صفحة جزء
353 - " إذا أحب الله عبدا ابتلاه؛ ليسمع تضرعه " ؛ (هب فر) ؛ عن أبي هريرة ؛ (هب)؛ عن ابن مسعود ؛ وكردوس؛ موقوفا عليهما.


(إذا أحب الله عبدا) ؛ أي: أراد به الخير؛ ووفقه؛ (ابتلاه) ؛ اختبره؛ وامتحنه؛ بنحو مرض؛ أو هم؛ أو ضيق؛ (ليسمع تضرعه) ؛ أي: تذلله واستكانته وخضوعه ومبالغته في السؤال؛ ليعطى صفة الجود والكرم جميعا؛ فإنهما يطلبانه عند سؤال عبده بالإجابة؛ فإذا دعا قالت الملائكة: " صوت معروف" ؛ وقال جبريل: " يا رب؛ اقض حاجته" ؛ فيقول: " دعوا عبدي؛ فإني أحب أن أسمع صوته" ؛ كذا جاء في خبر؛ قال الغزالي: ولهذا تراه يكثر ابتلاء أوليائه وأصفيائه الذين هم أعز عباده؛ وإذا رأيت الله - عز وجل - يحبس عنك الدنيا؛ ويكثر عليك الشدائد والبلوى؛ فاعلم أنك عزيز عنده؛ وأنك عنده بمكان؛ يسلك بك طريق أوليائه وأصفيائه؛ فإنه يراك؛ ولا يحتاج إلى ذلك؛ أما تسمع إلى قوله (تعالى): واصبر لحكم ربك فإنك [ ص: 246 ] بأعيننا ؛ بل اعرف منته عليك فيما يحفظ عليك من صلاتك وصلاحك؛ ويكثر من أجورك وثوابك؛ وينزلك منازل الأبرار والأخيار والأعزة عنده.

(تنبيه): قال العارف الجيلاني: التلذذ بالبلاء من مقامات العارفين؛ لكن لا يعطيه الله لعبد إلا بعد بذل الجهد في مرضاته؛ فإن البلاء يكون تارة في مقابلة جريمة؛ وتارة تكفيرا؛ وتارة رفع درجات؛ وتبليغا للمنازل العلية؛ ولكل منها علامة؛ فعلامة الأول عدم الصبر عند البلاء؛ وكثرة الجزع والشكوى للخلق؛ وعلامة الثاني الصبر وعدم الشكوى والجزع؛ وخفة الطاعة على بدنه؛ وعلامة الثالث الرضا والطمأنينة؛ وخفة العمل على البدن والقلب.

(هب فر؛ عن أبي هريرة ؛ هب؛ عن ابن مسعود ) ؛ عبد الله ؛ (وكردوس) ؛ بضم الكاف؛ وآخره مهملة؛ (موقوفا عليهما) ؛ لم يرمز له بشيء؛ ووهم من زعم أنه رمز لضعفه؛ وأنه كذلك؛ قال الحافظ العراقي - رحمه الله (تعالى) -: إنه يتقوى بعدد طرقه.

التالي السابق


الخدمات العلمية