التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
6619 [ ص: 210 ] 30 - باب: الاستراحة في المنام .

7022 - حدثنا إسحاق بن إبراهيم ، حدثنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن همام أنه سمع أبا هريرة - رضي الله عنه - يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " بينا أنا نائم رأيت أني على حوض أسقي الناس ، فأتاني أبو بكر فأخذ الدلو من يدي ليريحني ، فنزع ذنوبين وفي نزعه ضعف ، والله يغفر له ، فأتى ابن الخطاب فأخذ منه ، فلم يزل ينزع حتى تولى الناس والحوض يتفجر " . [انظر 3664 - مسلم : 2392 - فتح: 12 \ 415 ]


ثم ساق حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أيضا .

قال الخطابي : هو مثل في تأويله ، وإنما يراد بالمثل تقريب علم الشيء وإيضاحه بذكر نظيره ، وفي إغفال بيانه والذهاب عن معناه وعن موضع التشبيه فيه إبطال فائدة المثل وإثبات الفضيلة لعمر على الصديق ؛ إذ قد وصف بالقوة من حيث وصف الصديق بالضعف ، وتلك خطة أباها المسلمون [والمعنى ] -والله أعلم - : أنه إنما أراد بهذا إثبات خلافتهما ، والإخبار عن مدة ولايتهما ، والإبانة عما جرى عليه أحوال أمته في أيامهما ؛ فشبه أمر المسلمين بالقليب ، وهي البئر العادية ؛ وذلك لما يكون فيها من الماء الذي به حياة العباد وصلاح البلاد ، وشبه الوالي عليهم والقائم بأمورهم بالنازع الذي يستقي ، يقربه من الوارد ، ونزع أبي بكر ذنوبا أو ذنوبين على ضعف فيه إنما هو قصر مدة خلافته .

والذنوبان مثل ما في السنتين اللتين وليهما وأشهر بعدهما ، وانقضت أيامه في قتال أهل الردة وإصلاح أهل الدعوة ، ولم يتفرغ لافتتاح [ ص: 211 ] الأمصار وجباية الأموال فذلك ضعف نزعه .

وأما عمر فطالت أيامه واتسعت ولايته ، وفتح الله على يديه العراق والسواد وأرض مصر وكثيرا من بلاد الشام ، وقد غنم أموالها وقسمها في المسلمين ، فأخصبت رحالهم ، وحسنت بها أحوالهم ، فكان جودة نزعه مثلا لما نالوا من الخير في زمانه .

وذكر الطبري مثله عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال : فتأول الناس معنى قوله : "حتى ضرب الناس بعطن " بأبي بكر وعمر . قال الخطابي : والعرب تضرب المثل في المفاخرة والمغالبة بالمساقاة والمساجلة ، فتقول : فلانا يساجل فلانا أي : يقاومه ويغالبه ، وأصل ذلك أن يستقي ساقيان ، فيخرج كل واحد منهما في سجله ما يخرج الآخر فأيهما نكل غلب . قال العباس بن الفضل بن العباس بن عبد المطلب وهو على بئر :


من يساجلني يساجل ماجدا يملأ الدلو إلى عقد الكرب



فسمعه الفرزدق فنضا ثيابه فقال : أنا أساجلك إدلالا منه بآبائه . فلما انتسب له العباس لبس ثيابه ، وقال : ما يساجلك إلا ابن فاعلة .

[ ص: 212 ] فصل :

ذكر الداودي وأبو عبد الملك أيضا أن معنى قوله : " وفي نزعه ضعف " قلة مقامه ، قال ابن التين : وفيه نظر ؛ لقوله : "والله يغفر له " . كلمة تقال على التشريف كقوله : عفا الله عنك [التوبة : 43 ] واستشكل أيضا قال : فكأنما أحيا الله بأبي بكر وأصلح على يديه لقلة عهده ، ولا هونا عند الله كما حلف عليه هو ثلاثا ، ثم ذكر قيامه وما أراد منه المسلمون أن يكف عن قتال مانعي الزكاة ويمسك جيش أسامة فأبى إلا القتال ، فرجع المسلمون إليه ، وأخرج أسامة إلى الوجه الذي بعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقاتل أهل الردة ، وانقطع أطماع أهل الكفر والنفاق ، وجمع (الله ) أمر المسلمين فلم يزل صاعدا .

