التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
6766 [ ص: 553 ] 35 - باب: إذا قضى الحاكم بجور أو خلاف أهل العلم فهو رد

7189 - حدثنا محمود ، حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - خالدا ح وحدثني نعيم ، أخبرنا عبد الله ، أخبرنا معمر ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه قال : بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - خالد بن الوليد إلى بني جذيمة ، فلم يحسنوا أن يقولوا : أسلمنا ، فقالوا : صبأنا صبأنا ، فجعل خالد يقتل ويأسر ، ودفع إلى كل رجل منا أسيره ، فأمر كل رجل منا أن يقتل أسيره ، فقلت والله لا أقتل أسيري ، ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره . فذكرنا ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : " اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد " . مرتين . [انظر : 4339 - فتح: 13 \ 181 ]


ذكر فيه حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - قال : بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - خالد بن الوليد إلى بني جذيمة ، فلم يحسنوا أن يقولوا : أسلمنا . . الحديث . سلف في المغازي .

وجذيمة : ابن عامر بن عبد مناة بن كنانة ، أهل الغميضاء بين مكة واليمن .

قال الداودي : لم ير - عليه السلام - على خالد قودا ؛ لأنه متأول ولم يذكر فيه دية ولا كفارة ، فإما أن يكون ذلك قبل نزول الآية ، أو سقط ذلك عن المحدث ، أو سكت عنه لعلم السامع به .

وقال الخطابي : إنما نقم - عليه السلام - على خالد ؛ لاستعجاله في شأنهم ، وترك التثبت في أمرهم إلى أن يتبين ما أرادوا بقولهم : صبأنا ؛ لأن [ ص: 554 ] الصبأ خروج من دين إلى دين .

وقوله : "أبرأ إليك من فعل خالد " على وجه الإنكار عليه ، والتعريف بأنه لم يأذن له في ذلك لئلا يعتقد أن فعل خالد كان بإذنه ، ولينتهي غيره عن مثل ذلك .

فصل :

لم يختلف العلماء أن القاضي إذا قضى بجور أو خلاف أهل العلم فهو مردود ، فإن كان على وجه الاجتهاد والتأويل كما صنع خالد فإن الإثم ساقط فيه ، والضمان لازم في ذلك عند عامة أهل العلم ، إلا أنهم اختلفوا في ضمان ذلك على ما يأتي بيانه .

ووجه موافقة الحديث للترجمة قوله - عليه السلام - : "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد " . يدل تبرؤه من قتل خالد الذين قالوا : صبأنا أن قتله له حكم منه بغير الحق ؛ لأن الله تعالى يعلم الألسنة كلها ، ويقبل الإيمان من جميع أهل الملل بألسنتهم ، لكن عذره الشارع بالتأويل إذ كل متأول فلا عقوبة عليه ولا إثم .

فصل :

واختلفوا في ضمان خطأ الحاكم ، فقالت طائفة : إذا أخطأ الحاكم في حكمه في قتل أو جرح فدية ذلك في بيت المال ، هذا قول الثوري وأبي حنيفة وأحمد وإسحاق .

وقالت أخرى : هو على عاقلة الإمام والحاكم . وهو قول الأوزاعي [ ص: 555 ] وأبي يوسف ومحمد والشافعي ، وليس فيها جواب لمالك [واختلف أصحابه فيها ] . فقال ابن القاسم كقول الأوزاعي وقال في الشاهدين إذا شهدا في دم أو عتق أو طلاق ، [أرى أن يضمنا الدين ] ويكون عليهما قيمة العبد في العتق ، وقصاص القتل في أموالهما . وهو قول أشهب في الشاهدين ، وقال في الأموال : مضمونة بالخطأ كما هي في العمد ، وليست كالدماء ، وهو قول أصبغ .

وقال ابن الماجشون : ليس على الحاكم شيء من الدية في ماله ولا على عاقلته ولا على بيت المال ، وكذلك قال في الشاهدين إذا رجعا عن شهادتهما وادعيا الغلط أنه لا غرم عليهما ، وهو قول محمد بن مسلمة .

وذكر ابن حبيب أن قول ابن الماجشون هو قول المغيرة ، وابن دينار ، وابن أبي حازم وغيرهم .

وحجة من لم يوجب الدية أنه لم يرد في الحديث أنه - عليه السلام - أغرمه الدية ولا غرمها عنه -قلت : صحح الحاكم أنه - عليه السلام - أرسل إليهم عليا فودى قتلاهم .

[ ص: 556 ] وقوله - عليه السلام - : "إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر " ولا يجوز أن يؤجر إلا على ما هو بفعله مطيع ، فإذا كان مطيعا فما صدر عنه من [تلف ] نفس أو مال فلا ضمان عليه ، وهو اختيار إسماعيل بن إسحاق .

وحجة من أوجب الضمان والدية : الإجماع على أن الأموال مضمونة بالخطأ كما هي بالعمد ، ولا تسقط الدية في ذلك من أجل أنها لم يذكر في الحديث وجوبه كما لم تسقط في الناقتين عن حمزة حين جب أسنمتهما وبقر خواصرهما ، وإن كان لم يذكر في ذلك الحديث .

وروي عن عثمان - رضي الله عنه - أنه جعل عقل المرأة التي أمر برجمها على عاقلته .

وروي أن امرأة ذكرت بالزنا عند عمر - رضي الله عنه -[فبعث إليها ] ففزعت وألقت ما في بطنها ، فاستشار الصحابة في ذلك ، فقال له عبد الرحمن وغيره : إنما أنت مؤدب ولا شيء عليك ، فقال لعلي - رضي الله عنه - ما تقول فقال : إن كان اجتهدوا فقد أخطئوا وعليك الدية ، قال عمر - رضي الله عنه - : عزمت عليك لتقسمنها على قومك ، فأوجب علي بحضرة الصحابة الدية ، وألزم بها عمر - رضي الله عنه - ، وقسمها على عاقلته ، والمرأة وإن كانت أسقطت من الفزع فهو من جهته .

[ ص: 557 ] وليس في قوله - صلى الله عليه وسلم - : "إذا اجتهد الحاكم فأخطأ " دليل على إسقاط الضمان في ذلك ، وإنما فيه سقوط الإثم عن المجتهد وأنه مأجور إن لم يتعمد ذلك الخطأ ، ولا يفهم من الحديث زوال الضمان .

التالي السابق


الخدمات العلمية