التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
6913 7345 - حدثنا عبد الرحمن بن المبارك، حدثنا الفضيل، حدثنا موسى بن عقبة: حدثني سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أري وهو في معرسه بذي الحليفة، فقيل له: إنك ببطحاء مباركة. [ انظر: 483 - مسلم: 1346 - فتح: 13 \ 306 ].


ذكر فيه أحاديث فوق العشرين:

أحدها:

حديث جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - : أن أعرابيا بايع النبي - صلى الله عليه وسلم - . الحديث. فقال: أقلني بيعتي. إلى أن قال: "إنما المدينة كالكير، تنفي خبثها وينصع طيبها".

ثانيها:

حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - : كنت أقرئ عبد الرحمن بن عوف، فلما كان آخر حجة حجها عمر فقال عبد الرحمن بمنى: لو شهدت أمير المؤمنين، أتاه رجل. . . الحديث إلى أن قال: فأمهل حتى تقدم المدينة دار الهجرة.

[ ص: 102 ] قوله: "رعاع الناس" أي: غوغاؤهم وسقاطهم وأخلاطهم، الواحد رعاعة، وسائر الناس همج ورعاع، ورد في حديث علي - رضي الله عنه - .

ثالثها:

حديث حماد، عن أيوب، عن محمد قال: كنا عند أبي هريرة - رضي الله عنه - وعليه ثوبان ممشقان من كتان، فتمخط فقال: بخ بخ، أبو هريرة يتمخط في الكتان، لقد رأيتني وإني لأخر فيما بين منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى حجرة عائشة مغشيا علي، فيجيء الجائي فيضع رجله على عنقي، ويرى أني مجنون، وما بي من جنون، ما بي إلا الجوع.

المشق: بكسر الميم: المغرة وثوب ممشق مصبوغ به.

رابعها:

حديث عبد الرحمن بن عابس قال: سئل ابن عباس - رضي الله عنهما - : أشهدت العيد مع النبي رسول الله؟ قال: نعم، ولولا مكاني منه ما شهدته من الصغر، فأتى العلم الذي عند دار كثير بن الصلت فصلى ثم خطب. الحديث.

خامسها:

حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يأتي قباء ماشيا وراكبا.

سادسها:

حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت لعبد الله بن الزبير: ادفني مع صواحبي ولا تدفني مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في البيت، فإني أكره أن أزكى. وعن هشام، عن أبيه أن عمر - رضي الله عنه - أرسل إلى عائشة - رضي الله عنها - : ائذني لي أن أدفن مع صاحبي، فقالت: إني والله لا أوثرهم بأحد أبدا.

[ ص: 103 ] سابعها:

حديث أنس - رضي الله عنه - : أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي العصر فيأتي العوالي والشمس مرتفعة. زاد الليث، عن يونس: وبعد العوالي أربعة أميال أو ثلاثة.

وفي إسناده أبو بكر بن أبي أويس، واسمه عبد الحميد بن عبد الله الأعشى أخو إسماعيل.

ثامنها:

حديث القاسم بن مالك، عن الجعيد، سمعت السائب بن يزيد يقول: كان الصاع على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - مدا وثلثا بمدكم اليوم، وقد زيد فيه.

سمع القاسم بن مالك الجعيد.

تاسعها:

حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - : "اللهم بارك لهم في مكيالهم. . " الحديث يعني: أهل المدينة.

عاشرها:

حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - : أن اليهود جاءوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برجل وامرأة زنيا، فأمر بهما فرجما قريبا من حيث توضع الجنائز عند المسجد.

الحادي عشر:

حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - أنه - صلى الله عليه وسلم - طلع له أحد فقال: "هذا جبل يحبنا ونحبه، اللهم إن إبراهيم حرم مكة، وإني أحرم ما بين لابتيها".

تابعه سهل - رضي الله عنه - ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في أحد.

[ ص: 104 ] الثاني عشر:

حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - : "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة".

الرابع عشر:

حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - : سابق النبي - صلى الله عليه وسلم - بين الخيل، الحديث.

