التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
6957 [ ص: 230 ] 12 - باب: قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : "إن لله مائة اسم إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنة"

قال ابن عباس - رضي الله عنهما - : ذو الجلال [ الرحمن: 27 ]: العظمة، و البر [ الطور: 28 ]: اللطيف.

7392 - حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنة ". [ انظر: 2736 - مسلم: 2677 - فتح: 13 \ 377 ]. أحصيناه [ يس: 12 ]: حفظناه.


ثم ساق حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنة". أحصيناه [ يس: 12 ]: حفظناه.

الشرح:

الإحصاء في اللغة يطلق بمعنى: الإحاطة بعلم عدد الشيء وقدره، ومنه: وأحصى كل شيء عددا [ الجن: 28 ]، هذا قول الخليل، وبمعنى: الإطاقة له; لقوله تعالى: علم أن لن تحصوه [ المزمل: 20 ] أي: لن تطيقوه، وقال - عليه السلام - : "استقيموا ولن تحصوا" أي: لن تطيقوا العمل بكل ما لله ( عليكم )، والمعنى في ذلك كله متقارب، وقد يجوز أن يكون المعنى: من أحصاها عددا وحفظا وعلما بما يمكن علمه من معانيها المستفادة منها علم الصفات ( التي تقيدها لأن تحت وصفنا له [ ص: 231 ] بعالم إثبات علم له تعالى لم يزل موصوفا به ) [ لا كالعلوم، وتحت وصفنا له بقادر إثبات قدرة لم يزل موصوفا بها ] لا كقدرة المخلوق، وكذلك القول في الحياة وسائر صفاته، ويحتمل أيضا أن يكون المراد ( العمل ) بالأسماء والتعبد لمن سمي بها.

فإن قلت: كيف وجه إحصائها عملا؟ قيل له: وجه ذلك أن ما كان من أسماء الله تعالى كالرحيم، والكريم، والعفو، والغفور، والشكور، والتواب، وشبهها، فإن الله يحب أن يرى على عبده حلاها، ويرضى له معناها، والاقتداء به فيها، فهذا العمل بهذا النوع من الأسماء.

وما كان منها لا يليق بالعبد معناها: كالله، والأحد، والقدير، والجبار، والمتكبر، والعظيم، والعزيز، والقوي، وشبهها، فإنه يجب على العبد الإقرار بها والتذلل والإشفاق منها.

وما كان بمعنى الوعيد كشديد العقاب، وعزيز ذي انتقام، وسريع الحساب، وشبهها، فإنه يجب على العبد الوقوف عند أمره، واجتناب نهيه، واستشعار خشيته - عز وجل - ، من أجلها خوف وعيده وشديد عقابه. هذا وجه إحصائها عملا، فهذا يدخل الجنة إن شاء الله تعالى.

وقد نقل عن الأصيلي أنه أشار إلى هذا المعنى فقال: الإحصاء لأسمائه تعالى هو العمل بها لا عدها وحفظها، فقال: إنه قد يعدها الكافر والمنافق، وذلك غير نافع له.

[ ص: 232 ] قال ابن بطال: ويوضحه قوله - عليه السلام - في صفة الخوارج "يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين" فبين أن من قرأ القرآن، ولم يعمل به لم ترفع قراءته إلى الله، ولا جاوز حنجرته، فلم يكتب أجرها وخاب من ثوابها، كما قال تعالى: إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه [ فاطر: 10 ]، يعني: أن العمل الصالح يرفع الكلم الطيب إلى الله، وكما قال ابن مسعود: إنك في زمان كثير فقهاؤه وقليل قراؤه، تحفظ فيه حدود القرآن وتضيع حروفه، وسيأتي على الناس زمان قليل فقهاؤه وكثير قراؤه يحفظ فيه القرآن وتضيع حدوده.

فذم من حفظ الحروف وضيع العمل، ولم يقف عند الحدود، ومدح من عمل بمعاني القرآن، وإن لم يحفظ الحروف، فدل هذا على أن الحفظ والإحصاء المندوب إليه هو العمل، ويوضح هذا أيضا ما كتب به عمر - رضي الله عنه - إلى عماله: إن أهم أموركم عندي الصلاة، فمن حفظها وحافظ عليها حفظ دينه. ولم يرد عمر - رضي الله عنه - بحفظها إلا المبالغة في إتقان العمل بها من إتمام ركوعها وسجودها وإكمال حدودها، لا حفظ أحكامها وتضييع العمل بها.

[ ص: 233 ] وقد ذكر البخاري هذا الحديث في الأدعية بلفظ: "لا يحفظها أحد إلا دخل الجنة"، وهو مفسر لما ذكره البخاري هنا من أن الإحصاء: الحفظ، وقد أسلفنا هناك أنها توقيفية.

واختلف الأصوليون في تسميته بما له من تعظيم بقياس أو خبر، واختار بعضهم أنه لا يسمى إلا بما سمى به نفسه أو رسوله من طريق متواتر لا آحاد يوجب عليه الظن أو من ناحية الإجماع، واحتج بقوله تعالى: ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها [ الأعراف: 180 ] قال: وقد قام الدليل على أن الحسن لا يعلم بالعقل وإنما يعلم بالسمع، وقوله: "إن لله تسعة وتسعين اسما" أي: تسمية; لأن الاسم هو المسمى عند الأشعرية، ولو أبقيناه على ظاهره لكان لله تسعة وتسعون اسما، أي: فقط، وليس كذلك كما سلف.

التالي السابق


الخدمات العلمية