التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
6757 7179 - حدثنا قتيبة ، حدثنا الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن عراك ، عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " إن شر الناس ذو الوجهين ، الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه " . [انظر : 3494 - مسلم : 2526 - فتح: 13 \ 170 ]


ذكر فيه حديث عاصم بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ، عن أبيه ، قال أناس لابن عمر : إنا ندخل على سلطاننا فنقول لهم خلاف ما نتكلم إذا خرجنا من عندهم . قال : كنا نعد هذا نفاقا .

وحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : "إن شر الناس ذو الوجهين ، الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه " .

الشرح :

لا ينبغي لمؤمن أن يثني على سلطان أو غيره في وجهه وهو عنده مستحق للذم ، ولا يقول بحضرته خلاف ما يقوله إذا خرج من عنده ؛ لأن ذلك نفاق ، كما قال ابن عمر - رضي الله عنهما - ، وقال فيه - عليه السلام - : "شر الناس ذو الوجهين " . لأنه يظهر لأهل الباطل الرضا عنهم ، ويظهر لأهل الحق مثل ذلك ؛ ليرضي كل فريق منهم ، (ويريد ) أنه منهم ، [ ص: 535 ] وهذه (المذاهب ) المحرمة على المؤمنين .

فإن قلت : إن حديث ابن عمر وحديث أبي هريرة يعارضان قوله - عليه السلام - للذي يستأذن عليه : "بئس ابن العشيرة " ثم يلقاه بوجه طلق وترحيب .

قلت : لا تعارض ؛ لأنه - عليه السلام - لم يقل خلاف ما قاله عنه بل أبقاه على التجريح عند السامع ، ثم تفضل عليه بحسن اللقاء والترحيب لما كان يلزمه - عليه السلام - من الاستئلاف ، وكان يلزمه التعريف لخاصته بأهل التخليط والتهمة بالنفاق ، وقد قيل : إن تلقيه له بالبشر إنما كان لاتقاء شره ، وليكف بذلك أذاه عن المسلمين ، فإنما قصد بالوجهين جميعا إلى نفع المسلمين بأن (عرفه ) بسوء حاله ، وبأن كفاهم ببشره له أذاه وشره ، وذو الوجهين بخلاف هذا ؛ لأنه (لا ) يقول الشيء بالحضرة ، وقد قال ضده في غير الحضرة ، وهذا تناقض . فالذي فعله - عليه السلام - محكم مبين لا تناقض فيه ؛ لأنه لم يقل لابن العشيرة عند لقائه إنه فاضل ولا صالح ؛ بخلاف ما قال فيه في غير وجهه ، ومن هذا الحديث استجاز الفقهاء التجريح والإعلام بما يظن [من ] سوء حال الرجل إذا خشى منه على المسلمين .

[ ص: 536 ] وقد سلف التقصي في كتاب الأدب في باب المداراة مع الناس الكلام في معنى قوله - عليه السلام - : "بئس ابن العشيرة " . وهذه صفة المنافق الذي يبدي للناس شيئا ويكتم غيره .

التالي السابق


الخدمات العلمية