الخامس عشر:

حدثني إسحاق، أنا عيسى وابن إدريس: - وهو عبد الله بن إدريس بن يزيد بن عبد الرحمن، أبو محمد الأزدي الكوفي أخرج له مسلم أيضا - وابن أبي غنية: - وهو يحيى بن عبد الملك بن حميد بن أبي غنية الكوفي، وأصله من أصبهان تحولوا عنها حين فتحها أبو موسى، أخرج له مسلم أيضا - عن أبي حيان: - واسمه يحيى بن سعيد بن حيان التيمي الكوفي، أخرج له مسلم أيضا - عن الشعبي - وهو أبو عمرو عامر بن شراحيل - عن ابن عمر قال: سمعت عمر - رضي الله عنه - على منبر النبي - صلى الله عليه وسلم - .

السادس عشر:

حديث السائب بن يزيد: سمع عثمان بن عفان - رضي الله عنه - : خطبنا على منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

السابع عشر:

حديث هشام بن عروة عن أبيه: أن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قد كان يوضع لي ولرسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا المركن فنشرع فيه جميعا.

[ ص: 105 ] المركن: الإجانة.

الثامن عشر:

حديث أنس - رضي الله عنه - قال: حالف النبي - صلى الله عليه وسلم - بين الأنصار وقريش في داري التي بالمدينة.

وقنت شهرا يدعو على أحياء من بني سليم.

التاسع عشر:

حديث بريد عن أبي بردة قال: قدمت المدينة، فلقيني عبد الله بن سلام فقال لي: انطلق إلى المنزل، فأسقيك في قدح شرب فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وتصلي في مسجد صلى فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . فانطلقت معه، فسقاني سويقا وأطعمني تمرا، وصليت في مسجده.

العشرون:

حديث ابن عباس، عن عمر - رضي الله عنه - أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "أتاني الليلة آت من ربي وهو بالعقيق أن صل في هذا الوادي المبارك، قل: عمرة وحجة". وقال هارون بن إسماعيل: ثنا علي: "عمرة في حجة".

الحادي بعد العشرين:

حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - : وقت النبي - صلى الله عليه وسلم - قرنا لأهل نجد، وبلغني أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لأهل اليمن يلملم". وذكر العراق فقال: لم يكن عراق يومئذ.

الثاني بعد العشرين: حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - أيضا: عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أري وهو في معرسه بذي الحليفة، فقيل له: إنك ببطحاء مباركة.

[ ص: 106 ] الشرح:

ما أجمع عليه أهل الحرمين من الصحابة، ولم يخالف صاحب من غيرها فهو إجماع كذا قيده ابن التين، ثم نقل عن سحنون أنه إذا خالف ابن عباس - رضي الله عنهما - أهل المدينة لم ينعقد لهم إجماع قال: وإذا أجمع أهل عصر على قول حتى ينقرض ولم يتقدم فيه خلاف فهو إجماع، قال: واختلف إذا كان من الصحابة اختلاف ثم أجمع من بعدهم على أحد أقوالهم، هل يكون ذلك إجماعا؟ والصحيح أنه ليس بإجماع، واختلف في الواحد إذا خالف الجماعة، هل يؤثر في إجماعهم، وكذلك اثنين وثلاثة من العدد الكثير. قال: وقيل بأهل المدينة المقيمين بها دون الظاعنين عنها.

وهذا بعيد، قد خرج منها وأقام بغيرها حتى توفي علي وعمار والأشعري وأبو مسعود بن بدر وأنس - رضي الله عنهم - ، وكان أكثر مقام ابن مسعود العراق، وكان بها سعد والمغيرة وخلق من الصحابة أكثر من مائتي رجل، وخرج معاوية - رضي الله عنه - إلى الشام، وأبو عبيدة - رضي الله عنه - وأبو الدرداء، وحذيفة - رضي الله عنه - وكثير من الصحابة؟ وكان ابن عباس - رضي الله عنهما - ولاه علي - رضي الله عنه - العراق ثم أقام بالطائف حتى مات بها فيبقى هؤلاء من ذلك، إلا أن أكثر الصحابة كان بالمدينة ألا تسمع قول ابن عوف [ ص: 107 ] لعمر - رضي الله عنهما - : أمهل حتى تأتي المدينة فتخلص بأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

وقال ابن بطال: اختلف أهل العلم فيما هم فيه أهل المدينة حجة على غيرهم من الأمصار، فكان الأبهري يقول: أهل المدينة حجة على غيرهم من طريق الاستنباط، ثم رجع فقال: قولهم من طريق النقل أولى من طريق غيرهم، وهم وغيرهم سواء في الاجتهاد، وهذا قول الشافعي.

