التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
6500 [ ص: 384 ] 20 - باب: دية الأصابع

6895 - حدثنا آدم ، حدثنا شعبة ، عن قتادة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :" هذه وهذه سواء " ، يعني : الخنصر والإبهام .

حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا ابن أبي عدي ، عن شعبة ، عن قتادة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - نحوه . [ فتح: 12 \ 225 ]


ذكر فيه حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :" هذه وهذه سواء " يعني : الخنصر والإبهام .

وعنه : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - ، نحوه .

هذان الطريقان ذكرهما من حديث شعبة ، عن قتادة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - مرفوعا ، وكأنه ساق الثاني لتصريح ابن عباس بسماعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وإن ( كان ) روايته عنه بلفظ : عن ، متصلة أيضا .

والخنصر - بالكسر - : الأصبع الصغرى .

وذكره ابن أبي حاتم في " علله " من حديث عبيد الله بن موسى ، عن همام ، عن قتادة .

ورواه ابن حزم من حديث محمد بن سليمان المنقري ، ثنا سليمان بن داود ، ثنا يزيد بن زريع ، ثنا ابن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :" في الأصابع عشر عشر " ثم قال : هذا حديث صحيح لإدخاله فيه المنقري ثقة ، وسليمان بن داود

[ ص: 385 ] هو الهاشمي
أحد الأئمة من نظراء أحمد بن حنبل وابن زريع لا يسأل عنه ، وسماع ( سعيد ) صحيح ؛ لأنه سمع من أيوب ، وقد روينا من طريق ابن وضاح : حدثنا موسى بن معاوية ، حدثنا وكيع ، حدثنا شعبة ، فذكر الحديث الأول بلفظ :" هذه وهذه سواء " وجمع بين إبهامه وخنصره .

ومن طريق أبي داود بإسناد شعبة :" الأصابع سواء ، والأسنان سواء ، الثنية والضرس سواء هذه وهذه ( سواء )" . قال ابن حزم : لا نعلم في الديات في الأعضاء أثر يصح في توقيتها وبيانها إلا هذا . قلت : قال علي بن المديني وأحمد في " عللهما " : ثنا قريش بن أنس قال : حلف لي سعيد بن أبي عروبة بالله ما ( كتب ) عن قتادة .

وقال البزار في " سننه " : يحدث عن جماعة ولم يسمع منهم .

وقال الآجري عن أبي داود : كان ابن أبي عروبة في الاختلاط يقول : ( عن ) قتادة عن أنس أو أنس عن قتادة وقوله : لا نعلم . . إلى آخره ، قد صح فيه حديث آخر ذكره آدم بن أبي إياس العسقلاني تلميذ شعبة في كتاب شعبة بن الحجاج قال : حدثنا غالب التمار ، عن حميد بن هلال ، عن أوس بن مسروق التميمي ، عن أبي موسى [ ص: 386 ] الأشعري : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :" الأصابع كلها سواء " قال شعبة : فقلت لغالب : عشر عشر ، فقال : نعم ، ولما رواه أبو داود أدخل حميدا بين غالب ومسروق .

وعن أبي الوليد ، عن شعبة ، عن غالب ، عن مسروق ، قال أبو داود : رواه غندر ، عن شعبة ، عن غالب ( قال ) : سمعت مسروقا ، ورواه النسائي عن أبي الأشعث ، عن خالد ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن مسروق ، وقال ابن عساكر : الصواب والصحيح : مسروق بن أوس . قلت : وغالب هو : ابن مهران التمار ، وثقه ابن سعد ، وذكره ابن حبان وغيره في " الثقات " ، وقال أبو حاتم الرازي : صالح الحديث ، وحميد حديثه في الصحيحين ، وأوس بن مسروق ذكره ابن حبان في " ثقاته " وخرج له مع ابن خزيمة في " صحيحيهما " .

وروى ابن أبي عاصم في " الديات " بإسناد جيد من حديث الأسود بن عامر ، عن حماد ( بن سلمة ) ، عن قتادة به ، [ و ] عن عبد الله بن بريدة ، عن يحيى بن يعمر ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - : أنه - عليه السلام - قضى في العين القائمة إذا بخست ، وفي اليد الشلاء إذا قطعت ، والسن السوداء إذا كسرت ثلث الدية . قال الأسود : ثلث ديتها ليس

[ ص: 387 ] ثلث دية النفس . قال : وثناه أبو بكر ، ثنا يزيد بن هارون ، ثنا ابن أبي عروبة ، عن قتادة ، ( ورواه ابن أبي عاصم من حديث يحيى بن سعيد ، عن شعبة ، عن قتادة ) ، عن عكرمة . [ و ] عن سعيد بن المسيب قال : بعث مروان إلى ابن عباس يسأله عن الأصابع فقال : قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في اليد خمسين فريضة في كل أصبع عشرة .

