صفحة جزء
77 - " أتاني جبريل؛ فقال: بشر أمتك أنه من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة؛ قلت: يا جبريل؛ وإن سرق؛ وإن زنى؟! قال: نعم؛ قلت: وإن سرق؛ وإن زنى؟! قال: نعم؛ قلت: وإن سرق؛ وإن زنى؟! قال: نعم؛ وإن شرب الخمر " ؛ (حم ت ن حب) ؛ عن أبي ذر ؛ (صح).


(أتاني جبريل) ؛ لم يقل: " قال لي جبريل" ؛ إيذانا بأنه أمر يهتم به؛ بحيث أتاه تلك المرة بخصوص ذلك القول؛ اهتماما بشأنه؛ فلم يكن ذكره له بطريق العرض؛ في أثناء حديث فاوضه فيه؛ وفي رواية للبخاري: " عرض لي في جانب [ ص: 95 ] الحرة؛ (فقال: بشر أمتك) ؛ أمة الإجابة؛ بقرينة ذكره البشارة؛ ولو قال: " قل لأمتك" ؛ لصلح؛ لإرادة العموم؛ (أنه) ؛ أي: الشأن؛ (من مات لا يشرك بالله شيئا) ؛ أي: غير مشرك به شيئا؛ فهو نصب على الحال من ضمير " مات" ؛ واقتصر على نفي الشرك؛ لظهوره في ذلك الزمن؛ والمراد: مصدقا لما جاء به الشرع من كل ما يجب الإيمان به إجمالا؛ في الإجمالي؛ وتفصيلا؛ في التفصيلي؛ وجواب الشرط: (دخل الجنة) ؛ أي: عاقبة أمره دخولها؛ وإن مات مصرا على الكبائر؛ ودخل النار؛ (قلت: يا جبريل) ؛ ناداه ليقبل على استماع سؤاله؛ فيجيبه؛ ويتلذذ بذكر اسم الحبيب؛ (وإن سرق؛ وإن زنى؟!) ؛ أي: أيدخل الجنة وإن سرق؛ وإن زنى؟! ففيه استفهام مقدر؛ ووجه الاستفهام ما تقرر عنده قبل ذلك من الآيات الواردة في وعيد أهل الكبائر بالنار؛ فلما سمع أن من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة؛ استفهم عن ذلك بقوله: " وإن..." إلى آخره؛ (قال: نعم) ؛ يدخلها؛ وإن فعل ذلك؛ وإنما بشره جبريل بذلك بأمر تلقاه عن ربه؛ فكأنه (تعالى) قال له: " بشر محمدا أن من مات من أمته لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة وإن وقع منه ذلك" ؛ ولهذا ترجم البخاري على هذا الحديث: " باب كلام الرب مع جبريل" ؛ ثم أورده؛ (قلت: وإن سرق؛ وإن زنى؟! قال: نعم؛ قلت: وإن سرق؛ وإن زنى؟! قال: نعم) ؛ كرر الاستفهام استثباتا؛ واستيثاقا؛ واستعظاما لشأن الدخول مع مباشرة الكبائر؛ أو تعجبا منه؛ واقتصر من الكبائر على ذينك؛ لأن الحق إما لله؛ أو للعباد؛ فأشار بالزنا إلى الأول؛ وبالسرقة إلى الثاني؛ وبين أن دخول الجنة لا يتوقف على تجنبهما؛ قال السبكي: وآثر ذكر السرقة على القتل؛ مع كونه أقبح؛ لكثرة وقوعها؛ وقلة وقوع القتل؛ فآثر ما يكثر وقوعه - لشدة الحاجة للسؤال عنه - على ما يندر؛ قال: والأحاديث الدالة على دخول من مات غير مشرك الجنة يبلغ القدر المشترك منها مبلغ التواتر؛ وهي قاصمة لظهور المعتزلة؛ الزاعمين خلود أرباب الكبائر في النار؛ ثم أكد جبريل ما ذكره تتميما للمبالغة؛ بقوله: (وإن شرب الخمر) ؛ فإن شربها لا يمنعه من دخولها؛ ونص عليه إشارة إلى نحوسة هذه الكبيرة؛ وفظاعتها؛ لأنها تؤدي إلى خلل العقل؛ الذي شرف به الإنسان على غيره من الحيوان؛ وبوقوع الخلل فيه يزول التوقي الحاجز عن ارتكاب بقية الكبائر؛ فأعظم به من مفسدة! ومع ذلك يدخل شاربه الجنة؛ وفيه إشعار بأن مجيء جبريل؛ وإخباره بذلك؛ كان بعد تحريمها.

(حم ت) ؛ وقال: صحيح؛ (ن حب؛ عن أبي ذر) ؛ الغفاري ؛ جندب بن جنادة؛ أو يزيد بن عبد الله ؛ أو زيد بن جنادة؛ أو جندب بن عبد الله ؛ أو جندب بن يشكر؛ أو غير ذلك؛ والأصح الأول؛ من أكابر الصحابة؛ وأفاضلهم؛ وقدمائهم.

التالي السابق


الخدمات العلمية