التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
7102 7540 - حدثنا أحمد بن أبي سريج، أخبرنا شبابة، حدثنا شعبة، عن معاوية بن قرة، عن عبد الله بن مغفل المزني قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الفتح على ناقة له يقرأ سورة الفتح، أو من سورة الفتح قال: - فرجع فيها - قال: ثم قرأ معاوية يحكي [ ص: 536 ] قراءة ابن مغفل وقال: " لولا أن يجتمع الناس عليكم لرجعت كما رجع ابن مغفل. يحكي النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلت لمعاوية: كيف كان ترجيعه؟ قال: "آ آ آ" ثلاث مرات. [ انظر: 4281 - مسلم: 794 - فتح: 13 \ 512 ].


ذكر فيه خمسة أحاديث:

أحدها:

حديث قتادة، عن أنس - رضي الله عنه - ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - يرويه عن ربه - عز وجل - قال: "إذا تقرب العبد إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، وإذا تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا، وإذا أتاني مشيا أتيته هرولة".

ثانيها:

حديث التيمي، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - ، قال - ربما ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا تقرب العبد مني شبرا تقربت منه ذراعا، وإذا تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا" أو: "بوعا".

وقال معتمر: سمعت أنسا - رضي الله عنه - عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - يرويه عن ربه - عز وجل - .

ثالثها:

محمد بن زياد: سمعت أبا هريرة - رضي الله عنه - ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - يرويه عن ربكم - عز وجل - قال: "لكل عمل كفارة، والصوم لي وأنا أجزي به، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك".

رابعها:

حديث ( سعيد ) عن قتادة.

[ ص: 537 ] وقال لي خليفة: ثنا يزيد بن زريع، عن ( سعيد )، عن قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما يرويه عن ربه قال: "لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى". ونسبه إلى أبيه.

وقد أسلفنا غير مرة أن اسم أبي العالية هذا رفيع بن مهران، أعتقته امرأة من بني رياح سائبة لوجه الله، وطافت به على حلق المسجد، وأنه متفق عليه، وأن مسلما انفرد بأبي العالية زياد بن فيروز مولى قريش، يروي عن ابن عباس، يقال له: البراء، وكان يبري النبل.

خامسها:

حديث عبد الله بن مغفل المزني - رضي الله عنهما - بالغين المعجمة والفاء - قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم فتح مكة على ناقة له يقرأ سورة الفتح - أو من سورة الفتح - قال: فرجع فيها قال: ثم قرأ معاوية على قراءة ابن مغفل وقال: لولا أن يجتمع الناس عليكم لرجعت كما رجع ابن مغفل. يحكي النبي - صلى الله عليه وسلم - . فقلت لمعاوية: كيف كان ترجيعه؟ قال: "آا آا آا" ثلاث مرات.

الشرح:

معنى هذا الباب أنه - عليه السلام - روى عن ربه - عز وجل - السنة كما روى عنه القرآن، وهذا مبين في كتاب الله تعالى في قوله: وما ينطق عن الهوى

[ ص: 538 ] إن هو إلا وحي يوحى [ النجم: 3 - 4 ]، ومعنى حديث ابن مغفل في هذا الباب التنبيه على أن القرآن أيضا يرويه عن ربه تعالى.

وفيه من الفقه: إجازة قراءة القرآن بالترجيع والألحان الملذة للقلوب بحسن الصوت المنشود لا المكفوف عن مداه الخارج عن مساق المحادثة، ألا ترى أنه - عليه السلام - أراد أن يبالغ في تزيين قراءته لسورة الفتح التي كان وعده الله فيها بفتح مكة فأنجز له; ليستميل قلوب المشركين العتاة على الله بفهم ما يتلوه من إنجاز وعد الله له فيهم بإلذاذ أسماعهم بحسن الصوت المرجع فيه بنغم ثلاث في المدة الفارغة من التفصيل، وقول معاوية يدل أن القراءة بالترجيع والألحان تجمع نفوس الناس إلى الإصغاء والفهم ويستميلها ذلك حتى لا تكاد تصبر على استماع الترجيح المشوب بلذة الحكمة المفهومة.

وقد سلف في فضائل القرآن في باب: من لم يتغن بالقرآن اختلاف العلماء في قراءة القرآن بالألحان والتغني به، فراجعه.

وقوله: ( كان ترجيعه آا آا آا ). كانت قراءته - عليه السلام - بالمد والوقوف على الحروف.

فصل:

قد سلف قوله: ( "إذا تقرب العبد. . " ) إلى آخره أن معناه: إذا تقرب إلي بالطاعة قربت رحمتي منه وكرامتي وعطفي، ومثله: فكان قاب قوسين أو أدنى [ النجم: 9 ] في أن المراد به: قرب المنزلة وتوقير الكرامة.

[ ص: 539 ] والهرولة عبارة عن سرعة المشي و ( هي ) عبارة عن سرعة الرحمة إليه ورضا الله عنه وتضعيف الأجر له، كمن مشى إلى صاحبه شبرا استقبله الآخر ذراعا ويهرول، والهرولة أصلها ضرب من العدو بين المشي والعدو.

والباع ( بين ) اليدين قاله الخطابي، والبوع مصدر باع يبوع: إذا مد باعه، وبسط يده لإدنائه من نفسه قال: وقد تحتمل الرواية أن يكون بوعا - بضم الباء - جمع باع مثل ( داد ) ودود وساق وسوق.

[ ص: 540 ] فصل:

في حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - : ( يرويه عن ربه ). قال الداودي: أكثر الرواية ليس فيها كذلك، وإن كان محفوظا فهو ممن سوى النبي - صلى الله عليه وسلم - ; لأنه قال: "أنا سيد ولد آدم".

ويحتمل أن يكون ممن سوى النبي - صلى الله عليه وسلم - ممن بعده أو من بني آدم جميعا، وقيل: لم يكن من أولي العزم من الرسل، فقال - عليه السلام - هذا على طريق الإشفاق والتأدب.

التالي السابق


الخدمات العلمية