التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
6552 6952 - حدثنا محمد بن عبد الرحيم ، حدثنا سعيد بن سليمان ، حدثنا هشيم ، [ ص: 47 ] أخبرنا عبيد الله بن أبي بكر بن أنس ، عن أنس - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " انصر أخاك ظالما أو مظلوما " . فقال رجل : يا رسول الله ، أنصره إذا كان مظلوما ، أفرأيت إذا كان ظالما كيف أنصره ؟ قال : "تحجزه -أو تمنعه - من الظلم ، فإن ذلك نصره " . [انظر : 2443 - فتح: 12 \ 321 ]


ثم ساق حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - : " المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته " .

وحديث أنس - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " انصر أخاك ظالما أومظلوما " . . الحديث .

الشرح :

المراد بالقود في قول البخاري : (فلا قود ولا قصاص ) يريد : ولا دية ؛ لأن الدية تسمى أرشا ، نبه عليه الداودي ، وأثر النخعي أخرجه ابن أبي شيبة ، عن يزيد بن هارون ، عن حماد بن سلمة ، عن حماد ، عن إبراهيم قال : إذا كان الحالف مظلوما فله أن يوري بيمينه ، وإن كان ظالما فليس له أن يوري ، وحدثنا جرير عن مغيرة ، عن إبراهيم في الرجل يستحلف بالطلاق ، فيحلف ، قال : اليمين على ما استحلفه الذي يستحلفه ، وليس نية الحالف بشيء ، وحدثنا يزيد ، ثنا هشيم ، ثنا عباد بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أبي هريرة رفعه " اليمين على نية المستحلف " . وهذا قول مالك ؛ (لأن ) اليمين على نية المظلوم أبدا ، وهو خلاف قول الكوفيين

[ ص: 48 ] الذين جوزوا التورية ويجعلون النية نية الحالف أبدا ، ويأتي الكلام في ذلك في الباب بعده إن شاء الله تعالى .

ومذهبنا أن العبرة بيمين الحالف إلا أن يكون المستحلف قاضيا لا ينفعه التورية اللهم إلا أن يحلفه بالطلاق فينفعه ؛ لأنه ليس له تحليفه به .

فإن قلت : كيف يكون المستحلف مظلوما ؟

جوابه : أنه إذا جحده رجل حقا له ، ولم يكن له بينة ، فإن الجاحد يحلف له وتكون النية نية المستحلف ؛ لأن الجاحد ظلمه .

فصل :

قد قررنا ما قاله إبراهيم النخعي هو قول مالك ، وذلك أن النية في اليمين على ثلاثة أوجه ، فإن كان بطلاق أوعتاق في حق على الحالف وأحلفه الطالب بحضرة نيته قضي بظاهر يمينه ولم ينو .

واختلف إذا لم يكن عليه بينة وأحلفه الطالب بحضرة نيته قضي بظاهر يمينه ولم ينو ، أو كانت ويمينه مما لا يقضى عليه ، هل ذلك إلى نيته ؛ أو إلى نية الطالب ، وإن دفع ظلما فله نيته وإن لم يجد إلى التخلص إلا باليمين .

وقال الداودي : يريد التخلص فيما بينه وبين الله ولو كان مظلوما ولغز بيمينه لكانت له نيته في الطلاق والعتاق والأيمان كلها ، وإن لم يلغز لزمه ذلك في الأيمان التي لا كفارة فيها عند أصحابهم .

فصل :

اختلف العلماء فيمن خشي على رجل القتل فقاتل دونه ، فقالت طائفة : إن قتل دونه فلا دية ولا قصاص ؛ دليلهم حديث الباب " انصر [ ص: 49 ] أخاك ظالما أو مظلوما " فدل عمومه أنه لا قود عليه إذا قاتل عن أخيه كنفسه .

وروي نحوه عن عمر - رضي الله عنه - . وذكر (ابن ) الماجشون أن رجلا هربت منه امرأته إلى أبيها في زمن عمر فذهب في طلبها مع رجلين فقام أبوها إليهم بيده عمود فأخذه منه أحدهما فضربه فكسر يده وأخذ الزوج منه امرأته فلم يقده عمر وقضى له بدية اليد .

قال ابن حبيب : لم ير فيه قصاصا ؛ لأنه كفه عن عدائه بنصرته له وليس على جهة العمد الذي فيه القصاص ، وقياس قول أشهب يدل أنه لا قصاص في ذلك ؛ لأنه قال في الرجل يختفي عنده مظلوم فيحلفه السلطان الجائر الذي يريد دمه وماله أو عقوبته إن كان عنده ، فقال : يحلف ولا حنث عليه ، وروي مثله عن أنس بن مالك قال : لأن أحلف تسعين يمينا أحب إلي من أن أدل على مسلم ، وقاله ميمون بن مهران .

