التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
6134 [ ص: 575 ] 36 - باب: الرياء والسمعة

6499 - حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن سفيان، حدثني سلمة بن كهيل. وحدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان، عن سلمة قال: سمعت جندبا يقول: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -ولم أسمع- أحدا يقول: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - غيره، فدنوت منه فسمعته يقول: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - "من سمع سمع الله به، ومن يرائي يرائي الله به". [ 7152 - مسلم: 2987 - فتح: 11 \ 335].


ذكر فيه حديث جندب - رضي الله عنه -: "من سمع سمع الله به، ومن يرائي يرائي الله به".

معناه: من سمع بعمله الناس، وقصد به اتخاذ الجاه والمنزلة عندهم، ولم يرد به وجه الله; فإن الله يسمع به خلقه، أي: يجعله حديثا عند الناس الذي أراد نيل المنزلة عندهم بعمله، ولا ثواب له في الآخرة عليه، وكذلك من راءى بعمله الناس راءى الله به، أي: أطلعهم على أنه فعل ذلك لهم، ولم يفعله لوجهه -عز وجل-; فاستحق على ذلك سخط الله وأليم عقابه، فهذا على المجازاة، كقوله: ومكروا ومكر الله [آل عمران: 54] وقوله: مستهزئون الله يستهزئ بهم [البقرة: 14، 15] وكذا: من عمل عملا على غير إخلاص، يريد الرياء جوزي عليه بالشهرة والفضيحة، فيشتهر ما يبطن (قبل)، وذلك أن يظهره عليه في القيامة، ويظهر عمله إن كان رياء وسمعة. وقد جاء في الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه يقال للعبد يوم القيامة: فعلت كذا وكذا ليقال، فقد قيل; اذهبوا به إلى النار.

[ ص: 576 ] فإن قلت: كيف يسلم من الرياء والسمعة في العمل في الظاهر؟ وقد روي عن عمر وعثمان وابن مسعود - رضي الله عنه -، وجماعة من السلف أنهم كانوا يتهجدون من الليل في مساجدهم بحيث يعلم ذلك من فعلهم معارفهم، وكانوا (يدركون) إظهار المحاسن من أعمالهم مع ما تواترت به الآثار أن أفضل العمل ما استتر به صاحبه.

قلت: الناس فيه نوعان: فأما من كان إماما يقتدى به، ويستن بعمله، عالما بما لله عليه في فرائضه ونوافله، قاهرا لكيد عدوه فسواء عليه ما ظهر من عمله وما خفي منه; لإخلاصه نيته لله تعالى، وانقطاعه إليه بعمله، بل إظهاره ما يدعو عباد الله إلى الرغبة في مثل حاله من أعماله السالمة أحسن -إن شاء الله- وإن كان ممن لا يقتدى به، ولا يأمن من عدوه قهره، ومن هواه غلبه حتى يفسد عليه عمله; فإخفاؤه النوافل أسلم له، وعلى هذا كان السلف الصالح.

وروى حماد عن ثابت، عن أنس - رضي الله عنه -، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، سمع رجلا يقرأ، ويرفع صوته بالقرآن فقال: "أواب" وسمع آخر يقرأ فقال: "مرائي"، فنظروا فإذا الأواب المقداد بن عمرو.

وروى الزهري عن أبي سلمة، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، أن عبد الله بن حذافة صلى، فجهر بالقراءة، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يا ابن حذافة، لا تسمعني، وأسمع الله".

وقال وهب بن الورد: لقي عالم عالما هو فوقه في العلم فقال:

[ ص: 577 ] يرحمك الله، ما الذي أخفي من عملي؟ [قال: تخفي] حتى يظن بك أنك لم تعمل حسنة قط إلا الفرائض قال: يرحمك الله فما الذي أعلن؟ قال: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.

وقال الحسن: لقد أدركت أقواما ما كان أحدهم يقدر على أن يسر عمله فيعلنه، وقد علموا أن أحرز العملين من الشيطان عمل السر، قال: وإن كان أحدهم ليكون عنده الزور، وإنه ليصلي وما يشعر به زوره. وكان عمل الربيع بن خثيم سرا، كان يقرأ في المصحف، ويدخل عليه الداخل فيغطيه، وقال بشر بن الحارث: لما ودع الخضر داود قال له: ستر الله عليك طاعته.

وروي عن ابن سيرين قال: نبئت أن أبا بكر - رضي الله عنه - كان إذا صلى فقرأ خفض صوته، وكان عمر - رضي الله عنه - يرفع صوته; فقيل لأبي بكر: لم تصنع هذا؟ قال: أناجي ربي، وقد علم حاجتي، قيل: أحسنت. وقيل لعمر: لم تصنع هذا؟ فقال: أطرد الشيطان، وأوقظ الوسنان، قال: أحسنت، فلما نزلت: ولا تجهر بصلاتك [الإسراء: 110] الآية. قيل لأبي بكر: ارفع شيئا، وقيل لعمر: اخفض شيئا. فهؤلاء الأئمة المقتدى بهم، وأصل هذا قوله تعالى: من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها إلى قوله: وباطل ما كانوا يعملون [هود: 16] قال مجاهد: هؤلاء أهل الرياء.

[ ص: 578 ] فصل:

روينا في كتاب "الرقاق" لابن المبارك بإسناد جيد عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: من راءى راءى الله -عز وجل- به، ومن سمع سمع الله به، ومن تطاول تعظيما خفضه الله، ومن تواضع تخشعا رفعه الله.

وفي "جامع الترمذي" صحيحا عن أبي سعيد مرفوعا: "من يرائي يرائي الله به، ومن يسمع يسمع الله به".

فصل:

روى الترمذي غريبا من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: قال رجل: يا رسول الله، الرجل يعمل العمل فيسره، فإذا اطلع عليه أعجبه. فقال - عليه السلام -: "له أجران: أجر السر وأجر العلانية". قال الترمذي: فسره بعض أهل العلم، فقال: معناه: أن يعجبه ثناء الناس عليه لهذا، فأما إذا أعجبه ليعلم الناس منه الخير، فيكرم على ذلك، ويعظم عليه، فهذا رياء، وقال بعضهم: إذا اطلع عليه فأعجبه رجاء أن يعمل بعمله، فيكون له مثل أجرهم، فهذا له مذهب أيضا.

فصل:

وروينا في "الرقاق" لابن المبارك عن كهمس بن الحسن، عن أبي السليل قال: قال رجل لسعيد بن المسيب: الرجل يعطي الشيء، ويصنع المعروف، ويحب أن يؤجر ويحمد، قال: أفتحب أن تمقت ؟ وأنا

[ ص: 579 ] كهمس عن ابن بجينة المكي أن رجلا جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إني أعطي الشيء من مالي، وأحب أن أؤجر عليه وأحمد; فلم يرد عليه شيئا حتى نزلت: فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا الآية [الكهف: 11].

وقال أمير المؤمنين عثمان بن عفان - رضي الله عنه -: لو أن عبدا دخل بيتا في جوف بيت فأمن هناك عملا يوشك الناس أن يتحدثوا به، وما من عامل يعمل إلا كساه رداء عمله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر (رواه) عن عوف، عن معبد الجهني، عنه. قال: وحدثنا محمد بن مسلم، عن عتبة (الراسبي) الرام، عن أبي الجوزاء قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ألا أخبركم بأهل الجنة وأهل النار؟ أهل الجنة من ملئت مسامعه من الثناء الحسن وهو يسمع، وأهل النار من ملئت مسامعه من الثناء السيئ وهو يسمع".

التالي السابق


الخدمات العلمية