صفحة جزء
3928 - "خلق الله آدم على صورته ؛ وطوله ستون ذراعا؛ ثم قال: اذهب فسلم على أولئك النفر - وهم نفر من الملائكة جلوس -؛ فاستمع ما يحيونك؛ فإنها تحيتك وتحية ذريتك؛ فذهب؛ فقال: السلام عليكم؛ فقالوا: السلام عليك ورحمة الله؛ فزادوه: ورحمة الله؛ فكل من يدخل الجنة على صورة آدم في طوله ستون ذراعا؛ فلم تزل الخلق تنقص بعده حتى الآن"؛ (حم ق)؛ عن أبي هريرة ؛ (صح) .


(خلق الله آدم على صورته) ؛ أي: على صورة آدم ؛ التي كان عليها من مبدإ فطرته؛ إلى موته؛ لم تتفاوت قامته؛ ولم تتغير هيئته؛ بخلاف بنيه؛ فإن كلا منهم يكون نطفة؛ ثم علقة؛ ثم مضغة؛ ثم عظاما؛ وأعصابا عارية؛ ثم مكسوة لحما؛ ثم حيوانا مجننا؛ لا يأكل ولا يشرب؛ ثم يكون مولودا رضيعا؛ ثم طفلا مترعرعا؛ ثم مراهقا؛ ثم شابا؛ ثم كهلا؛ ثم شيخا؛ أو خلقه على صورة حال يختص به؛ لا يشاركه أنواع أخر من المخلوقات؛ فإنه يوصف مرة بالعلم؛ وأخرى بالجهل؛ وتارة بالغواية والعصيان؛ وطورا بالهداية والاستغفار؛ ولحظة يقرن بالشيطان في استحقاق اسم العصيان؛ والإخراج من الجنان؛ ولحظة يتسم بسمة الاجتباء؛ ويتوج بتاج الخلافة والاصطفاء؛ وبرهة يستعمل بتدبير الأرضين؛ وساعة يصعد بروحه إلى عليين؛ وطورا يشارك البهائم في مطعمه؛ ومنكحه؛ وطورا يسابق الكروبيين في ذكره وفكره وتسبيحه وتهليله؛ وقيل: الضمير لله (تعالى)؛ بقرينة رواية: "خلق آدم على صورة الرحمن" ؛ والمعنى: خلق آدم على صورة اجتباها؛ وجعلها من جميع مخلوقاته؛ إذ ما من موجود إلا وله مثال في صورته؛ ولذلك قيل: الإنسان عالم صغير.

(تنبيه) :

