صفحة جزء
3 - " آخر من يدخل الجنة رجل يقال له: (جهينة) ؛ فيقول أهل الجنة: عند جهينة الخبر اليقين " ؛ (خط)؛ في رواة مالك عن ابن عمر ؛ (ض).


[ ص: 39 ] (آخر من يدخل الجنة) ؛ أي: من الموحدين؛ لأن الكفار مخلدون؛ لا يخرجون من النار أبدا؛ ولم يصب من قال: " من أمة محمد" ؛ إذ الموحدون الذين يعذبون؛ ثم يدخلونها؛ لا ينحصرون في أمة محمد؛ وفي عدة أخبار أن هذه الأمة يخفف عن عصاتها؛ ويخرجون قبل عصاة غيرها؛ كخبر الدارقطني : " إن الجنة حرمت على الأنبياء كلهم؛ حتى أدخلها؛ وحرمت على الأمم؛ حتى تدخلها أمتي" ؛ قال ابن القيم: فهذه الأمة أسبق الأمم خروجا من الأرض؛ وأسبقهم إلى أعلى مكان في الموقف؛ وأسبقهم إلى ظل العرش؛ وأسبقهم إلى فصل القضاء؛ وأسبقهم إلى الجواز على الصراط؛ وأسبقهم إلى دخول الجنة؛ ووقع في النوادر للحكيم؛ من حديث أبي هريرة : " إن أطول أهل النار فيها مكثا من يمكث سبعة آلاف سنة" ؛ قال ابن حجر: وسنده واه؛ (رجل) ؛ يختص بالذكر من الناس؛ ويقال: " الرجلة" ؛ للمرأة إذا كانت متشبهة به في بعض الأحوال؛ ذكره الراغب ؛ (يقال له) ؛ أي: يدعى؛ (جهينة) ؛ بالتصغير: اسم قبيلة؛ سمي به الرجل؛ (فيقول أهل الجنة) ؛ أي: يقول بعضهم لبعض؛ والمراد بأهلها: سكانها من البشر؛ والملائكة؛ والحور العين؛ وغيرهم؛ لكن في السياق إيماء إلى أن القائل من البشر؛ (عند) ؛ بتثليث العين؛ (جهينة) ؛ بجيم؛ ثم هاء؛ ووقع في التذكرة الحمدونية أنه روي أيضا " حنيفة" ؛ بالفاء؛ ولم أقف على هذه الرواية؛ (الخبر اليقين) ؛ أي: الجازم الثابت المطابق للواقع؛ من أنه هل بقي أحد في النار يعذب أو لا؛ وهذه الآخرية لا يعارضها حديث مسلم : " آخر من يدخل الجنة رجل يمشي على الصراط؛ فهو يمشي مرة؛ ويكبو مرة؛ وتسفعه النار مرة؛ فإذا جاوزها التفت إليها فقال: تبارك الذي نجاني منك..." ؛ الحديث؛ لإمكان الجمع بأن جهينة آخر من يدخل الجنة ممن دخل النار وعذب فيها مدة؛ ثم أخرج؛ وهذا آخر من يدخل الجنة ممن ينصرف؛ فيمر على الصراط في ذهابه إلى الجنة؛ ولم يقض بدخوله النار أصلا؛ ولا ينافيه قوله: " وتسفعه النار مرة" ؛ لأن المراد أنه يصل إليه لهبها وهو خارج عن حدودها؛ ثم رأيت ابن أبي جمرة جمع بنحوه؛ فقال: هذا آخر من يخرج منها بعد أن يدخلها حقيقة؛ وذاك آخر من يدخل ممن يمر على الصراط؛ فيكون التعبير بأنه خرج من النار بطريق المجاز؛ لأنه أصابه من حرها وكربها ما يشاركه فيه بعض من دخلها؛ وما ذكر من أن اسمه " جهينة" ؛ هو ما وقع في هذا الخبر؛ قال القرطبي والسهيلي: وجاء أن اسمه " هناد " ؛ وجمع بأن أحد الاسمين لأحد المذكورين؛ والآخر للآخر؛ ومن الأمثال عند العرب قبل الإسلام: " عند جهينة الخبر اليقين" ؛ قال ابن حمدون: ولذلك خبر مشهور متداول؛ وهو: رجل كان اسمه " جهينة" ؛ عنده خبر من قتيل قد خفي أمره؛ فذكروا ذلك؛ فصار مثلا مستعملا بينهم؛ قال الراغب و" آخر" ؛ يقابل " الأول" ؛ و" آخر" ؛ يقابل به الواحد؛ و" التأخير" ؛ يقابل " التقديم" ؛ و" الدخول" ؛ ضد " الخروج" ؛ ويستعمل في الزمان؛ والمكان؛ والأعمال؛ والاستخبار؛ والسؤال عن الخبر.

