قلت: يا رسول الله، كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم؟ قال: يخسف بأولهم وآخرهم، ثم يبعثون على نياتهم.


مطابقته للترجمة في قوله: "وفيهم أسواقهم" حيث ذكر هذا اللفظ في الحديث.

(ذكر رجاله): وهم خمسة:

الأول: محمد بن الصباح بفتح الصاد المهملة وتشديد الباء الموحدة قد مر في باب من استوى قاعدا في صلاته.

الثاني: إسماعيل بن زكريا، أبو زياد الأسدي مولاهم الخلقاني، قال البخاري: جاء نعيه إلى أهله سنة أربع وسبعين ومائة.

الثالث: محمد بن سوقة بضم السين المهملة وسكون الواو وبالقاف أبو بكر الغنوي، مر في كتاب العيد.

الرابع: نافع بن جبير - مصغر الجبر ضد الكسر - ابن مطعم بلفظ اسم الفاعل من الإطعام، مر في باب الرجل يوصي صاحبه.

الخامس: أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.

(ذكر لطائف إسناده):

فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين وبصيغة الإفراد في موضع.

وفيه العنعنة في موضعين.

وفيه القول في ثلاثة مواضع.

وفيه أن شيخه بغدادي، أصله هروي نزل بغداد، وأن إسماعيل ومحمد بن سوقة كوفيان، وأن نافعا مدني.

وفيه رواية التابعي عن التابعي، عن الصحابية; فإن محمد بن سوقة من صغار التابعين، وكان ثقة عابدا صالحا، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث وحديث آخر تقدم في العيدين.

وفيه أن نافعا هذا ليس له في البخاري، عن عائشة سوى هذا الحديث. ووقع في رواية محمد بن بكار، عن إسماعيل بن زكريا، عن محمد بن سوقة سمعت نافع بن جبير. أخرجه الإسماعيلي.

وفيه: "حدثتني عائشة" هكذا قال إسماعيل بن زكريا، عن محمد بن سوقة، وخالفه سفيان بن عيينة، فقال: عن محمد بن سوقة، عن نافع بن جبير، عن أم سلمة، أخرجه الترمذي، ويحتمل أن يكون نافع بن جبير سمعه منهما; فإن روايته عن عائشة أتم من روايته عن أم سلمة. وأخرجه مسلم من وجه آخر، عن عائشة حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا يونس بن محمد، حدثنا القاسم بن الفضل الحراني، عن محمد بن زياد، عن عبد الله بن الزبير أن عائشة قالت: عبث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في منامه، فقلنا: يا رسول الله، صنعت شيئا في منامك لم تكن تفعله، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: العجب أن ناسا من أمتي يؤمون بالبيت برجل من قريش قد لجأ بالبيت، حتى إذا كان بالبيداء خسف بهم، فقلنا: يا رسول الله، إن الطريق قد يجمع الناس، قال: نعم، فيهم المستبصر والمخبور وابن السبيل، يهلكون مهلكا واحدا، ويصدرون مصادر شتى; يبعثهم الله على نياتهم".

(ذكر معناه):

قوله: "يغزو جيش الكعبة" أي يقصد عسكر من العساكر تخريب الكعبة.

قوله: "ببيداء من الأرض" وفي رواية مسلم "بالبيداء" وفي رواية لمسلم، عن أبي جعفر الباقر قال: "هي بيداء المدينة" وهي بفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف ممدودة، وهي في الأصل المفازة التي لا شيء فيها، وهي في هذا الحديث اسم موضع مخصوص بين مكة والمدينة.

قوله: "يخسف بأولهم وآخرهم" وزاد الترمذي في حديث صفية "ولم ينج أوسطهم" وفي مسلم أيضا في حديث حفصة "فلا يبقى إلا الشريد الذي يخبر عنهم".

قوله: "وفيهم أسواقهم" جملة حالية، وهو جمع سوق، والتقدير: أهل أسواقهم الذين يبيعون ويشترون كما في المدن، وفي (مستخرج) أبي نعيم "وفيهم أشرافهم" بالشين المعجمة، والراء والفاء. وفي رواية محمد بن بكار عند الإسماعيلي "وفيه سواهم" وقال: وقع في رواية البخاري "وفيهم أسواقهم" وليس هذا الحرف في حديثنا، وأظن أن أسواقهم تصحيف; فإن الكلام في الخسف بالناس لا بالأسواق، وقال بعضهم: بل لفظ سواهم تصحيف; فإنه بمعنى قوله: "ومن ليس منهم" فيلزم منه التكرار، بخلاف رواية البخاري رضي الله تعالى عنه، نعم، أقرب الروايات إلى الصواب رواية أبي نعيم. انتهى.