وقالت طائفة : من قاتل دون غيره فقتل فعليه القود ، هذا قول الكوفيين ويشبه مذهب ابن القاسم ؛ لأنه قال في الرجل يختفي عنده الرجل من السلطان الجائر يخافه على نفسه أنه متى حلف أنه ليس عنده فهو حانث ، وإن كان مأجورا في إحياء نفسه ، فلما كان حانثا في حلفه عليه ، والحنث أيسر شأنا من القتل دل أنه ليس له أن يقاتل دونه ، وهذا قول أصبغ قال : لا يعذر أحد إلا في الدراءة عن نفسه ، ولا يدرأ عن ولده باليمين ، وهو حانث ، وقاله أكثر أصحاب مالك ، قالوا : وليس حديث الباب يبيح له قتل المتعدي على أخيه الظالم له ؛ [ ص: 50 ] لأن كلا الرجلين المتقاتلين أخ للذي أمره بالنصرة ، ونصرة كل واحد منهما لازم له ، وقال : فسر - عليه السلام - نصرة الظالم كيف يكفه عن الظلم ولم يأمره بقتل الظالم ولا استباحة دمه ، وإنما أراد نصره دون إراقة .

قال ابن بطال : وقال لي بعض الناس : معنى قول البخاري : (فلا قود عليه ) : هو أن يرى رجل رجلا يريد قتل آخر بغير حق ، فإن أمكنه دفعه توجه عليه بضربه بكل ممكن ، ولا ينوي بقتاله له إلا الدفع عن أخيه خاصة دون أن يقصد إلى قتل الظالم للمستنصر في تلك المدافعة ؛ فهو شهيد ، كما لو دافعه عن نفسه سواء ، فإن قدر المدافع على دفع الظالم بغير قتال أو بمقاتلة لا يكون فيها تلف نفس وقتله قاصدا لقتله ، فعليه القود ، وموضع التناقض الذي ألزمه البخاري لأبي حنيفة في هذا الباب هو أن ظالما لو أراد قتل رجل وقال لابن الذي أريد قتله : لتشربن الخمر أو لتأكلن الميتة ، إلى آخره ، لم يسعه ذلك ؛ لأنه ليس بمضطر عنده ، ووجهه أن الإكراه إنما يكون فيما يتوجه إلى الإنسان في خاصة نفسه لا في غيره ؛ لأنها معاص لله ليس له أن يدفع بها معاصي غيره (وينصر ) على قتل أبيه وابنه (فيقاتل ) قاتله ، ولا إثم على الابن ؛ لأنه لم يقدر على الدفع إلا بمعصية تركها ولا يحل له (ذلك ) ، ألا ترى قوله : (قيل له : لنقتلن أباك . . ) إلى آخره ؛ لأنه قد تقدم أنه يصبر على قتل أبيه أو ابنه أو ذي رحمه ، ولا يشرب الخمر ولا يأكل الميتة ، فعلى هذا ينبغي ألا يلزمه كل ما عقد على نفسه من عقد ، ولا يجوز له القيام في شيء منها كما لم [ ص: 51 ] يجز له الشرب والأكل في دفع القتل عما ذكرتم ، ثم ناقض لهذا المعنى بقوله : (ولكنا نستحسن ) . . إلى آخره ، فاستحسن بطلان البيع ، وكل ما عقده على نفسه وجعل له القيام فيه بعد أن تقدم من قوله : إن البيع والإقرار والهبة تلزمه في القياس ، ولا يجوز له القيام فيها واستحسانه كقول أشهب ، وقياسه كقول ابن القاسم المتقدمين .

وقول البخاري : ( فرقوا . . ) إلى آخره . يريد أن مذهب أبي حنيفة في ذوي الأرحام بخلاف مذهبه في الأختين ، فلو قيل لرجل : لنقتلن هذا الرجل الأجنبي أو لتبيعن عبدك أو تقر بدين أو هبة ففعل ذلك لينجيه من القتل لزمه جميع ما عقد على نفسه من ذلك ، ولم يكن له فيها قيام ، ولو قيل له ذلك في ذوي محارمه لم يلزمه ما عقد على نفسه من ذلك في استحسانه .

