التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
6472 6866 - وقال حبيب بن أبي عمرة ، عن سعيد ، عن ابن عباس قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - للمقداد :" إذا كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار فأظهر إيمانه فقتلته ، فكذلك كنت أنت تخفي إيمانك بمكة من قبل " . [ فتح: 12 \ 187 ]


الدية : واحدة الديات ، والهاء عوض من الواو ، تقول : وديت القتيل أديه دية إذا أعطيت ديته ، واتديت : أخذت ديته ، وإذا أمرت منه قلت : د فلانا ، وللاثنين : ديا فلانا ، وللجماعة : دوا فلانا ، قاله أبو نصر .

[ ص: 293 ] وقال القزاز : هي من وديت مثل الزنة من وزنت . وقال في " المغرب " : هي مصدر ودي القتيل إذا أعطي وليه ديته ، وأصل التركيب على معنى الجري والخروج ، ومنه : الوادي ؛ لأن الماء يدي فيه ، أي : يجري .

ثم قال : وقوله تعالى ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم [ النساء : 93 ] وهذه الآية سلفت في التفسير ، وذكرنا خلاف العلماء فيه واضحا ، وابن عباس وزيد وابن مسعود وابن عمر أنه لا توبة له ، وقيل : إن آية الفرقان تكون في الشرك .

قال الضحاك : لما نزل : والذين لا يدعون مع الله إلها آخر الآية [ الفرقان : 68 ] ، قال المشركون : قد زعم أنه لنا ، فنزل : إلا من تاب [ الفرقان : 70 ] أي : تاب من الشرك وأسلم . ونزل هذا بمكة ، ونزل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم الآية [ الزمر : 53 ] ، ثم أنزل بالمدينة بعد ثماني سنين : ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم مبهمة لا مخرج لها .

وروى سعيد بن ميناء عن ابن عمر ، سأله رجل فقال : قتلت رجلا فهل من توبة ؟ قال : تزود من الماء البارد فإنك لا تدخلها أبدا .

وذكره ابن أبي شيبة أيضا عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري والضحاك ، وروي عن أبي الدرداء أيضا ، وروى عن علي وابن عباس وابن عمر أن القاتل له توبة ، وقاله جماعة من التابعين .

[ ص: 294 ] وجماعة أهل السنة وفقهاء الأمصار على هذا ؛ وحجتهم قوله تعالى : وهو الذي يقبل التوبة عن عباده [ الشورى : 25 ] . وقوله وإني لغفار لمن تاب [ طه : 82 ] وهذا عموم لا يخرج عنه شيء .

وذكر إسماعيل بن إسحاق القاضي : حدثنا المقدمي : ثنا المعتمر بن سليمان ، عن سليمان بن ( عبيد البارقي ) ، حدثني إسماعيل بن ثوبان : جالست الناس في المسجد الأكبر قبل الدار فسمعتهم يقولون لما نزلت ومن يقتل مؤمنا متعمدا الآية . قال المهاجرون والأنصار : وجبت لمن فعل هذا النار . حتى نزلت إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء الآية [ النساء : 48 ، 116 ] .

واحتجوا أيضا بحديث عبادة بن الصامت أنه - عليه السلام - أخذ عليهم في بيعة العقبة أن من أصاب ذنبا فأمره إلى الله ، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له .

وقال الداودي : هذه الآية نزلت ومن يقتل مؤمنا متعمدا إن كانت في المسلم والكافر فقد عفا الله تعالى عن الخلود للمؤمنين فقال : فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها [ هود : 106 - 107] فاستثنى من يدخلها من المؤمنين .

قال : ويحتمل أن يريد أنه قتله مستحلا ، أو يريد إن جوزي أو إن لم يتب ، وقد سلف ذلك واضحا فراجعه .

وروى ابن أبي عاصم في " الديات " حديث أبي هريرة مرفوعا :" خمس ليس لهن كفارة : الشرك بالله ، وقتل النفس بغير حق . . ."

[ ص: 295 ] الحديث .

وقال ابن المنذر : المروي عن علي وابن عمر وابن عباس في أن القاتل له توبة ، فروي من طريق لا يحتج بها .

قلت : أخرج رواية ابن عمر - رضي الله عنهما - ابن أبي شيبة عن أبي بكر بن عياش ، عن أبي إسحاق عنه . ورواية ابن عباس أخرجها أيضا عن يزيد بن هارون ، ثنا أبو مالك الأشجعي عن سعيد بن عبيدة عنه .

ثم ساق في الباب أحاديث :

أحدها :

حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - : يا رسول الله ، أي الذنب أعظم ؟ . . الحديث .

وقوله :" أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك " . هو كقوله تعالى : ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق [ الإسراء : 31 ] وقوله تعالى : قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم [ الأنعام : 140 ] قال عكرمة : نزلت فيمن يئد البنات من ربيعة ومضر .

وقال قتادة : كان أهل الجاهلية يقتل أحدهم ابنته مخافة الفاقة ، فحرم الله تعالى قتل الأطفال ، وأخبر رسوله أن ذلك ذنب عظيم بعد الكفر ، وجعل بعده في العظم الزنا بحليلة الجار ؛ لعظم حق الجار وتأكيد حرمته .