(قلت): لا نسلم لزوم التكرار; لأن معنى "أسواقهم" أهل أسواقهم كما ذكرنا، والمراد بقوله "ومن ليس منهم" الضعفاء والأسارى الذين لا يقصدون التخريب، ولا نسلم أيضا أن أقرب الروايات إلى الصواب رواية أبي نعيم; لأن أشرافهم هم عظماء الجيش الذي يقصدون التخريب، ورواية البخاري على حالها صحيحة على التفسير الذي ذكرنا، وقوله: "بل لفظ سواهم تصحيف" غير صحيح; لأن معناه: وفي الجيش الذين يقصدون التخريب سواهم ممن لا يقصد ولا يقدر.

قوله: "قال: يخسف بأولهم وآخرهم" أي قال عليه الصلاة والسلام في جواب عائشة: يخسف بأولهم وآخرهم، يعني "كلهم" هذا الذي يفهم منه بحسب العرف، قال الكرماني: لم يعلم [ ص: 237 ] منه العموم; إذ حكم الوسط غير مذكور، والجواب ما قلنا، أو نقول: إن الوسط آخر بالنسبة إلى الأول، وأول بالنسبة إلى الآخر، على أنا قد ذكرنا الآن أن في رواية صفية "ولم ينج أوسطهم" وهذا يغني عن تكلف الجواب.

قوله: "ثم يبعثون على نياتهم" أي يخسف بالكل لشؤم الأشرار، ثم إنه تعالى يبعث لكل منهم في الحشر بحسب قصده; إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.

(ذكر ما يستفاد منه): يستفاد منه قطعا قصد هذا الجيش تخريب الكعبة، ثم خسفهم بالبيداء، وعدم وصولهم إلى الكعبة لإخبار المخبر الصادق بذلك، وقال ابن التين: يحتمل أن يكون هذا الجيش الذي يخسف بهم هم الذين يهدمون الكعبة، فينتقم منهم، فيخسف بهم.

رد عليه بوجهين:

أحدهما: أن في بعض طرق الحديث عند مسلم "أن ناسا من أمتي" والذين يهدمونها من كفار الحبشة.

والآخر: أن مقتضى كلامه يخسف بهم بعد الهدم، وليس كذلك، بل خسفهم قبل الوصول إلى مكة، فضلا عن هدمها.

ومما يستفاد منه أن من كثر سواد قوم في معصية وفتنة أن العقوبة تلزمه معهم إذا لم يكونوا مغلوبين على ذلك. ومن ذلك أن مالكا استنبط من هذا أن من وجد مع قوم يشربون الخمر، وهو لا يشرب أنه يعاقب. واعترض عليه بعضهم بأن العقوبة التي في الحديث هي الهجمة السماوية، فلا يقاس عليها العقوبات الشرعية. وفيه نظر; لأن العقوبات الشرعية أيضا بالأمور السماوية. ومن ذلك أن الأعمال تعتبر بنية العامل، والشارع أيضا قال: "ولكل امرئ ما نوى". ومن ذلك وجوب التحذير من مصاحبة أهل الظلم ومجالستهم وتكثير سوادهم، إلا لمن اضطر.

(فإن قلت): ما تقول في مصاحبة التاجر لأهل الفتنة، هل هي إعانة لهم على ظلمهم أو هي من ضرورات البشرية؟

(قلت): ظاهر الحديث يدل على الثاني، والله أعلم.

(فإن قلت): ما ذنب من أكره على الخروج أو من جمعه وإياهم الطريق؟

(قلت): إن عائشة لما سألت وأم سلمة أيضا سألت قالت: "فقلت: يا رسول الله، فكيف بمن كان كارها؟" رواه مسلم، أجاب - صلى الله عليه وسلم - بقوله: "يبعثون على نياتهم بها" فماتوا حين حضرت آجالهم، ويبعثون على نياتهم.

التالي السابق


الخدمات العلمية