صفحة جزء
( وقال أبو الزناد عن محمد بن حمزة بن عمرو الأسلمي عن أبيه أن عمر - رضي الله عنه - بعثه مصدقا ، فوقع رجلا على جارية امرأته ، فأخذ حمزة من الرجل كفيلا حتى قدم على عمر ، وكان عمر قد جلده مائة جلدة ، فصدقهم وعذره بالجهالة ) .


مطابقته للترجمة في قوله : فأخذه حمزة من الرجل كفيلا ، وأبو الزناد بكسر الزاي وتخفيف النون عبد الله بن ذكوان ، وقد تكرر ذكره ، ومحمد بن حمزة بن عمرو الأسلمي حجازي ، ذكره ابن حبان في ( الثقات ) ، وروى له النسائي في اليوم والليلة ، وأبو داود والطحاوي ، وأبو حمزة بن عمرو بن عويمر بن الحارث الأعرج الأسلمي يكنى أبا صالح ، وقيل : أبا محمد ، مات سنة إحدى وستين ، وله صحبة ورواية .

وهذا التعليق وصله الطحاوي فقال : حدثنا ابن أبي داود وقال : حدثنا ابن أبي مريم قال : أخبرنا ابن أبي الزناد قال : حدثني أبي عن محمد بن حمزة بن عمرو الأسلمي عن أبيه أن عمر - رضي الله تعالى عنه - بعثه مصدقا على سعد بن هذيم ، فأتى حمزة بمال ليصدقه ، فإذا رجل يقول لامرأته : أدي صدقة مال مولاك ، وإذا المرأة تقول له : بل أنت فأد صدقة مال أبيك ، فسأله حمزة عن أمرها وقولهما ، فأخبر أن ذلك الرجل زوج تلك المرأة ، وأنه وقع على جارية لها فولدت ولدا فأعتقته امرأته ، قالوا : فهذا المال لابنه من جاريتها ، فقال له حمزة : لأرجمنك بالحجارة ، فقيل له : أصلحك الله إن أمره قد رفع إلى عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - فجلده عمر مائة ، ولم ير عليه الرجم ، فأخذ حمزة بالرجل كفيلا حتى يقدم على عمر فيسأله عما ذكر من جلد عمر إياه ولم ير عليه رجما ، فصدقهم عمر بذلك من قولهم ، وقال : إنما درأ عنه الرجم عذره بالجهالة ، انتهى .

قوله : " مصدقا " بتشديد الدال المكسورة على صيغة اسم الفاعل من التصديق ، أي أخذ الصدقة عاملا عليها ، فصدقهم بالتخفيف ، أي صدق الرجل للقوم واعترف بما وقع منه لكنه اعتذر بأنه لم يكن عالما بحرمة وطء جارية امرأته ، أو بأنها جاريتها ; لأنها التبست واشتبهت بجارية نفسه أو بزوجته ، أو صدق عمر الكفلاء فيما كانوا يدعونه أنه قد جلده مرة لذلك ، ويحتمل أن يكون الصدق بمعنى الإكرام ، كقوله تعالى: في مقعد صدق أي كريم ، فمعناه فأكرم عمر - رضي الله تعالى عنه - الكفلاء ، وعذر الرجل بجهالة الحرمة أو الاشتباه ، قوله : " فأخذ حمزة من الرجل كفيلا " ليس المراد من الكفالة هاهنا الكفالة الفقهية بل المراد التعهد والضبط عن حال الرجل ، وقال ابن بطال : كان ذلك على سبيل الترهيب على المكفول ببدنه والاستيثاق لا أن ذلك لازم للكفيل إذا زال المكفول به .

واستفيد من هذه القصة مشروعية الكفالة بالأبدان ، فإن حمزة بن عمرو صحابي ، وقد فعله ولم ينكر عليه عمر - رضي الله تعالى عنه - مع كثرة الصحابة حينئذ ، وإنما جلد عمر - رضي الله تعالى عنه - للرجل مائة تعزيرا وكان ذلك بحضرة أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

وقال ابن التين : فيه شاهد لمذهب مالك في مجاوزة الإمام في التعزير قدر الحد ، ورد عليه بأنه فعل صحابي عارضه مرفوع صحيح فلا حجة فيه .