قال ابن عربي : لما وصل الوقت المعين في علمه (تعالى) لإيجاد هذا الخليفة الذي يهدي الله المملكة بوجوده؛ وذلك بعد أن مضى من عمر الدنيا سبعة عشر ألف سنة؛ أمر بعض ملائكته أن يأتيه بقبضة من كل أجناس تربة الأرض؛ فأتاه بها؛ فأخذها - سبحانه - وخمرها بيده؛ حتى تغير ريحها؛ وهو المسنون؛ وهو ذلك الجزء الهوائي الذي في الإنسان؛ وجعل جسده محلا للأشقياء؛ والسعداء من ذريته؛ وجمع في طينته الأضداد؛ بحكم المجاورة؛ وأنشأه على الحركة المستقيمة؛ وذلك في دولة السنبلة؛ وجعله ذا جهات ست: فوق؛ وهو ما يلي رأسه؛ وتحت؛ وهو ما يلي رجليه؛ ويمين؛ وهو ما يلي جانبه الأقوى؛ وشمال؛ وهو ما يلي جانبه الأضعف؛ وأمام؛ وهو ما يلي الوجه؛ وخلف؛ وهو ما يلي الفضاء؛ وصوره وعدله وسواه؛ ثم نفخ فيه روحه المضاف إليه؛ فسرى في أجزائه أربعة أركان الأخلاط؛ إذ كانت الصفراء عن الركن الناري؛ والسوداء عن التراب؛ والدم عن الهواء؛ وهو قوله: مسنون ؛ والبلغم من الماء؛ الذي عجن به التراب؛ فصار طينا؛ ثم أحدث فيه القوة الجاذبة التي بها تجذب الأغذية؛ ثم الماسكة؛ وبها يمسك الحيوان ما يتغذى به؛ ثم الهاضمة؛ وبها يهضم الغذاء؛ ثم الدافعة؛ وبها يهضم الفضلات عن نفسه من عرق وبخار [ ص: 446 ] وريح وبراز؛ وأما سريان الأبخرة؛ وتقسم الدم في العروق؛ وفي الكبد؛ فبالقوة الجاذبة؛ لا الدافعة؛ ثم أحدث فيه القوة الغاذية؛ والمنمية؛ والحاسة؛ والخيالية؛ والوهمية؛ والحافظة؛ والذاكرة؛ وهذا كله في الإنسان بما هو حيوان؛ لا بما هو إنسان فقط؛ إلا أن هذه القوى الأربع - قوة الخيال والوهم والحفظ والذكر - في الإنسان أقوى؛ ثم خصت بالقوة المصورة المفكرة والعاقلة؛ وجعل هذه القوى آلات للنفس الناطقة؛ ليصل بها إلى جميع منافعها؛ وجعله دارا لهذه القوى؛ فتبارك الله أحسن الخالقين؛ ثم ما سمى نفسه باسم من الأسماء إلا وجعل للإنسان من التخلق به حظا منه؛ يظهر به في العالم؛ على قدر ما يليق به؛ ولذلك تأول بعضهم قوله في الخبر: "خلق الله آدم على صورته" ؛ على هذا المعنى؛ والحديث خرج مخرج الزجر والتهويل؛ لوروده عقب قوله: "لا تقولوا: قبح الله وجهك؛ فإن الله خلق آدم على صورته" ؛ أي: صورة هذا الوجه المقبح؛ ذكره القاضي ؛ (وطوله ستون ذراعا) ؛ بذراع نفسه؛ أو بالذراع المتعارف يومئذ للمخاطبين؛ أو بالذراع المعروف عندنا؛ ورجح الأول بأن حسن الخلق يقتضي اعتدال الأعضاء وتناسبها؛ ومن قصرت ذراعه عن ربع قامته؛ أو طالت؛ خرج عن الاعتدال؛ ومن قامته ستون ذراعا بذراع نفسه؛ فذراعه سدس من عشر قامته؛ فيخرج عن الاعتدال؛ وزاد أحمد في روايته - بعد ما ذكر -: "في سبعة أذرع عرضا"؛ ولم ينتقل أطوارا كذريته ؛ (ثم قال له: اذهب فسلم على أولئك النفر) ؛ فيه إشعار بأنهم كانوا على بعد؛ ولا حجة فيه لمن أوجب ابتداء السلام؛ لأنها واقعة حال؛ لا عموم لها؛ (وهم نفر من الملائكة جلوس) ؛ قال ابن حجر : لم أقف على تعيينهم؛ (فاستمع) ؛ في رواية: "فاسمع"؛ (ما يحيونك) ؛ بمهملة؛ من "التحية"؛ وفي رواية بجيم؛ من "الجواب"؛ (فإنها تحيتك وتحية ذريتك) ؛ من جهة الشرع؛ أو أراد بالذرية بعضهم؛ وهم المسلمون؛ (فذهب؛ فقال: السلام عليكم) ؛ يحتمل أنه (تعالى) علمه كيفية ذلك نصا؛ وكونه فهمه من قوله له: "سلم"؛ وكونه ألهمه ذلك؛ (فقالوا: السلام عليك ورحمة الله) ؛ وهذا أول مشروعية السلام؛ وتخصيصه ؛ لأنه فتح باب المودة؛ وتأليف لقلوب الإخوان؛ المؤدي إلى استكمال الإيمان؛ كما في خبر مسلم : "لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا؛ ولا تؤمنوا حتى تحابوا؛ ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم" ؛ واستأنس بهذا من أجاز حذف الواو في الرد؛ ووجهه أن المسلم عليه مأمور بمثل تحية المسلم عدلا؛ وأحسن منها فضلا؛ فإذا رد بالمثل؛ أتى بالعدل؛ (فزادوه) ؛ الضمير لآدم ؛ والزيادة تتعدى إلى مفعولين؛ ومفعوله الثاني قوله: (ورحمة الله) ؛ وفيه مشروعية زيادة الرد؛ واتفقوا على وجوب الرد ؛ لأن السلام: الأمان؛ فإذا ابتدأ به المسلم؛ فلم يحيه؛ أوهم الشر؛ قال القرطبي : وقد دل هذا الخبر على تأكد السلام؛ وأنه من الشرائع القديمة؛ التي كلف بها آدم ؛ ثم لم تنسخ في شريعة؛ أهـ؛ لكن في خبر: "ما حسدتكم اليهود..." ؛ إلخ؛ يدل على أنه من خصوصياتنا؛ (فكل من يدخل الجنة) ؛ من بني آدم ؛ يدخلها وهو؛ (على صورة آدم ) ؛ أي: على صفته في الحسن والجمال والطول؛ ولا يدخلها على صورة نفسه؛ من نحو سواد وعاهة؛ وهو يدل على عفة البعض من نحو سواد ينتفي عند دخولها؛ (في طوله ستون ذراعا) ؛ بذراع نفسه؛ أو بقدر الذراع المتعارف يومئذ عند المخاطبين؛ أو بذراع الشرع المعروف الآن؛ على ما تقرر فيما قبله؛ وروى ابن أبي الدنيا عن أنس مرفوعا: " يدخل أهل الجنة على طول آدم ؛ ستين ذراعا بذراع الملك؛ على حسن يوسف ؛ وعلى ميلاد عيسى ؛ ثلاث وثلاثين" أهـ؛ وقال ابن حجر : وروى عبد الرزاق أن آدم لما هبط كانت رجلاه في الأرض؛ ورأسه في السماء؛ فحطه الله إلى ستين ذراعا؛ فظاهره أنه كان مفرط الطول في ابتداء فطرته؛ وظاهر هذا الحديث أنه خلق ابتداء على طول ستين ذراعا؛ وهو المعتمد؛ (فلم تزل الخلق تنقص بعده) ؛ في الجمال والطول؛ (حتى الآن) ؛ فانتهى التناقص إلى هذه الأمة؛ واستقر الأمر على ذلك؛ فإذا دخلوا الجنة عادوا إلى ما كان آدم عليه من الكمال والجمال وامتداد القامة وحسن الهامة؛ وفي مثير الغرام في زيارة القدس والشام أن آدم كان أمرد؛ وإنما حدثت اللحية لولده؛ وكان أجمل البرية.

