صفحة جزء
192 58 - حدثنا عبد الله بن منير ، سمع عبد الله بن بكر قال : حدثنا حميد ، عن أنس قال : حضرت الصلاة ، فقام من كان قريب الدار إلى أهله وبقي قوم ، فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بمخضب من حجارة فيه ماء ، فصغر المخضب أن يبسط فيه كفه ، فتوضأ القوم كلهم ، قلنا : كم كنتم؟ قال : ثمانين وزيادة .


مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة في قوله : بمخضب من حجارة . . إلى آخره .

بيان رجاله :

وهم أربعة : الأول : عبد الله بن منير بضم الميم ، وكسر النون ، وسكون الياء آخر الحروف ، وفي آخره راء ، ووقع في رواية الأصيلي : ابن المنير ، بالألف واللام .

قلت : يجوز كلاهما كما عرف في موضعه ، وقد يلتبس هذا بابن المنير الذي له كلام في تراجم البخاري ، وفي غيرها ، وهو بضم الميم ، وفتح النون ، وتشديد الياء آخر الحروف ، وهو متأخر عن ذلك بزهاء أربعمائة سنة ، وهو أبو العباس أحمد بن أبي المعالي محمد ، كان قاضي إسكندرية ، وخطيبها ، وعبد الله بن منير الحافظ الزاهد السهمي المروزي ، مات سنة إحدى وأربعين ومائتين .

الثاني : عبد الله بن بكر أبو وهب البصري نزل بغداد ، وتوفي بها في خلافة المأمون سنة ثمان ومائتين .

الثالث : حميد بالتصغير ابن أبي حميد الطويل ، مات وهو قائم يصلي ، وقد تقدم في باب خوف المؤمن أن يحبط عمله .

الرابع : أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه .

بيان لطائف إسناده : منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع ، والسماع ، والعنعنة .

ومنها : أن رواته ما بين مروزي ، وبصري .

بيان تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره :

أخرجه البخاري أيضا في علامات النبوة ، عن يزيد بن هارون .

وأخرجه مسلم ، ولفظه : كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالزوراء ، والزوراء بالمدينة عند السوق والمسجد ، دعا بقدح فيه ماء ، فوضع كفه فيه ، فجعل ينبع من بين أصابعه ، فتوضأ جميع أصحابه ، قال : قلت : كم كانوا يا أبا حمزة ؟ قال : كانوا زهاء الثلاثمائة . وأخرجه الإسماعيلي وغيره .

بيان المعاني والإعراب :

قوله ( حضرت الصلاة ) هي صلاة العصر .

قوله ( من كان ) في محل الرفع ; لأنه فاعل قام .

قوله ( إلى أهله ) يتعلق بقوله ( فقام ) ، وذلك القيام كان لقصد تحصيل الماء ، والتوضؤ به .

قوله ( وبقي قوم ) أي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ما غابوا عن مجلسه ، ولم يكونوا على الوضوء أيضا ، وإنما توضئوا من المخضب الذي أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قوله ( فأتي ) بضم الهمزة على صيغة المجهول .

قوله ( من حجارة ) كلمة "من" للبيان .

قوله ( فصغر المخضب ) أي لم يسع بسط [ ص: 89 ] الكف فيه لصغره ، وقد علم من ذلك أن المخضب يكون من حجارة وغيرها ، ويكون صغيرا وكبيرا .

قوله ( أن يبسط ) أي لأن يبسط ، وكلمة ( أن ) مصدرية ، أي لبسط الكف فيه .

قوله ( فتوضأ القوم ) أي القوم الذين بقوا عند النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك المخضب الصغير .

قوله ( قلنا ) وفي بعض النسخ ( فقلنا ) ، وفي بعضها : قلت - وهو من كلام حميد الطويل الراوي - عن أنس رضي الله تعالى عنه .

قوله ( كم كنتم ) مميز "كم" محذوف ، تقديره : كم نفسا كنتم ، وكذلك مميز ثمانين منصوب ; لأنه خبر للكون المقدر ، تقديره : كنا ثمانين نفسا وزيادة على الثمانين .

بيان استنباط الأحكام :

الأول : فيه دلالة على معجزة كبيرة للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم .

الثاني : فيه التهيؤ للوضوء عند حضور الصلاة .

الثالث : فيه أن الأواني كلها سواء كانت من الخشب أو من جواهر الأرض - طاهرة ، فلا كراهة في استعمالها .

وذكر أبو عبيد في ( كتاب الطهور ) ، عن ابن سيرين : كانت الخلفاء يتوضئون في الطشت . وعن الحسن : رأيت عثمان يصب عليه من إبريق . يعني نحاسا .

قال أبو عبيد : وعلى هذا أمر الناس في الرخصة والتوسعة في الوضوء في آنية النحاس ، وأشباهه من الجواهر ، إلا ما روي عن ابن عمر من الكراهة .

قلت : ذكر ابن أبي شيبة ، عن يحيى بن سليم ، عن ابن جريج ، قال : قال معاوية : كرهت أن أتوضأ في النحاس .

وفي كتاب ( الأشراف ) : رخص كثير من أهل العلم في ذلك . وبه قال الثوري ، وابن المبارك ، والشافعي ، وأبو ثور ، وما علمت أني رأيت أحدا كره الوضوء في آنية الصفر ، والنحاس ، والرصاص ، وشبهه . والأشياء على الإباحة ، وليس يحرم ما هو موقوف على ابن عمر .

وقال ابن بطال : وقد وجدت عن ابن عمر أنه توضأ فيه ، وهذه الرواية أشبه للصواب . وكان الشافعي ، وإسحاق ، وأبو ثور يكرهون الوضوء في آنية الذهب ، والفضة ، وبه نقول ، ولو توضأ فيه متوضئ أجزأه ، وقد أساء .

وعن أبي حنيفة رضي الله عنه : كان يكره الأكل والشرب في آنية الفضة ، وكان لا يرى بأسا بالمفضض ، وكان لا يرى بالوضوء منه بأسا .

قلت : أبو حنيفة كان يكره الأكل في آنية الذهب أيضا ، والمراد من الكراهة كراهة التحريم .

وفي ( سنن ) أبي داود بسند ضعيف ، عن عائشة رضي الله تعالى عنها : كنت أغتسل أنا ورسول الله عليه الصلاة والسلام في تور من شبه .

وفي ( مسند ) أحمد بسند صحيح ، عن زينب بنت جحش : أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يتوضأ من مخضب من صفر . الصفر بضم الصاد هو النحاس الجيد . قال أبو عبيدة : كسر الصاد فيه لغة ، ولم يجزه غيره ، ويقال له الشبه أيضا بفتحتين ; لأنه يشبه الذهب .

التالي السابق


الخدمات العلمية