وذهب أبو بكر بن الطيب إلى أن قولهم أولى من طريق الاجتهاد والنقل جميعا، وذهب أصحاب أبي حنيفة إلى أنهم ليسوا حجة على غيرهم لا من طريق النقل ولا من طريق الاجتهاد، واحتج من قال: هم أولى بالاجتهاد من غيرهم; لأنهم شاهدوا التنزيل وأقاويل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعرفوا معاني خطابه وفحوى كلامه، فلذلك هم أولى من غيرهم بالاستنباط.

[ ص: 108 ] واحتج أصحابنا فقالوا: من قال هذا القول فقد قال بالتقليد، وقد أخذ علينا النظر في أقاويل الصحابة والترجيح في اختلافهم، فإذا قام لنا الدليل على أحد القولين وجب المصير إليه، وإذا صح هذا بطل التقليد، وإنما هم أولى من غيرهم من طريق النقل; لصحة عدالتهم ومعايشتهم التنزيل ومشاهداتهم للعمل، فأما الاستنباط فالناس كلهم فيه سواء.

فصل:

غرض البخاري في الباب كما قال المهلب: تفضيل المدينة بما خصها الله من معالم الدين، وأنها دار الوحي ومهبط الملائكة والرحمة، وبقعة شرفها الله تعالى بسكنى رسوله وجعل فيها قبره ومنبره وبينهما روضة من رياض الجنة، وجعلها كالكير تنفي الخبث وتخلص الباقي حتى لا يشوبهم ميل عن الحق.

ألا ترى قول ابن عوف - رضي الله عنه - لعمر - رضي الله عنه - : إنها دار الهجرة والسنة، وإن أهلها أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذين خصهم الله بفهم العلم وقوة التمييز والمعرفة بإنزال الأمور منازلها.

فصل:

وأما حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - فإنما ذكر وقوعه بين المنبر وحجرة عائشة - رضي الله عنها - اللذين هما من معالم الدين وروضة من رياض الجنة، إعلاما منه لصبره على الجوع في طلب العلم، ولزوم الشارع حتى حفظ من العلم، ما كان حجة على الآفاق ببركة صبره على المدينة.

[ ص: 109 ] فصل:

والوعك في حديث جابر - رضي الله عنه - الحمى، قاله ابن فارس قال: ويقال مغث المرض، وفي "الصحاح": الوعك مغث الحمى.

وقوله: ( أقلني بيعتي ) كأنه كان بويع على الهجرة والإقامة بالمدينة، فخروجه من المدينة شبيه بالارتداد، وكانت الهجرة فرضا على كل من أسلم إلى أن فتحت مكة، وقيل: كانت على أهل الحاضرة دون البادية، وقيل: كانت واجبة على كل أهل.

و ( الكير ) هنا الفرن الذي يحمى ليخرج خبث الحديد قاله القزاز. قال: وفيه لغتان: كير وكور، وفي "الصحاح" قال أبو عمرو: الكير: كير الحداد، وهو زق أو جلد ذو حافات، وأما المبني من الطين فهو الكور. والذي يظهر في الحديث أنه المبني; لأنه الذي يخرج الخبث، وقال أبو عبد الملك: يعني نار الكير، يريد: الذي يخرج الشرار ويحبس الخيار، قال: "وينصع طيبها" معناه: يفوح وينتشر، قال: ويروى "وينضخ" بالضاد والخاء المعجمتين أي: يكون طيبها عليها كالخلوق، ومنه قوله تعالى: نضاختان [ الرحمن: 96 ]، أي: تنضخان من الماء، وهو أكثر من النضح، قال: ورواية ثالثة - بالحاء المهملة - وهو ما زق منه، يقال: نضحت عليه الماء، وقد أتى: "تنضح" بمثناة فوق، و "طيبها" بفتح الطاء والباء، وقال أبو الحسن: "تنضح" بالتاء، والذي روي لنا من "الموطأ" وينصع [ ص: 110 ] بالياء و"طيبها" ( بضم الياء، وكسر الباء )، وكذا فسره الجوهري، وقد سلف كل ذلك وأعدناه لبعده.

