التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
6238 [ ص: 154 ] 9 - باب: وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون [الأنبياء: 95] وقوله: أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن [هود: 36] ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا [نوح: 27].

وقال منصور بن النعمان ، عن عكرمة ، عن ابن عباس: "وحرم" بالحبشية: وجب.

6612 - حدثني محمود بن غيلان، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: " إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان المنطق، والنفس تمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك، ويكذبه"

وقال شبابة حدثنا ورقاء ، عن ابن طاوس ، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. [انظر: 6243 - مسلم: 2657 - فتح: 11 \ 502].


ساق عن ابن عباس قال: ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان المنطق، والنفس تمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك ويكذبه" .

وقال شبابة ثنا ورقاء ، عن ابن طاوس ، عن أبيه، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.

[ ص: 155 ] الشرح:

قول منصور : أخرجه أبو جعفر ، عن ابن قهزاذ ، عن أبي عوانة عنه (وحديث أبي هريرة سلف).

قوله: (وقال شبابة إلى آخره) أخرجه الطبراني في أوسط معاجمه: حدثنا عمر بن عثمان ، ثنا ابن المنادي عنه. فذكره.

وقوله: (وجب) زاد عنه غيره: أي: وجب عليهم أنهم لا يتوبون. وقال أبو عبيدة (لا) هاهنا زائدة، ويذهب أن حراما على بابه، وأنكره البصريون ; لأن (لا) لا تزاد إلا فيما لا يشكل.

وقيل: المعنى: أن يتقبل منهم عمل; لأنهم لا يتوبون. قاله الزجاج ، وقيل: الحرام في اللغة: المنع، فالمعنى: حرام عليهم الرجوع إلى الدنيا.

وقال المهلب : المعنى: وجب عليهم أنهم لا يتوبون، وحرام وحرم معناهما واحد، وهما قراءتان، والتقدير: وحرام على قرية أردنا إهلاكها التوبة من كفرهم، وهذا كقوله تعالى: أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن [هود: 36] أي: قد تقدم علم الله تعالى في قوم نوح أنه لن يؤمن منهم غير من آمن، ولذلك قال نوح : رب لا تذر على الأرض من الكافرين إلى قوله: فاجرا كفارا [نوح: 27] إن قد أعلمتني أنه لن يؤمن منهم إلا من قد آمن، فأهلكهم لعلمه تعالى بأنهم لا يرجعون إلى الإيمان.

[ ص: 156 ] وقوله: (بالحبشية) لعله إنما يريد أنها وافقت العربية، أو عربتها العرب، واستعملتها، وإلا فالقرآن بلسان عربي مبين.

فصل:

موافقة الترجمة للحديث هو قوله - عليه السلام -: "إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا" فأخبر أن الزنا ودواعيه كل ذلك مكتوب مقدر على العبد غير خارج من سابق قدره.

وقوله: ("أدرك ذلك لا محالة") إدراكه له من أجل أن الله كتب عليه.

وقوله: (أشبه باللمم) يريد قوله تعالى: إلا اللمم [النجم: 32] فالنظر والنطق من اللمم، واللمم: صغار الذنوب، وهي مغفورة باجتناب الكبائر، وقد سلف ما للعلماء في ذلك، في باب الكبائر من كتاب الأدب، وذكر عن ابن عباس أنه -أعني: اللمم- أن يتوب من الذنب ولا يعاوده وقاله مجاهد والحسن ، وروي عن ابن عباس : كل ما دون الزنا فهو لمم.

وقال ابن مسعود : العينان تزنيان بالنظر، والشفتان تزنيان وزناهما التقبيل، واليدان تزنيان وزناهما اللمس، والرجلان تزنيان وزناهما المشي . وقيل: اللمم: الصغائر، وقيل: النظرة (التي تكون) فجأة.

وقيل: في قوله تعالى: إلا اللمم (إلا) بمعنى: الواو، وأنكره الفراء ، وقال: المعنى: إلا التقارب من صغير الذنوب.

[ ص: 157 ] وسمي النظر والمنطق وما سلف زنا; لأنها دواع إليه، والسبب قد يسمى باسم المسبب مجازا أو اتساعا؛ لما بينهما من التعلق، غير أن زنا العين واليدين مؤاخذ به من اجتنب الزنا بفرجه; لأنه كذب زنا جوارحه بترك الزنا بفرجه، فاستخف زنا عينيه، ولسانه، وقلبه; لأن ذلك من اللمم الذي يغفر باجتناب الكبائر. وزنا الفرج من أكبر الكبائر ، فمن فعله فقد صدق زنا عينيه، ولسانه، وقلبه، فيؤاخذ بإثم ذلك كله.

و("ومحالة") بفتح الميم أي: لابد.

وقوله: ("والنفس تمنى وتشتهي") دليل على أن فعل العبد ما نهاه الله عنه مع تقدم تقديره له تعالى عليه، وسابق علمه بفعله، باختيار منه وإيثار، وليس بمجبر عليه، ولا مضطر إلى فعله. وعلى هذا علق العقاب والثواب، فسقط قول جهم بالإجبار، بنص قوله - عليه السلام -: "والنفس تمنى وتشتهي" لأن المجبر مكره فقط (مضطر) وهو (بخلاف المشتهي، والمتمني).

وقوله: ("والفرج يصدق ذلك ويكذبه") يعني: إذا قدر على الزنا، فيما كان فيه النظر والتمني، فإن زنا صدق ذلك، وأضيف بعضهم إلى بعض، فإن امتنع وخاف ربه كتب له حسنة، وقد سلف ذلك واضحا.

فائدة:

منصور بن النعمان هو الربعي البكري اليشكري أبو حفص البصري ، سكنها، ثم مرو ، ثم سكن بخارى ، ذكره ابن أبي حاتم في "جرحه [ ص: 158 ] وتعديله" (وذكره ابن حبان في "ثقاته").

التالي السابق


الخدمات العلمية