والذنوب : الدلو الملأى وتكون النضيب ، قال صاحب "العين " : نزعت الشيء نزعا : قلعته ، وبئر نزوع : إذا نزعت دلاؤها بالأيدي ، وجمل نزوع : ينزع عليه الماء .

فصل :

وقوله : (" فاستحالت غربا " ) أي : استحالت الدلو غربا ، والغرب : الدلو العظيمة ، كما ذكره في "المجمل " و"الصحاح " والقزاز . زاد أبو عبد الملك : والغرب كل شيء رفيع . وقال الداودي : يعني الخطوط الحمر التي ترى بباطن الكف عند رفع الدلاء . والعبقري : الحاذق ، وقيل : المقدم . وقال الأصمعي : السيد . وقال أبو عبيد :

[ ص: 213 ] وأصله -فيما يقال - أنه نسب إلى عبقر ؛ موضع تزعم العرب أنه من أرض الجن ، قال لبيد :


. . . . . . . . . . . . . . . .     كهول وشبان كجنة عبقر .



ثم نسبوا إليه كل ما تعجبوا من حرفة أو جودة صنعته ولونه ، وهو واحد وجمع ، والأواني عبقرية . وقال الداودي : عبقر قرية يصنع بها الديباج الحسن ، ومن هذا قيل للبسط : عبقرية .

وقوله : ( يفري فريه ) . أي : يعمل عمله ويقول كقوله ، وهو مشدد الياء ، ومنه قوله تعالى : لقد جئت شيئا فريا [مريم : 27 ] وأنشد فيه قول الراجز :


قد أطعمتني دقلا حوليا     مسوسا ومدودا مجريا



قد كنت تفري به الفريا أي : قد كنت تكثرين فيه القول وتعظمينه ، ومسوس -بكسر الواو - وكذا مدود ، يقال : ساس الطعام وأساس وسوس أيضا ، وكذلك داد وداود ودود ، وقال الخليل : يقال في الشجاع : ما يفري أحد فريه ، مخففة الياء ، ومن شدد أخطأ .

والعطن ما حول الحوض والبئر من مبارك الإبل للشرب عللا بعد نهل ، ومعنى ضربت بعطن : بركت . قال ابن السكيت : وكذلك تقول : هذا عطن الغنم . قال في "المجمل " عن بعض أهل العلم باللغة : لا تكون أعطان الإبل إلا على الماء ، فأما مباركها في (المرابد ) أو عند الحي ، فهي المأوى ، ويكون مناخها مراحا أيضا ، والعطن [ ص: 214 ] والمعطن واحد . وقال ابن الأعرابي : أصل العطن : (الموضع ) الذي تبرك فيه الإبل قرب الماء إذا شربت ؛ لتعاد إليها إن أرادت ذلك . يقال : عطنت الإبل وأعطنها صاحبها ، والمعنى : أن الناس انبسطوا في ولاية عمر ، وانتشرت ولايتهم ، وفتحوا البلاد حتى قسموا المسك بالصاع . وقال الداودي : قيل له : عطن ؛ لتغير رائحته .

فصل :

قوله : (" فأخذها ابن أبي قحافة " ) . هو الصديق كما في الروايات ، وأبو قحافة : عثمان .

فصل :

قال المهلب : وفيه دليل أن الدنيا للصالحين دار نصب وتعب ، وأن الراحة منها في الموت على الصلاح والدين ، كما استراح من تعب ذلك السقي بالموت .

والحوض -في قوله : " بينا أنا نائم رأيتني على حوض أسقي الناس فأتاني أبو بكر . . " إلى آخره - معدن العلم ، هو القرآن الذي يغترف الناس كلهم منه دون أن ينقص حتى يرووا ، وهو معدن لا يفنى ولا ينتقص .

التالي السابق


الخدمات العلمية