التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
6936 7370 - حدثني محمد بن حرب، حدثنا يحيى بن أبي زكرياء الغساني، عن هشام، عن عروة، عن عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال: " ما تشيرون علي في قوم يسبون أهلي ما علمت عليهم من سوء قط؟ ". وعن عروة قال: لما أخبرت عائشة بالأمر قالت: يا رسول الله، أتأذن لي أن أنطلق إلى أهلي؟ . فأذن لها وأرسل معها الغلام. وقال رجل من الأنصار سبحانك ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم [ انظر: 2593 - مسلم: 2770 - فتح: 13 \ 340 ].


ثم ساق قطعة من قصة الإفك من حديث الزهري عن عروة، وابن المسيب وعلقمة بن وقاص، وعبيد الله، عن عائشة - رضي الله عنها - حين قال لها أهل الإفك ما قالوا - : ودعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليا وأسامة بن زيد [ ص: 169 ] حين استلبث الوحي يسألهما، وهو يستشيرهما في فراق أهله، فأما أسامة فأشار بالذي يعلم من براءة أهله، وأما علي فقال: لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك. . الحديث. وقال أبو أسامة، عن هشام.

وحديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. بقطعة منه.

الشرح:

قوله تعالى: وأمرهم شورى بينهم [ الشورى: 38 ] أي: يتشاورون، واللأمة: الدرع مهموز والميم مخففة، جمعها: ألؤم على غير قياس كأنه جمع لؤمة.

وقوله: ( كانت الأئمة بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستشيرون ) يقال: شاورته في الأمر واستشرته بمعنى.

وقوله: ( الأمناء من أهل العلم. فبذلك تواصى العلماء والحكماء )، قال سفيان الثوري: ليكن أهل مشورتك أهل التقوى والأمانة ومن يخشى الله، فإذا أشار أحد برأيه، سأله: من أين قاله؟ فإن اختلفوا أخذ بأشبههم قولا بالكتاب والسنة ولا يحكم بشيء حتى يتبين له حجة يجب الحكم بها، ومشاورته - عليه السلام - عليا وأسامة; لقربهما منه وثقته بهما، وليس كل ما أشير به على المستشير يلزمه إذا تبين له الصواب في غيره.

وقوله: ( فلم يلتفت أبو بكر - رضي الله عنه - إلى مشورة ) هي بسكون الشين وفتح الواو، ويقال أيضا: بضم الشين وسكون الواو وهي المشورة.

ومعنى قوله: ( "من بدل دينه فاقتلوه" ) أي: تمادى عليه، خلافا لما يحكى عن عبد العزيز بن أبي سلمة أنه يقتل على كل حال ولا تقبل توبته. وقد سلف رده.

وقوله: ( حتى استلبث الوحي ). أي: أبطأ، والداجن قال ابن [ ص: 170 ] السكيت: شاة داجن إذا ألفت البيوت واستأنست، قال: ومن العرب من يقولها بالهاء، وكذلك غير الشاة، واستشارته - عليه السلام - فيمن سب عائشة - رضي الله عنها - أراد أن ينتصف له غيره لئلا تنفر قلوب قوم، فقال له سعد بن معاذ: إن كان منا قتلناه، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا فيه بأمرك. . الحديث، وإنما كان يشاور في أمر الجهاد فيما ليس فيه حكم بين الناس; لأنه لا يشاور في شيء إنما يلتمس العلم فيه منه، وقال قوم: له أن يشاور في الأحكام، وقال الداودي: هذه غفلة عظيمة لقوله تعالى: وأنزلنا إليك الذكر [ النحل: 44 ] الآية.

فصل:

اختلف أهل التأويل في المعنى الذي أمر الله رسوله أن يشاور فيه أصحابه: فقالت طائفة: في مكائد الحروب، وعند لقاء العدو تطييبا لنفوسهم وتألفا لهم على دينهم، وأمر أن يسمع منهم ويستعين بهم وإن كان الله أغناه عن رأيهم بوحيه، روي عن قتادة والربيع وابن إسحاق، وقال آخرون: فيما لم يأت فيه وحي; ليبين لهم صواب الرأي، روي عن الحسن البصري والضحاك قالا: [ ما ] أمر الله نبيه بالمشاورة لحاجة إلى رأيهم، وإنما أراد أن يعلمهم ما في المشورة من الفضل، قال الحسن: وما تشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمورهم، وقال آخرون: إنما أمر بها مع غناه عنهم; لتدبيره تعالى وسياسته إياه ليستن به من بعده ويقتدوا فيما ينزل بهم من النوازل.

قال الثوري: وقد سن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الاستشارة في غير موضع [ ص: 171 ] استشار أبا بكر وعمر في أسارى بدر، وأصحابه يوم الحديبية.

وأما قوله تعالى: فإذا عزمت فتوكل على الله [ آل عمران: 159 ]، قال قتادة: أمر الله نبيه إذا عزم على أمر أن يمضي فيه ويتوكل على الله، قال المهلب: وامتثل هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أمر ربه تعالى فقال: "ما ينبغي لنبي لبس لأمته. . " إلى آخره، يعني أي ليس ينبغي له إذا عزم أن ينصرف; لأنه نقض للتوكل الذي شرطه الله مع العزيمة، فلبسه لأمته دال على العزيمة، وفي أخذه - عليه السلام - بما يراه الله من الرأي بعد المشورة حجة لمن قال من الفقهاء: أن الأنبياء يجوز لهم الاجتهاد فيما لا وحي عندهم فيه. وقد سلف بيانه قبل.

وفيه من الفقه أيضا أن للمستشير والحاكم أن يعزم من الحكم على غير [ ما ] قال به مشاوره إذا كان من أهل الرسوخ في العلم وأن يأخذ بما يراه كما فعل - عليه السلام - في مسألة عائشة - رضي الله عنها - فإنه شاور عليا وأسامة وقد سلف، فلم يأخذ بقول أحدهما وتركها عند أهلها حتى نزل القرآن فأخذ به، وكذلك فعل الصديق فإنه شاور أصحابه في مقاتلة مانعي الزكاة وأخذ بخلاف ما أشاروا به عليه من الترك لما كان عنده متضحا من قوله - عليه السلام - "إلا بحقها" وفهمه هذه الآية مع ما يعضدها من قوله - عليه السلام - : "من بدل دينه فاقتلوه".

فصل:

[ ص: 172 ] وقول البخاري: فإذا وضح الكتاب والسنة. يعني: وجد فيها نص لم يتعدوه، وإلا قال الشافعي: وإنما يؤمر الحاكم بالمشورة; لأن المشير ينبه لما يغفل عنه ويدله على ما يجهله، فأما أن يقلد مشيرا فلم يجعل الله هذا لأحد بعد رسوله.

فصل:

قال أبو الحسن القابسي قوله: ( فجلد الرامين لها ). لم يأت فيه بإسناد، وذكره غيره مسندا. قلت: قد أسلفته مسندا.

وقوله: ( فسمع منهما ) يعني سمع قول علي وأسامة - رضي الله عنهما - على اختلافهما فيه.

وقوله ( ولم يلتفت إلى تنازعهم ). يعني: عليا وأسامة، وأراد تنازعهما، وأظن الألف سقطت من الكتاب.

آخر الاعتصام ولله الحمد

التالي السابق


الخدمات العلمية