التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
766 799 - حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن نعيم بن عبد الله المجمر، عن علي بن يحيى بن خلاد الزرقي، عن أبيه، عن رفاعة بن رافع الزرقي قال: كنا يوما نصلي وراء النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلما رفع رأسه من الركعة قال: " سمع الله لمن حمده". قال رجل وراءه: ربنا ولك الحمد، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، فلما انصرف قال "من المتكلم". قال: أنا. قال: "رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها، أيهم يكتبها أول". [فتح: 284]


كذا هذا الباب في الأصول وترجم عليه ابن أبي أحد عشر: باب التكبير إذا قام من السجود، ثم ساق الأحاديث فيه، وذكر فيه ابن بطال في الباب قبله حديث أبي هريرة أولا، ثم قال: قال أبو هريرة: لأقربن، فذكره .

وحاصل ما في الباب ثلاثة أحاديث:

أحدها:

حديث أبي هريرة: لأقربن صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم -. فكان أبو هريرة يقنت في [ ص: 178 ] ركعة الأخرى من صلاة الظهر، وصلاة العشاء، وصلاة الصبح، بعد ما يقول: سمع الله لمن حمده. فيدعو للمؤمنين ويلعن الكفار.

وهذا الحديث أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي أيضا ، ولفظه: والله لأقربن بكم صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فكان أبو هريرة يقنت في الظهر والعشاء وصلاة الصبح ويدعو للمسلمين ويلعن الكفار، وفي طريق آخر سمى القبائل الملعونة.

وفيه: أن القنوت كان في الصلوات المذكورة لأجل النازلة ثم ترك في الظهر والعشاء.

وقوله: (لأقربن): قيل: الوجه فيه: لأقربن أو لأستقربن. أي: لأتبعن، كذا رأيته بخط الدمياطي على حاشية "الصحيح" بخطه، وفي "المطالع" زعم بعضهم أن صوابه: لأقتربن، بمعنى: لأتتبعن، وفيه تكلف لا يحتاج إليه.

الحديث الثاني:

حديث أبي قلابة عن أنس: كان القنوت في المغرب والفجر.

وأبو قلابة اسمه: عبد الله بن زيد الجرمي البصري، وفي سنده إسماعيل، وهو: ابن علية، وشيخ البخاري: عبد الله بن أبي الأسود، وهو: عبد الله بن محمد بن حميد بن أبي الأسود بن الأسود أبو بكر البصري الحافظ قاضي همدان، ابن أخت عبد الرحمن بن مهدي، [ ص: 179 ] الإمام، روى عنه مع البخاري: أبو داود والترمذي، مات سنة ثلاث وعشرين ومائتين ، وفقهه كما في الذي قبله، ويأتي أيضا .

الحديث الثالث:

حديث رفاعة بن رافع، قال: كنا يوما نصلي وراء النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلما رفع رأسه من الركوع قال: "سمع الله لمن حمده". قال رجل وراءه: ربنا ولك الحمد، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه. فلما انصرف قال: "من المتكلم؟ ". قال: أنا. قال: "رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها، أيهم يكتبها أول".

وهو من أفراد البخاري، بل لم يخرج مسلم عن رفاعة في "صحيحه"، شيئا ورفاعة بدري وأبوه نقيب بقي إلى إمرة معاوية.

وفيه: ثواب التحميد لله تعالى والذكر له، وما عند الله أوسع وأكثر فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين [السجدة:17] وفيه دليل على جواز رفع المذكر صوته بالتكبير والتحميد في المساجد الكثيرة الجمع؛ ليسمع الناس، وليس ذلك بكلام تفسد به الصلاة، وكيف يفسدها رفع الصوت؟! أولم يرفع وهو مندوب إليه فيها، وكما لا يجوز لأحد أن يتكلم في الصلاة بكلام الناس، وإن لم يرفع صوته، فكذلك لا يضره رفع الصوت بالذكر، يدل على ذلك حديث [ ص: 180 ] معاوية بن الحكم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، وإنما هو التهليل والتكبير وقراءة القرآن" فأطلق أنواع الذكر في الصلاة، فلهذا قلنا إن المذكر إذا رفع صوته بـ: ربنا ولك الحمد، وسائر التكبير لا يضره، وقد خالف في ذلك بعض المتأخرين بلا دليل ولا برهان، وقد ترجم البخاري فيما سلف: من أسمع الناس تكبير الإمام.

التالي السابق


الخدمات العلمية