(تنبيه) : ما ذكرته آنفا؛ من أن عذاب الكفار في جهنم دائم أبدا؛ هو ما دلت عليه الآيات والأحاديث؛ وأطبق عليه جمهور الأئمة سلفا وخلفا؛ ووراء ذلك أقوال يجب تأويلها؛ فمنها ما ذهب إليه الشيخ محيي الدين بن العربي أنهم يعذبون فيها مدة؛ ثم تنقلب عليهم؛ وتبقى طبيعة نارية لهم؛ يتلذذون بها لموافقتها لطبيعتهم؛ فإن الثناء بصدق الوعد؛ لا بصدق الوعيد؛ والحضرة الإلهية تطلب الثناء المحمود بالذات؛ فيثنى عليها بصدق الوعد؛ لا بصدق الوعيد؛ بل بالتجاوز؛ فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله ؛ لم يقل: " وعيده" ؛ بل قال: ويتجاوز عن سيئاتهم؛ مع أنه توعد على ذلك؛ وأثنى على إسماعيل بأنه كان صادق الوعد؛ وقد زال الإمكان في حق الحق؛ لما فيه من طلب المرجح:

فلم يبق إلا صادق الوعد وحده ... وما لوعيد الحق عين تعاين




وإن دخلوا دار الشقاء فإنهم ... على لذة فيها نعيم مباين

    نعيم جنان الخلد والأمر واحد
... وبينهما عند التجلي تباين

    يسمى عذابا من عذوبة طعمه
... وذاك له كالقشر والقشر صاين



وقال في موضع آخر: إن أهل النار إذا دخلوها لا يزالون خائفين مترقبين أن يخرجوا منها؛ فإذا أغلقت عليهم أبوابها اطمأنوا؛ لأنها خلقت على وفق طباعهم؛ قال ابن القيم: وهذا في طرف؛ والمعتزلة القائلون بأنه يجب على الله تعذيب [ ص: 40 ] من توعده بالعذاب في طرف؛ فأولئك عندهم لا ينجو من النار من دخلها أصلا؛ وهذا عنده لا يعذب بها أصلا؛ والقولان مخالفان لما علم بالاضطرار أن الرسول جاء به؛ وأخبر به عن الله؛ انتهى.

وما ذكره من أن ابن العربي يقول: إنه لا يعذب بها أصلا؛ ممنوع؛ فإن حاصل كلامه ومتابعيه أن لأهل النار الخالدين فيها حالات ثلاث؛ الأولى: أنهم إذا دخلوها سلط العذاب على ظواهرهم وبواطنهم؛ وملكهم الجزع والاضطراب؛ فطلبوا أن يخفف عنهم العذاب؛ أو أن يقضى عليهم؛ أو أن يرجعوا إلى الدنيا؛ فلم يجابوا؛ والثانية: أنهم إذا لم يجابوا وطنوا أنفسهم على العذاب؛ فعند ذلك رفع الله العذاب عن بواطنهم؛ وخبت نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة؛ والثالثة: أنهم بعد مضي الأحقاب ألفوا العذاب واعتادوه؛ ولم يتعذبوا بشدته بعد طول مدته؛ ولم يتألموا به؛ وإن عظم؛ إلى أن آل أمرهم إلى أن يتلذذوا به؛ ويستعذبوه؛ حتى لو هب عليهم نسيم من الجنة استكرهوه؛ وعذبوا به؛ كالجعل وتأذيه برائحة الورد: عافانا الله من ذلك؛ ومنها قول جمع: إن النار تفنى؛ فإن الله (تعالى) جعل لها أمدا تنتهي إليه؛ ثم يزول عذابها؛ لقوله (تعالى): خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك ؛ لابثين فيها أحقابا ؛ قال هؤلاء: وليس في القرآن دلالة على بقاء النار؛ وعدم فنائها؛ إنما الذي فيه أن الكفار خالدون فيها؛ وأنهم غير خارجين منها؛ وأنهم لا يفتر عنهم العذاب؛ وأنهم لا يموتون فيها؛ وأن عذابهم فيها مقيم؛ وأنه غرام لازم؛ وهذا لا نزاع فيه بين الصحابة والتابعين إنما النزاع في أمر آخر؛ وهو أن النار أبدية؛ أو مما كتب عليه الفناء؛ وأما كون الكفار لا يخرجون منها ولا يدخلون الجنة؛ فلم يختلف فيه أحد من أهل السنة؛ وقد نقل ابن تيمية القول بفنائها عن ابن عمر ؛ وابن عمرو ؛ وابن مسعود ؛ وأبي سعيد ؛ وابن عباس ؛ وأنس ؛ والحسن البصري ؛ وحماد بن سلمة ؛ وغيرهم؛ روى عبد بن حميد بإسناد رجاله ثقات عن عمر : " لو لبث أهل النار في النار عدد رمل عالج لكان لهم يوم يخرجون فيه" ؛ وروى أحمد عن ابن عمرو بن العاص : " ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيها أحد" ؛ وحكاه البغوي وغيره عن أبي هريرة وغيره؛ وقد نصر هذا القول ابن القيم؛ كشيخه ابن تيمية وهو مذهب متروك؛ وقول مهجور؛ لا يصار إليه؛ ولا يعول عليه؛ وقد أول ذلك كله الجمهور؛ وأجابوا عن الآيات المذكورة بنحو عشرين وجها؛ وعما نقل عن أولئك الصحب بأن معناه: ليس فيها أحد من عصاة المؤمنين؛ أما مواضع الكفار فهي ممتلئة منهم؛ لا يخرجون منها أبدا؛ كما ذكره الله (تعالى) في آيات كثيرة؛ وقد قال الإمام الرازي: قال قوم إن عذاب الله منقطع؛ وله نهاية؛ واستدلوا بآية: لابثين فيها أحقابا ؛ وبأن معصية الظلم متناهية؛ فالعقاب عليها بما لا يتناهى ظلم؛ والجواب أن قوله: " أحقابا" ؛ لا يقتضي أن له نهاية؛ لأن العرب يعبرون به وبنحوه عن الدوام؛ ولا ظلم في ذلك؛ لأن الكافر كان عازما على الكفر ما دام حيا؛ فعوقب دائما؛ فهو لم يعاقب بالدائم إلا على دائم؛ فلم يكن عذابه إلا جزاء وفاقا.