فصل :

ثبت في كتاب الديات الذي كتبه سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لآل عمرو بن حزم أنه قال :" في اليد خمسون من الإبل : في كل أصبع عشر من الإبل " وأجمع العلماء على أن في اليد نصف الدية ، وأصابع اليد والرجل سواء ، وعلى هذا أئمة الفتوى ، ولا فضل لبعض الأصابع عندهم على بعض .

قال ابن المنذر : روينا ذلك عن عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود وزيد بن ثابت ، وجاءت رواية شاذة عن عمر وعروة وابن الزبير بفضل بعض الأصابع على بعض .

روى الثوري وحماد بن زيد ، عن يحيى ، عن سعيد بن المسيب أن عمر - رضي الله عنه - جعل في الإبهام خمس عشرة ، وفي البنصر تسعا ، وفي الخنصر

[ ص: 388 ] ستا ، وفي السبابة والوسطى عشرا عشرا ، حتى وجد في كتاب " الديات " عند آل عمرو بن حزم : أنه - عليه السلام - قال :" الأصابع كلها سواء " فأخذ به ، وترك قوله الأول
، ورواه جعفر بن عون عن يحيى بن سعيد ، عن ابن المسيب قال : قضى عمر - رضي الله عنه - في الإبهام بثلاث عشرة ، والتي تليها ثنتي عشرة ، وفي الوسطى بعشر ، وفي التي تليها ( بتسع ) ، وفي الخنصر بست ، وروى معمر ، عن هشام ، عن عروة ، عن أبيه قال : إذا قطعت الإبهام والتي تليها ففيها نصف دية اليد ، فإذا قطعت إحداهما ففيها عشر من الإبل ، ولم يلتفت أحد من الفقهاء إلى هذين القولين ؛ لما ثبت عن صاحب الشريعة أنه قال :" هذه وهذه سواء "- يعني : الخنصر والإبهام - وحديث عمرو بن حزم :" في كل إصبع عشر من الإبل " .

وذكر ابن المنذر ، عن الشعبي قال : كنت جالسا مع شريح إذ أتاه رجل فقال : أخبرني عن دية الأصابع ؟ فقال : في كل إصبع عشر من الإبل ، فقال : سبحان الله ، أسواء هي ؟- يعني : الإبهام والخنصر - قال : ويحك ، إن السنة منعت قياسكم ، اتبع ولا تبتدع ، فإنك لن تضل ما أخذت بالسنن ، سواء أذناك ويداك تغطيهما العمامة والقلنسوة وفيها نصف الدية ، وفي اليد نصف الدية .

قال ابن حزم : باليقين ندري أنه ليس هنا إلا عمد أو خطأ ، وقد صح عن الشارع أنه قال :" رفع عن أمتي الخطأ " وقال جل وتعالى : وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم [ الأحزاب : 5 ] ، فكان ممكنا أن يستثني كل واحد منهما من الآخر ، فيمكن أن يكون

[ ص: 389 ] المراد بـ وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ، و" رفع عن أمتي الخطأ " إلا في دية الأصابع ، وكان يمكن أن يكون المراد في الأصابع عشر عشر خاصة في العمد لا في الخطأ ، ولم يجز لأحد أن يصير إلى أخذ الأشباه إلا بنص أو إجماع ؛ لأنه خبر عن الله وعن رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، وقد وجدنا الناس مختلفين ؛ فطائفة قالت : لا شيء في العمد - يعني : في الأصابع - إلا القود فقط ، ولا دية هنالك .

وقالت أخرى : فيه القود أو الدية ، ووجدنا الاختلاف في وجود الدية في العمد في ذلك ، ثم رجعنا إلى الخطأ في ذلك فلم نجد إجماعا متفقا على وجوب الدية في الخطأ في ذلك ، ثم وجدنا القائلين بالدية في غير ذلك مختلفين فيما دون الثلث ، فطائفة قالت : هي في مال الجاني ، وأخرى قالت : هي على عاقلته ، فلم نجد إجماعا هنا في هذا ، فبطل أن يجب في الخطأ في ذلك شيء ؛ لأنه لا نص بين هذه العشرة على من هي ؟ وإذا لم يبين بالنص والإجماع على من هي ؟ فمن الباطل أن يكون الله يلزمنا غرامة لا يبين لنا من هو الملتزم ( بها ) ، فسقط أن يكون في الخطأ غرامة أصلا فيما دون النفس ، ورجعنا إلى العمد فلم يكن بد من إيجاب الدية - دية الأصابع - كما أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إما على العامد وإما على المخطئ ، أو على عاقلته بنصوص القرآن التي أوردناها ، فلم يبق إلا العامد ، فالدية في ذلك واجبة على العامد بلا شك إذ لم يبين إلا هو .