(تنبيه) :

قال السمهودي : ما ذكر من الصفات من طول آدم وغيره؛ ثابت لكل من دخل الجنة؛ كما [ ص: 447 ] تقرر؛ فيشمل من مات صغيرا؛ بل جاء ما يقتضي ثبوت جميع ذلك للسقط؛ فروى البيهقي بسند حسن؛ عن المقداد : "ما من أحد يموت سقطا؛ ولا هرما؛ وأنحاء الناس فيما بين ذلك؛ إلا بعث ابن ثلاث وثلاثين؛ فإن كان من أهل الجنة كان على مسحة آدم ؛ وصورة يوسف ؛ وقلب أيوب ؛ ومن كان من أهل النار؛ عظم كالجبال" ؛ و"الآن"؛ بالنصب؛ ظرف؛ يعني: حتى وصل النقصان إلى الوقت الذي ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه الحديث؛ قيل: هذا مقدم في الترتيب على قوله: "فكل من يدخل الجنة..."؛ إلخ.

(تنبيه) :

قال ابن حجر : يشكل على هذا ما يوجد الآن من آثار الأمم السابقة؛ كديار ثمود ؛ فإن مساكنهم تدل على أن قاماتهم لم تكن مفرطة الطول؛ على حسب ما يقتضيه الترتيب المار؛ وعهدهم قديم؛ والزمن الذي بينهم وبين آدم دون ما بينهم وبين أولاد هذه الأمة؛ ولم يظهر لي إلى الآن ما يزيل هذا الإشكال.

(حم ق؛ عن أبي هريرة ) ؛ ورواه عنه الطبراني وغيره.

التالي السابق


الخدمات العلمية