فصل:

وأما قول ابن عباس - رضي الله عنهما - : ( شهدت العيد ولولا مكاني من الصغر ما شهدته ) فمعناه: أن صغير أهل المدينة وكبيرهم ونساءهم وخدمهم ضبطوا العلم والسنن معاينة منهم في مواطن العمل من شارعها المبين عن الله، وليس لغيرهم هذه المنزلة.

وأما إتيانه - عليه السلام - قباء، فمعناه معاينته ماشيا وراكبا في قصد مسجد قباء وهو معلم من معالم الفضل ومشهد من مشاهده، وليس ذلك لغير المدينة فكان يعم أهل المدينة ومن حولها بالوصول إليهم لينالوا بركته.

فصل:

وأما حديث عائشة - رضي الله عنها - وأمرها أن تدفن مع صواحبها كراهة أن تزكى بالدفن في بيتها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصاحبيه; لئلا يظن أحد أنها أفضل الصحابة بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصاحبيه، ألا تسمع قول مالك للرشيد حين سأله عن منزلة أبي بكر وعمر من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حياته، فقال له: منزلتهما منه في حياته; كمنزلتهما منه بعد مماته. فزكاهما بالقرب منه في البقعة المباركة التي خلق الله منها خير البرية [ ص: 111 ] وأعاده فيها بعد مماته، فقام لمالك الدليل من دفنهما معه على أنهما أفضل أصحابه; لاختصاصهما بذلك.

فصل:

واحتج الأبهري على أن المدينة أفضل من مكة بأنه - عليه السلام - مخلوق من تربة المدينة وهو أفضل البشر فكانت تربته أفضل الترب.

فصل:

وفيه: تواضع عائشة - رضي الله عنها - أيضا بأن لا ترى نفسها أهلا للدفن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وإيثارها بالمكان لعمر لا ينافي هذا، وقد تكون نوت أن تقبر بالمكان الذي قبر به من وراء أبيها ويقرب برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبقي مكان آخر، فنظرت في أمرها وقالت: لا أزكى به، وقولها: ( وكان الرجل إذا أرسل إليها من الصحابة قالت: لا والله لا أوثرهم بأحد أبدا ) أي: لا آثرت أحدا بإقباره معهم، قال ابن التين: كذا وقع وصوابه: لا أوثر أحدا، ولم يظهر لي وجه صوابه.

فصل:

( الرعاع ) بفتح الراء وهم الأحداث الطغام قاله الجوهري وقد أسلفناه قريبا بزيادة، وقوله: ( فيطير بها كل مطير ). أي: تتأول على خلاف وجهها.

فصل:

قد أسلفنا تفسير ( المشق ) وأنه الصبغ، و ( بخ بخ ) بإسكان الخاء، فإن وصلت خفضت ونونت، فقلت: بخ بخ. وربما شددت كالاسم، [ ص: 112 ] قال الجوهري: وهي كلمة تقال عند المدح والرضى بالشيء، وقد تكون للمبالغة، عبارة ابن بطال: هي كلمة تقال عند الإعجاب بالتخفيف والتثقيل.

فصل:

قوله في حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - في العيد ( فصلى ثم خطب ) هو ما عليه جماعة العلماء أن الخطبة بعدها، واختلف فيمن أحدثها قبل؟ فقيل: مروان، وهو ما سبق، وقال مالك في "مبسوطه": عثمان، وفعله; ليدرك الناس الصلاة. وروي عن يوسف ابن عبد الله بن سلام: إن أول من فعله عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لما رأى الناس ينقصون إذا صلى فحبسهم للخطبة.

فصل:

( ولم يذكر أذانا ولا إقامة ) وعليه جماعة الفقهاء والصدر الأول، واختلف فيمن أحدث ذلك، فقال أبو قلابة: عبد الله بن الزبير، وقال ابن المسيب: معاوية، وقال ابن حبيب: هشام، وقال [ ص: 113 ] القنازعي: زياد، وقال الداودي: مروان. وقوله: ( فأمر بلالا، فأتاهن ) في أكثر الأحاديث أنه - عليه السلام - أتاهن ومعه بلال.