[ ص: 390 ] وأيضا ، فإن الله تعالى يقول : وجزاء سيئة سيئة مثلها [ الشورى : 40 ] وكان العامد مسيئا بسيئة ، فالواجب بنص القرآن أن يساء إليه بمثلها ، والدية إذا أوجبها الله على لسان رسوله وفي إساءة مسيء فهي مثل سيئة ذلك المسيء بلا شك ، وكذلك الحدود إذا أمر الله - عز وجل - بها أيضا ، فإذا كانت المماثلة بالقود في الأصابع وجبت المماثلة بالدية في ذلك ، وفي حديث ابن المسيب : أن عمر - رضي الله عنه - قضى في الإبهام بخمس عشرة إلى آخر ما سلف ، ووافقه على الأول غيره كما سلف .

وعن علي : الأصابع عشر عشر ، وسلف ما قاله الشعبي ، وعن مسروق كذلك قال ، ورويناه أيضا عن ابن عباس - رضي الله عنهما - ، وزيد بن ثابت قال : وليعلم العالمون أنه لم يأت عن أحد من الصحابة أن هذه الدية في الخطأ ، وأعجب من ذلك من لا يرى هذه الدية في العمد أصلا ، ولا يراها إلا في الخطأ ، فعكس الحق عكسا .

وأما مفاصل الأصابع ، فروينا من حديث قتادة عن عكرمة ، عن عمر - رضي الله عنه - أنه قضى في كل أنملة بثلث دية الأصابع .

وعن سليمان بن موسى قال : في كتاب عمر بن عبد العزيز إلى الأجناد في كل قصبة من قصب الأصابع قطع أو شلت ثلث دية الأصابع ، إلا ما كان من إبهامها فإنما لها قصبتان ، ففي كل قصبة من الإبهام نصف ديتها ، وعن إبراهيم مثله .

قال ابن حزم : ولا نعرف في هذا خلافا . والذي نقول به ( هو ) أنه

[ ص: 391 ] - عليه السلام - حكم في كل أصبع بعشر من الإبل ، فواجب لا شك أن العشر المذكورة تقابل للأصبع ، ففي كل جزء من الأصبع جزء من العشر ، وأما الأصبع تشل فقد جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :" في الأصابع عشر عشر " فهذا عموم لا يخرج منه إلا ما أخرجه نص أو إجماع .

وقد قيل : إن شلل الأصابع دية كاملة . والواجب القول بذلك ؛ لعموم النص الذي ذكرنا ، وأما كسره فيفتق صباح أو عشاء فلا شيء فيه عندنا ، وهذا النص الذي ذكرناه يقتضي أن أصابع اليدين والرجلين سواء ؛ لعموم ذكر الأصابع . وروينا من طريق عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، عن رجل ، عن مكحول ، عن زيد بن ثابت أنه قال : في الأصبع الزائدة ثلث دية الأصبع . قال معمر : يعني : أن الأصبع الزائدة والسن الزائدة ثلث ديتها .

وقال آخرون : فيها حكم . وقال آخرون : لا شيء فيها . وفي حديث عمرو بن شعيب قال : كان في كتاب أبي بكر وعمر أن في الرجل إذا يبست فلم يستطع أن يبسطها ، أو بسطها فلم يستطع أن يقبضها ، أو لم تنل الأرض ، ففيها نصف الدية ، فإن نال منها شيء الأرض فبقدر ما نقص منها . وفي اليد إذا لم يأكل بها ولم يشرب بها ولم يأتزر بها ، ففيها نصف الدية .

فصل :

وذكر ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال : كان يقال : إذا كسرت اليد أو الرجل ثم برأت ولم ينقص منها شيء أرشها مائة وثمانون درهما ، وعن عبد الله بن ذكوان أن عمر - رضي الله عنه - قضى في رجل كسرت ساقه وجبرت

[ ص: 392 ] واستقامت بعشرين دينارا . وقال شريح : على الكاسر أجر الجابر . وعن زيد بن ثابت في الساق تكسر خمسون دينارا ، وإذا برأت على عثم ففيها خمسون دينارا . وقال سليمان بن يسار : فيها قلوصان . وقال الحسن : يرضخ له شيء . وإذا قطعت اليد الشلاء ففيها ثلث الدية ، قاله سعيد بن المسيب وإبراهيم وعمر بن الخطاب وابن عباس . وقال مسروق وإبراهيم : فيها حكم . وعن علي وعمر بن عبد العزيز وزيد بن ثابت : في الرجل نصف الدية .

وفي حديث عكرمة بن خالد عن رجل من آل عمر ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :" في الرجل خمسون " وقاله الشعبي عن ابن مسعود .

وفي " الموطأ " عن ربيعة قال : سألت ابن المسيب عن ( . . .) كم في أصبع المرأة ؟ فقال : عشر من الإبل . قلت : فكم في أصبعين ؟ فقال : عشرون من الإبل . قلت : فكم في ثلاث ؟ فقال : ثلاثون من الإبل . فقلت : فكم في أربع ؟ قال : عشرون من الإبل . فقلت : حين عظم جرحها واشتدت مصيبتها نقص عقلها ! فقال سعيد ، أعراقي أنت ؟ قلت : بل عالم متثبت أو جاهل متعلم ، فقال سعيد : هي السنة يا ابن أخي .

التالي السابق


الخدمات العلمية