[ ص: 296 ] وقد سلف هذا قريبا في باب إثم الزنا ، والند : النظير والمثل ، وكذلك النديد .

وقوله تعالى : ومن يفعل ذلك يلق أثاما قال مجاهد : هو واد في جهنم ، وقيل : يعني آثام ذلك . وقال الخليل وسيبويه : أي : جزاء الآثام . وقال القتبي : الآثام : العقوبة .

الحديث الثاني :

حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - :" لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ، ما لم يصب دما حراما " . فيه : تعظيم حرمة دم المؤمنين .

ومنه الحديث الثالث حديثه أيضا :

إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حله . والورطة : المهلك ، يقال : وقعوا في ورطة أي : بلية ، فشبه أكثر العامة ( . . .) .

قال رؤبة : فأصبحوا في ورطة الأوراط .

وأصل الورطة أرض مطمئن لا طريق فيها .

الحديث الرابع :

حديث عبد الله ، هو ابن مسعود قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - :" أول ما يقضى بين الناس في الدماء " . وقد سلف أن هذا في المظالم ؛ لعظم القتل على كل مظلمة ؛ لذلك قال :" بين الناس " .

[ ص: 297 ] قال الداودي : وذلك لأن الكفر إنما هو بين الله وعباده وأن حديث :" أول ما ينظر الله فيه الصلاة " في خاصة نفسه بعد الانتصاف من المظالم ولا يبقى تباعة إلا لله بالصلاة فلا معارضة بينهما .

الحديث الخامس :

حديث المقداد بن عمرو - رضي الله عنه - قال : يا رسول الله ، إن لقيت كافرا فاقتتلنا . . الحديث .

الحديث السادس :

وقال حبيب بن أبي عمرة ، عن سعيد ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - : قال - صلى الله عليه وسلم - للمقداد :" إذا كان رجل يخفي إيمانه مع قوم كفار فأظهر إيمانه فقتلته ، فكذلك كنت أنت تخفي إيمانك بمكة من قبل " ، وهو مبشر مؤمن .

وقوله : ( وقال حبيب ) إلى آخره ، أخرجه ابن سعد في " طبقاته " عن عبيد الله بن موسى ، ثنا إسرائيل عنه ، عن سعيد بن جبير ، به .

فإن قلت : كيف قطع يده وهو ( ممن ) يكتم إيمانه ؟ قيل : إنما دفع عن نفسه من يريد قتله ، فجاز له ذلك كما جاز للمؤمن إذا أراد أن يقتله مؤمن أن يدفع عن نفسه ، فإن اضطره الدافع عن نفسه إلى قتل الظالم دون قصد إلى إرادة قتله فهو هدر ؛ فلذلك لم يقد - عليه السلام - من يد المقداد ، كما لم يقد قتيل أسامة ، لأنه قتله متأولا .

[ ص: 298 ] قلت : المقداد لم يقطع يده ، وإنما قال ذلك للشارع على جهة التمثيل ؛ لأنه قال : ( إن لقيت كافرا ) إلى آخره .

ويحتمل قوله :" فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله " ، أنه مغفور له بشهادة التوحيد كما أنت مغفورا لك بشاهدة بدر ، وقوله :" فإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته " ، يعني : إنك قاصد لقتله عمدا آثم كما كان هو أيضا قاصدا لقتلك عمدا آثما ، فأنت في مثل حاله من العصيان إلا أن واحدا منهما يكفر بقتل المسلم ؛ لأن إتيان الكبائر لمن صح له عقد التوحيد لا يخرجه إلى الكفر ، وإنما هي ذنوب موبقات ، لله تعالى أن يغفرها لكل من لا يشرك به شيئا .

وقال ابن القصار : معنى قوله " وأنت بمنزلته قبل أن يقولها " في إباحة الدم ، لا أنه كافر بذلك ، وإنما قصد ردعه وزجره عن قتله ؛ لأن الكافر إذا أسلم فقتله حرام .

وقال الداودي : يعني : إنك ( صرت قاتلا كما كان هو قاتلا ) ، قال : وهذا من المعاريض ؛ لأنه أراد الإغلاظ في ظاهر اللفظ خلاف باطنه .

فصل :

قوله : ( ثم لاذ بشجرة ) أي لجأ إليها وعاذ بها ؛ لقوله للمقداد :" فإنك بمنزلته قبل أن يقولها " ومعناه : أنه يجوز أن يكون اللائذ بالشجرة القاطع لليد مؤمنا يكتم إيمانه مع قوم كفار غلبوه على نفسه ، وإن قتلته فأنت شاك في قتلك إياه أي منزله من العمد والخطأ كما ( كان )

[ ص: 299 ] هو مشكوكا في إيمانه ، يجوز أن ( يكون ) يكتم إيمانه ، وكذلك فسره المقداد كما فهمه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله :" فكذلك . ." إلى آخره . وأنت مع قوم كفار في جملتهم وعددهم مكثرا ومحرما ، فكذلك الذي لاذ بشجرة وأظهر إيمانه لعله كان ممن يكتم إيمانه ، وهذا كله معناه النهي عن قتل من يشهد بالإيمان .

التالي السابق


الخدمات العلمية