التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
6545 [ ص: 30 ] 2 - باب في بيع المكره ونحوه في الحق وغيره

6944 - حدثنا عبد العزيز بن عبد الله ، حدثنا الليث ، عن سعيد المقبري ، عن أبيه ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : بينما نحن في المسجد إذ خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

فقال : "
انطلقوا إلى يهود " . فخرجنا معه حتى جئنا بيت المدراس ، فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - فناداهم : "يا معشر يهود ، أسلموا تسلموا" . فقالوا : قد بلغت يا أبا القاسم . فقال : "ذلك أريد" ، ثم قالها الثانية . فقالوا : قد بلغت يا أبا القاسم . ثم قال الثالثة فقال : "اعلموا أن الأرض لله ورسوله ، وإني أريد أن أجليكم ، فمن وجد منكم بماله شيئا فليبعه ، وإلا فاعلموا أنما الأرض لله ورسوله " .
[انظر : 3167 - مسلم : 1765 - فتح: 12 \ 317 ]


ذكر فيه حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - : بينما نحن في المسجد إذ خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم -فقال : "انطلقوا إلى يهود " . فخرجنا معه حتى أتينا بيت المدراس ، فقام - عليه السلام - فناداهم : "يا معشر يهود ، أسلموا تسلموا " . فقالوا : قد بلغت يا أبا القاسم . فقال : "ذاك أريد " . ثم قالها ثلاثا . ثم قال : "اعلموا أن الأرض لله ولرسوله ، وإني أريد أن أجليكم ، فمن وجد منكم بماله شيئا فليبعه ، وإلا فاعلموا أن الأرض لله ولرسوله " .

(الشرح ) :

عندنا أن بيع المكره بغير حق باطل بخلاف ما إذا أكره بحق (كما ) إذا كان عليه دين ، وامتنع من أدائه ، فإن الحاكم له أن يبيعه عليه ، وله أن يكرهه على بيعه ، وكذا قال المهلب : وما باعه المضغوط في حق وجب عليه فذلك ماض سائغ لا رجوع فيه عند الفقهاء ؛ لأنه يلزمه أداء الحق [ ص: 31 ] إلى صاحبه من غير المبيع ، فلما لم يفعل كان بيعه اختيارا منه ولزمه ، ووجه الاستدلال على هذه المسألة من هذا الحديث هو أن إخراج الشارع لليهود (حق ) ؛ لأنه إنما فعل ذلك بوحي من الله فأباح لهم بيع أموالهم فكان بيعهم جائزا ؛ لأنه لم يقع الإكراه على البيع من أجل أعيان الشيء المبيع ، وإنما وقع من أجل الحق الذي لزمهم في الخروج فلذلك كان بيع من وجب عليه الحق جائزا ، وأما بيع المكره ظلما وقهرا ، فقال محمد بن سحنون : أجمع أصحابنا وأهل العراق على أن بيع المكره على الظلم والجور لا يجوز .

وقال الأبهري : إنه إجماع . وقال مطرف وابن عبد الحكم وأصبغ : سواء وصل الثمن إلى المضغوط ، ثم دفعه إلى الذي ألجأه إلى بيع ما باعه أو كان الطالب هو تولى قبض الثمن من المبتاع ؛ لأن إنما يقبضه لغيره لا لنفسه ، فإن ظفر بمتاعه بيد من ابتاعه أو بيد من اشتراه من الذي ابتاعه فهو أحق به ولا شيء عليه من الثمن ، ليرجع الباعة بعضهم على بعض حتى يرجع المبتاع الأول على الظالم الذي وصل إليه الثمن ، فإن فات المبتاع رجع بقيمته الذي فات عنده أو بالثمن الذي بيع به أي ذلك كان أكثر ، فإن فات عند أحدهم بأكل أو لبس رجع بقيمته إن شاء أو يخير البيع ويأخذ الثمن من المبتاع عند الجماعة خلا ابن سحنون فإنه قال : يأخذ الثمن من المشتري ؛ لأنه رآه متعديا في دفعه لمن لا يستحقه .

[ ص: 32 ] قال الخطابي : استدل البخاري بهذا الحديث في جواز بيع المكره ، وإنما المكره من أكره على بيع ما لم يرد بيعه ، قال : واليهود لو لم يبيعوا أرضهم لم يحملوا عليه ، وإنما شحوا على أموالهم فاختاروا بيعها كأنهم اضطروا إلى بيعها كمن رهقه دين فاضطر إلى بيع ماله فيكون جائزا ولو أكره عليه لم يجز ، ولا تلزم هذه المعاوضة ؛ لأنه بوب باب : بيع المكره في الحق وغيره ، وإنما ينبغي على ما بوب أنه لم يذكر في الباب الإكراه على البيع في غير الحق .

فائدة :

( بيت المدراس ) : الموضع الذي يتدارسون فيه التوراة ، ومر (عبارة الخطابي فيه : إن الأرض لهم وإنهم باعوها .

وعبارة أبي جعفر فيه : إن الأرض لرسوله ؛ لأنه لم يوجف عليها فليتأمل ) ، وقال لهم ذلك ثلاثا ؛ تأكيدا للإبلاغ ولو أنذرهم مرة لاكتفى .

وقوله : " أريد أن أجليكم " قال الداودي ؛ لقوله تعالى : فانبذ إليهم على سواء [الأنفال : 58 ] قال : وهذه من الأرض التي خص الله بها رسوله إذ لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب .

قال : وقوله : " لله ولرسوله " يعني : الحكم فيها لهما ، قال : وقيل : قوله : "لله" مفتاح كلام .

[ ص: 33 ] وقوله : "أجليكم" هو رباعي من أجلى .

قال الجوهري : الجلاء : الخروج من البلد ، وقد جلوا عن أوطانهم وجلوتهم أنا ، يتعدى ولا يتعدى ، ويقال أيضا : أجلوا عن البلد وأجليتهم أنا ، كلاهما بالألف .

التالي السابق


الخدمات العلمية