قلت : هذا الباب فيه خلاف بين العلماء ، فمذهب مالك ، وأبي ثور ، وأبي يوسف في قول ، والطحاوي : أن التعزير ليس له مقدار محدود ويجوز للإمام أن يبلغ به ما رآه ، وأن يتجاوز به الحدود ، وقالت طائفة : التعزير مائة جلدة فأقل ، وقالت طائفة : أكثر التعزير مائة جلدة إلا جلدة ، وقالت طائفة : أكثره تسعة وتسعون سوطا فأقل ، وهو قول ابن أبي ليلى وأبي يوسف في رواية ، وقالت طائفة : أكثره ثلاثون سوطا ، وقالت طائفة : أكثره [ ص: 115 ] عشرون سوطا ، وقالت طائفة : لا يتجاوز بالتعزير تسعة ، وهو بعض قول الشافعي . وقالت طائفة : أكثره عشرة أسواط فأقل ، لا يتجاوز به أكثر من ذلك ، وهو قول الليث بن سعد والشافعي وأصحاب الظاهر ، وأجابوا عن الحديث المرفوع ، وهو قوله - صلى الله تعالى عليه وسلم - : " لا يجلد فوق عشر جلدات إلا في حد من حدود الله " بأنه في حق من يرتدع بالردع ويؤثر فيه أدنى الزجر ، كأشراف الناس وأشراف أشرافهم ، وأما السفلة وأسقاط الناس فلا يؤثر فيهم عشر جلدات ولا عشرون ، فيعزرهم الإمام بحسب ما يراه ، وقد ذكر الطحاوي حديث حمزة بن عمرو المذكور في باب الرجل يزني بجارية امرأته ، فروى في أول الباب حديث سلمة بن المحبق أن رجلا زنى بجارية امرأته ، فقال النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - " إن كان استكرهها فهي حرة وعليه مثلها ، وإن كانت طاوعة فهي له وعليه مثلها " ، ثم قال : فذهب قوم إلى هذا الحديث وقالوا : هذا هو الحكم فيمن زنى بجارية امرأته . ( قلت ) أراد بالقوم الشعبي وعامر بن مطر وقبيصة والحسن ، ثم قال الطحاوي : وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا : بل نرى عليه الرجم إن كان محصنا ، والجلد إن كان غير محصن ( قلت ) أراد بالآخرين هؤلاء جماهير الفقهاء من التابعين ومن بعدهم منهم أبو حنيفة ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد ، وأصحابهم ثم أجابوا عن حديث سلمة بن المحبق أنه منسوخ بحديث النعمان بن بشير ، رواه الطحاوي ، وأبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه ، ولفظ أبي داود : أن رجلا ، يقال له : عبد الرحمن بن حنين ، وقع على جارية امرأته ، فرفع إلى النعمان بن بشير ، وهو أمير على الكوفة ، فقال : لأقضين فيك بقضية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن كانت أحلتها لك جلدتك مائة ، وإن لم تكن أحلتها لك رجمتك بالحجارة ، فوجدوها أحلتها له فجلده مائة ، قال الطحاوي : فثبت بهذا ما رواه النعمان ، ونسخ ما رواه سلمة بن المحبق ، قالوا : قد عمل عبد الله بن مسعود بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثل ما في حديث سلمة فأجاب الطحاوي عن هذا بقوله : وخالفه في ذلك حمزة بن عمرو الأسلمي ، وساق حديثه على ما ذكرناه آنفا ، وقال أيضا : وقد أنكر علي - رضي الله تعالى عنه - على عبد الله بن مسعود في هذا قضاءه بما قد نسخ فقال : حدثنا أحمد بن الحسن قال : حدثنا علي بن عاصم عن خالد الحذاء عن محمد بن سيرين قال : ذكر لعلي - رضي الله تعالى عنه - شأن الرجل الذي أتى ابن مسعود وامرأته ، وقد وقع على جارية امرأته ، فلم ير عليه حدا ، فقال علي : لو أتاني صاحب ابن أم عبد لرضخت رأسه بالحجارة ، لم يدر ابن أم عبد ما حدث بعده ، فأخبر علي - رضي الله تعالى عنه - أن ابن مسعود تعلق في ذلك بأمر قد كان ثم نسخ بعده فلم يعلم ابن مسعود بذلك ، وقد خالف علقمة بن قيس النخعي عن عبد الله بن مسعود في الحكم المذكور ، وذهب إلى قول من خالف عبد الله ، والحال أن علقمة أعلم أصحاب عبد الله بعبد الله وأجلهم ، فلو لم يثبت نسخ ما كان ذهب إليه عبد الله لما خالف قوله مع جلالة قدر عبد الله عنده .

التالي السابق


الخدمات العلمية