وعند البخاري ذوو الأرحام والأجنبيون سواء في أنه لا يلزمه ما عقد على نفسه في تخليص الأجنبي ؛ لقوله - عليه السلام - : " المسلم أخو المسلم " والمراد : أخوة الإسلام لا النسب ، وكذا قول إبراهيم في سارة : "أختي " . فأخوة الإسلام توجب على المسلم حماية أخيه المسلم والدفع عنه ، ولا يلزمه ما عقد على نفسه في ذلك من بيع ولا هبة ، وله القيام متى أحب ووسعه شرب الخمر وأكل الميتة ، ولا إثم عليه في ذلك ولا حد ، كما لو قيل له : لتفعلن هذه الأشياء أو لتقتلن . وسعه في نفسه إتيانها ، ولا يلزمه حكمها حري أن يسعه ذلك في حماية أبيه وأخيه في النسب وذوي محارمه ، ولا يلزمه ما عقد على نفسه من بيع أو هبة ، ولا فرق بينهما .

[ ص: 52 ] وقال الداودي : أما القتل فسواء كان المقتول ذا رحم أو غيره ، فقيل : المأمور والقاتل إن كان الآمر سيدا أو ذا سلطان أو الأب في ابنه الصغير أو من يخافه المأمور في ذلك .

وقال بعض المالكية : إن كان العبد فصيحا قتل وحده ، وإن كان أعجميا قتلا جميعا .

فصل :

وقوله : ( وإن قيل : له لتشربن الخمر ) إلى قوله : ( وسعه ذلك ) ، ثم قال : ( وقال بعض الناس ) إلى قوله : ( لم يسعه ) ، قال الداودي : إن أراد لم يسعه ترك القتل فصواب ، وأما الإقرار بالدين والهبة والبيع فلا يلزم .

واختلف أصحابنا في شرب الخمر وأكل الميتة هل فيه تقية ؟ ، فالذي رويناه في البخاري (وسعه ذلك ) ، وقوله هو الصحيح ، ويدل عليه قوله - عليه السلام - : " المسلم أخو المسلم " وظاهر كلامه أنه روي : (لتقتلن ) بالتاء للمخاطب ، والصحيح أنه بالنون (لنقتلن ) للمتكلم ، كأنه أراد : إن لم يفعل كذا ، فأنا أقتل أباك أو أخاك ، وكذلك رويناه بالنون بخلاف ظاهر تأويل الداودي .

وقال أبو عبد الملك : معنى (وسعه ذلك ) ، أي : تركه ، قال : والإكراه عند مالك في القول يصح ؛ لأنه يقول ما لا يعتقده ، وأما الفعل فلا يصح فيه الإكراه ؛ لأنه لا يكون إلا بنية وقصد ؛ لأن الزنا لا يكون إلا بعد قصد وانتشار وكذا القتل .

فصل :

واختلف العلماء في يمين المكره فذهب الكوفيون إلى أنه يحنث ، وذهب مالك إلى أن كل من أكره على يمين بوعيد أو سجن أو ضرب [ ص: 53 ] أنه يحلف ، ولا حنث عليه ، وهو قول الشافعي وأبي ثور وأكثر العلماء .

حجة الكوفيين : أن المكره كان له أن يوري في يمينه وأما من لم يور ولا ذهبت نيته إلى خلاف ما أكره عليه فقد قصد إلى اليمين ولو لم يرد أن يحلف يوري ؛ لأن الأعمال بالنيات فلذلك لزمته اليمين .

وحجة الأكثرين أنه إذا أكره على اليمين فنيته مخالفة لقوله ؛ لأنه كاره لما حلف عليه ؛ ولأن اليمين عندهم على نية الحالف وأنه حلف على ما لم يرده ولا قصد نيته ، وكل عمل لا نية فيه غير لازم ولا يصح الإكراه إلا أن يكون الفعل فيه مخالفا للنية والقصد .

وقد روى سليمان بن ميسرة عن النزال بن سبرة قال : التقى عثمان وحذيفة عند باب الكعبة ، فقال له عثمان : أنت القائل الكلمة التي بلغتني ؟ فقال : لا والله ما قلتها ، فلما خلوت به قلنا : يا أبا عبد الله حلفت له ، وقد قلت ما قلت ، قال : إني أشتري ديني بعضه ببعض ؛ مخافة أن يذهب كله . وقال الحسن البصري : أعطهم ما شاءوا بلسانك إذا خفتهم .

فرع : قال ابن القاسم : إذا استحلفه على مال يخاف هلاكه لزمه اليمين .

وقال عبد الملك : إن كان يسيرا لم يوره وإلا ورى .

آخر الإكراه ولله الحمد

التالي السابق


الخدمات العلمية