التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
6282 [ ص: 285 ] 10 - باب: إذا قال: أشهد بالله، أو شهدت بالله

6658 - حدثنا سعد بن حفص، حدثنا شيبان، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله قال: سئل النبي - صلى الله عليه وسلم -: أي الناس خير؟ قال: " قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته". قال إبراهيم: وكان أصحابنا ينهونا ونحن غلمان أن نحلف بالشهادة والعهد. [انظر: 2652 - مسلم: 2533 - فتح: 11 \ 543]


ذكر فيه حديث عبيدة ، عن عبد الله - رضي الله عنه - سئل النبي - صلى الله عليه وسلم -: أي الناس خير؟ قال: "قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته" . قال إبراهيم : وكان أصحابنا ينهوننا ونحن غلمان أن نحلف بالشهادة والعهد.

إنما قصد البخاري من هذا الحديث إلى قول إبراهيم : (وكان أصحابنا ينهوننا ونحن غلمان أن نحلف) يريد: أشهد بالله، وعلي عهد الله. قال: نهيهم عن الحلف بذلك أنهما يمينان مغلظان، ووجه النهي عنهما -والله أعلم- أن قوله: أشهد بالله يقتضي (معنى العلم بالقطع) (والعهد) لا يقدر أحد على التزامه بما يجب فيه.

وعبارة ابن التين أن معناه: يريد أن يقول: وشهادة الله، وعهد الله. وقد أسلفنا في باب: لا تحلفوا بآبائكم فصلا في الحلف بأشهد بالله، وخلاف العلماء فيه، وأبسطه هنا، والحاصل فيه للعلماء أقوال:

[ ص: 286 ] أحدها: أن أشهد، وأحلف، وأعزم، كلها أيمان تجب فيها الكفارة، وهو قول النخعي وأبي حنيفة والثوري . وقال ربيعة والأوزاعي : إذا قال: أشهد لا أفعل كذا، ثم حنث، فهي يمين.

ثانيها: أن أشهد: لا تكون يمينا حتى يقول: أشهد (بالله) وإن لم يرد ذلك فليست بأيمان، قال ابن خواز منداد : وضعف مالك : أعزم بالله، وكأنه لم يره يمينا إلا أن يريد به اليمين; لأنه (يكون) على وجه الاستعانة، فيقول الرجل: أعزم بالله (وأصول بالله) كأنه يقول: أستعين بالله، ولا يجوز أن يقال: إن قول الرجل: أستعين بالله يكون يمينا.

ثالثها: أن أشهد بالله وأعزم بالله كناية، حكاه المزني ، عن الشافعي ، وحكى الربيع عنه: إن قال: أشهد، وأعزم، ولم يقل: بالله، فهو كقوله: والله، وإن قال: أحلف فلا شيء عليه إلا أن ينوي به اليمين.

واحتج الكوفيون بقوله تعالى: والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون [المنافقون: 1] ثم قال: اتخذوا أيمانهم جنة [المنافقون: 2] فدل أن قول القائلين: أشهد. يمين; لأن هذا اللفظ عبارة عن القسم، وإنما يحذف اسم الله اكتفاء بما يدل عليه اللفظ.

[ ص: 287 ] واحتج أصحاب مالك : أن قولك أشهد لا تفعلن كذا; ليس بصريح يمين; لأنه يحتمل أن يريد: أشهد عليك بشيء إن فعلت كذا، وقد يقول: أشهد بالكعبة، وبالنبي، فلا يكون يمينا. وأنكر أبو عبيد أن يكون: أشهد يمينا. وقال: الحالف غير الشاهد، قال: وهذا خارج من الكتاب والسنة، ومن كلام العرب.

قال الطحاوي : وقوله "يجيء قوم.. " إلى آخره، إنما أراد - عليه السلام - أنهم يكثرون الأيمان على كل شيء حتى تصير لهم عادة، فيحلف أحدهم حيث لا يراد منه اليمين، وقبل أن يستحلف. يدل على ذلك قول النخعي : وكانوا ينهوننا ونحن غلمان أن نحلف بالشهادة، وبالعهد، يعني أن نحلف بالشهادة بالله، وعلى عهد الله، كما قال تعالى: ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم [البقرة: 224] والشهادة هنا: اليمين بالله.

قال الله تعالى: فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله [النور: 6] أي: أربع أيمان بالله.

فصل:

القرن: كل طبقة مقترنين في وقت، ومنه قيل لأهل كل مدة أو طبقة بعث فيها نبي: قرن، قلت السنون أو كثرت.

وقوله: ("قرني"): يعني أصحابي.

"ثم الذين يلونهم" يعني: التابعين لهم بإحسان.

"ثم الذين يلونهم": تابعي التابعين، واشتقاق قرن من الاقتران، وقيل: القرن ثمانون سنة، أو أربعون، أو مائة.

وقال ابن الأعرابي : القرن: الوقت من الزمان. وقال غيره: قيل له قرن; لأنه يقرن أمة بأمة، عالما بعالم، وهو مصدر قرنت، جعل اسما للوقت، أو لأهله.

[ ص: 288 ] فصل:

وأصحابه - عليه السلام - أفضل الأمة من سمع منه كلمة، أو عقل أنه رآه، وأدناهم منزلة خير ممن يأتي بعدهم. قيل لمالك : من أفضل، معاوية أو عمر بن عبد العزيز ؟ فقال: لنظرة نظرها معاوية في وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خير من عمل عمر بن عبد العزيز .

فصل:

قوله: ("ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته") فيه قولان:

أحدهما: أن يقول: أشهد بالله، أو شهدت بالله لكان كذا.

والثاني: أن يحلف على تصديق شهادته قبل أن يشهد، أو بعد، والأول: هو تأويل البخاري .

فصل:

قال ابن التين : اختلف عندنا إذا قال: أشهد بالله أو أقسم بالله، أو قال: أشهد أو أقسم، ولم يقل بالله هل هي يمين؟ وفي "الزاهي": إذا لم يقل بالله، لا شيء عليه، قال: وأما من حلف على تصديق شهادته قبل الحكم بها، فقال ابن شعبان : تسقط شهادته كأنه لما حلف اتهم فيما شهد به، فسقطت شهادته، وظاهر تأويل البخاري : أن قوله أشهد بالله لا يجوز.

التالي السابق


الخدمات العلمية