فصل:

وأما حديث أنس - رضي الله عنه - : أنه - عليه السلام - كان يصلي العصر فيأتي العوالي والشمس مرتفعة. فمعناه: أن بين العوالي وبين مسجد المدينة للماشي معلم من معالم ما بين الصلاتين يستغني الماشي فيها يوم الغيم عن معرفة الشمس، وذلك معدوم في سائر الأرض، فإذا كانت مقادير الزمان مقصبة بالمدينة لمكان باد للعيان ينقله العلماء إلى أهل الإيمان ليمتثلوه في أقاصي البلدان، فكيف يساويه أهل بلدة غيرها، وكذلك دعاؤه لهم بالبركة في مكيالهم خصهم من بركة دعوته ما اضطر أهل الآفاق إلى القصد إلى المدينة في ذلك المعيار المدعو له; بالبركة; ليمسكوه وجعلوه سنة في معايشهم وهو ما فرض الله عليهم لعيالهم وظهرت البركة لأهل بلد في ذلك المكيال، ومعنى: "اللهم بارك لهم في مكيالهم، وصاعهم ومدهم" ما يكال بها وأضمر ذلك لأنه مفهوم الخطاب مثل: واسأل القرية [ يوسف: 82 ] وكان مدهم صغيرا لقلة الطعام عندهم، فدعا لهم ليبارك لهم فيه.

[ ص: 114 ] فصل:

وبعد العوالي أربعة أميال أو [ ثلاثة ]، كما ذكر البخاري عن يونس ولعل هذا كان في نهار الصيف، وفيه دليل على أبي حنيفة القائل: أن العصر وقته إذا صار ظل كل شيء مثليه ; لأنه يبعد أن يصلي العصر ثم يمشي أربعة أميال والشمس مرتفعة بعد أن صار الظل مثليه بعد ظل الزوال.

فصل:

وأما رجمه لليهوديين عند موضع الجنائز فإن الموضع قد صار علما لإقامة الحدود وللصلاة على الجنائز خارج المسجد وبه قال مالك فهما من الحديث.

فصل:

قوله: "هذا جبل يحبنا ونحبه". لا أنه حقيقة كحنين الجذع آية لنبوته، وقيل: مجاز. أي: يحبنا أهله مثل واسأل القرية [ يوسف 82 ].

فصل:

وأما مقدار ممر الشاة بين الجدار والمنبر فذلك معلم للناس وسنة ممتثلة في موضع المنابر; ليدخل عليها من ذلك الموضع فينقضي من القبر وينظف.

فصل:

وقوله: "روضة من رياض الجنة". يجوز أن تكون حقيقة وأنها تنقل إلى الجنة أو العمل فيها موصل إلى الجنة، واحتج به في "المعونة"

[ ص: 115 ] على تفضيل المدينة; لأنه قد علم أنه إنما خص ذلك الموضع منها بفضيلة على نفسها وكان بأن يدل على فضلها على ما سواها أولى، المراد منه القبر كما في الرواية الأخرى أوالحجرة التي يسكنها; لأنها قبره.

فصل:

وأما ذكر ما بين الحفياء وثنية الوداع فمساقة ذلك سنة ممتثلة ميدانا بالخيل المضمرة، وقوله: ضمر منها. يقال: ضمر القوم بفتح الميم وبضمها لغة، وأضمرته وضمرته، فيصح أن تقرأ ضمرت بفتح الضاد والميم أو فتحها وضم الميم أو ضم الضاد وتشديد الميم على ما لم يسم فاعله، قال ابن التين: وهو الذي قرأنا.

فصل:

والمركن بكسر الميم شبه تنور من خزف يستعمل للماء كما قاله ابن بطال، وعبارة الأصمعي فيما حكاه ابن التين أنه الإجانة التي تغسل فيها الثياب، قوله: فيشرع فيها جميعا. يقال: شرعت الدواب في الماء. أي: دخلت فيه.