(حط في)؛ كتاب (رواة مالك )؛ أي: في كتاب أسماء من روى عن مالك ؛ من وجهين؛ من حديث عبد الله بن الحكم عن مالك عن نافع ؛ (عن)؛ عبد الله؛ (ابن عمر)؛ ابن الخطاب؛ ومن حديث جامع بن سوار عن زهير بن عباد عن أحمد بن الحسين اللهبي عن عبد الملك بن الحكم؛ ورواه الدارقطني من هذين الوجهين؛ في غرائب مالك ؛ ثم قال: هذا حديث باطل؛ وجامع ضعيف؛ وكذا عبد الملك ؛ انتهى.

وأقره عليه في اللسان؛ وقال في الفتح: فيه عبد الملك ؛ وهو واه؛ ورواه العقيلي من طريق ضعيف عن أنس ؛ وما جرى عليه المؤلف من أن سياق الحديث هكذا؛ هو ما وقفت عليه من خطه من نسخ هذا الكتاب؛ والثابت في رواية الخطيب خلافه؛ ولفظه: " آخر من يدخل الجنة رجل من جهينة يقال له: (جهينة)؛ فيقول أهل الجنة: عند جهينة الخبر اليقين؛ سلوه: هل بقي أحد من الخلائق يعذب؟ فيقول: لا" ؛ انتهى؛ ومثله الدارقطني ؛ وهكذا أورده عنه المصنف في جامعه الكبير؛ ثم قال: قال الدارقطني : باطل؛ وأقره عليه؛ وقد أكثر المؤلف في هذا الجامع من الأحاديث الضعيفة؛ قال ابن مهدي: لا ينبغي الاشتغال بكتابة أحاديث الضعفاء؛ فإن أقل ما يفوته أن يفوته بقدر ما كتب من حديث أهل الضعف من حديث الثقات؛ وقال ابن المبارك : لنا في صحيح الحديث شغل عن سقيمه؛ أهـ؛ على أنه كان ينبغي له - أي المؤلف - أن يعقب كل حديث بالإشارة بحاله؛ بلفظ: [ ص: 41 ] " صحيح" ؛ أو " حسن" ؛ أو " ضعيف" ؛ في كل حديث؛ فلو فعل ذلك كان أنفع وأصنع؛ ولم يزد الكتاب به إلا وريقات لا يطول بها؛ وأما ما يوجد في بعض النسخ من الرمز إلى الصحيح والحسن والضعيف؛ بصورة رأس صاد وحاء وضاد؛ فلا ينبغي الوثوق به؛ لغلبة تحريف النساخ؛ على أنه وقع له ذلك في بعض دون بعض؛ كما رأيته بخطه؛ فكان المتعين ذكر كتابة " صحيح" ؛ أو " حسن" ؛ أو " ضعيف" ؛ في كل حديث؛ قال الحافظ العلائي: على من ذكر حديثا اشتمل سنده على من فيه ضعف أن يوضح حاله؛ خروجا عن عهدته؛ وبراءة من ضعفه؛ انتهى.

وابن عمر هو العلم الفرد؛ أحد العبادلة الأربعة؛ قال جابر : ما منا أحد إلا مالت به الدنيا؛ ومال بها؛ إلا هو؛ وذكر الخلافة يوم موت أبيه؛ فقال: بشرط ألا يجرى فيها محجم دم؛ مات سنة ثلاث - أو أربع - وسبعين - رضي الله عنه.

التالي السابق


الخدمات العلمية