فصل:

وأما خطبة عمر وعثمان - رضي الله عنهما - على منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن: ذلك سنة ممتثلة، وأن الخطبة تكون على المنابر; لتوصيل الموعظة إلى أسماع الناس إذا أشرف عليهم، وكذلك مركن عائشة - رضي الله عنها - التي كانت تشرع فيه مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الغسل، ومقدار ما يكفيهما من الماء ولا يوجد ذلك المركن إلا بالمدينة، وكذلك [ ص: 116 ] محالفته - عليه السلام - بين قريش والأنصار بالمدينة معروف يثبت بدعائه جواز المحالفة في الإسلام على أمر الدين والتعاضد فيه على المخالفين، وقد سلف في كتاب الأدب ما يجوز من الحلف في الإسلام وما لا يجوز في باب: الإخاء والحلف فراجعه منه.

وكذلك وادي العقيق المبارك بوحي الله إلى رسوله وأن الله أنزل فيه بركة إحلال الاعتمار في أشهر الحج وكان محرما قبل ذلك على الأمم وأمره بالصلاة فيه; لبركته وليس ذلك مأمورا به إلا في هذا الوادي الذي يقصده أهل الآفاق للصلاة فيه والتبرك به، وكذلك توقيته المواقيت لأهل الآفاق معالم للحج والعمرة ترفقا من الله بعباده وتيسيرا عليهم مشقة الإحرام من كل فج عميق، فهذه بركة من الله في الحجاز موقوفة للعباد ليس في غيره من البلاد.

وجعل الله بطحاء العقيق المباركة مهلا لرسوله ولأهل المدينة وهي آخر جزائر المدينة على رأس عشرة أيام من مكة، وغيرها من المواقيت على رأس ثلاثة أيام من مكة فضل كبير لأهل المدينة بحمله - عز وجل - عليهم من مشقة الإحرام أكثر مما حمل على غيرهم وذلك لعلمه بصبرهم على العبادة واحتسابهم لتحملها، وكذلك صبرهم على لأواء المدينة وشدتها حرصا على البقاء في منزل الوحي ومنبت الدين; ليكون الناس في موازينهم إلى يوم القيامة كما صاروا إلى موازينهم بإدخالهم أولا في الدين; لما وضع فيهم أولا من القوة والشجاعة التي تعاطوا بها مفارقة أهل الدنيا وضمنوا على أنفسهم نصرة نبي الهدي فوفى الله بضمانهم ونصرهم على أعدائهم، وتمت كلمة الله ودينه لهم فكانوا أفضل الناس; لقربه بهم وعلمه بأحواله وأحكامه وآدابه وسيره، ووجب لمن كان على مذاهب أهل المدينة حيث كان من الأرض نصيب وافر من بركة [ ص: 117 ] الدينة، واستحقوا أن يكونوا من أهلها; لاتباعهم سنن رسوله الثابتة عندهم من علمائها المتبعين لهم بإحسان قال تعالى: والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه [ التوبة: 100 ] والمرء مع من أحب ووجب أن يكون لأهل مكة من ذلك نصيب; لأن عندهم معالم فريضة الحج كلهم، وقد عاينوا من صلاته وأقواله في المرات أمته التي دخلها ما صاروا به عالمين ولهم من بركة ذلك أوفر نصيب وحظ جزيل.

فصل:

قرن بإسكان الراء، وضبطه ابن التين بالفتح وعن بعضهم إذا أفردت فتحت وإذا أضيفت سكنت، قال: وقرن مكان أو جبل كانت فيه وقعة لغطفان على بني عامر، يقال له يوم قرن، ويلملم اسم جبل. وسميت الجحفة بذلك من قولهم: أجحفهم الدهر. أي: استأصلهم وذلك أن العماليق أخرجوا إخوة عاد من يثرب، فنزلوا مهيعة فجاء سيل فأجحفهم، فسميت الجحفة بذلك.

وقوله: ( وذكر العراق. فقال: لم يكن عراق يومئذ ) يريد بأنها لم تكن فتحت، وفي حديث جابر - رضي الله عنه - ، مهل أهل العراق من ذات عرق، وفي حديث عائشة - رضي الله عنها - كذلك، وقوله: ( وهو في معرسه ) هو الموضع الذي يعرس فيه، يقال: معرس ومعرس، والتعريس نزول القوم في السفر معرسة في آخر الليل يقفون وقفة للاستراحة ثم يرتحلون وأعرسوا لغة فيه قليلة.

التالي السابق


الخدمات العلمية