التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
949 994 - حدثنا أبو اليمان قال: أخبرنا شعيب، عن الزهري، عن عروة، أن عائشة أخبرته أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي إحدى عشرة ركعة، كانت تلك صلاته - تعني: بالليل - فيسجد السجدة من ذلك قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه، ويركع ركعتين قبل صلاة الفجر، ثم يضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للصلاة. [انظر: 619 - مسلم: 736 فتح: 2 \ 478]


ذكر فيه أربعة أحاديث:

أحدها:

حديث نافع وعبد الله بن دينار عن ابن عمر أن رجلا سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن صلاة الليل، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "صلاة الليل مثنى مثنى".. الحديث.

وعن نافع، أن عبد الله بن عمر كان يسلم بين الركعة والركعتين في الوتر، حتى يأمر ببعض حاجته.

[ ص: 161 ] الشرح:

هذا الحديث أخرجه مسلم وباقي الجماعة. قال الترمذي: وفي الباب عن عائشة وجابر والفضل بن عباس وأبي أيوب وابن عباس، وحديث ابن عمر حديث حسن صحيح، ورواه عن ابن عمر جماعات منهم محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، وفي روايته: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى" وقال الدارقطني: هو غير محفوظ، وإنما نعرف صلاة النهار. وقد خالفه نافع، وهو أحفظ منه، وساق بسنده إلى الثوري عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر مرفوعا "صلاة الليل مثنى مثنى، وصلاة النهار أربعا" وساق بسنده إلى يحيى بن سعيد عن عبيد الله، عن نافع عن ابن عمر أنه كان يصلي بالليل مثنى مثنى ويصلي بالنهار أربعا. ورواه عن نافع خلق، منهم بكير بن الأشج، وفي روايته: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى" قاله الدارقطني، ثم ذكر فيه اختلافا، ثم قال: والمحفوظ عن ابن عمر: "صلاة الليل مثنى مثنى" وكان ابن عمر يصلي بالنهار أربعا.

[ ص: 162 ] إذا تقرر ذلك فالكلام عليه من أوجه:

أحدها:

هذا الرجل جاء أنه من أهل البادية، ولم أره مسمى، والمراد: صلاة الليل، وأفضله آخره. وأما النهار فأفضل أوقاته الهاجرة.

قال مالك: إنما كانت عبادتهم آخر الليل والهاجرة والورع والفطرة.

وقال ابن عبد البر: "مثنى مثنى" كلام خرج على جواب السائل كأنه قال له: يا رسول الله، كيف نصلي بالليل ؟ فقال: "مثنى مثنى" ولو قال له: بالنهار. جاز أن يقول له كذلك وجائز أن يقول بخلافه، فصلاة النهار موقوفة على دلائلها، ومن الدليل على أنها وصلاة الليل مثنى مثنى جميعا أنه قد روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "الصلاة مثنى مثنى يتشهد في كل ركعتين" لم يخص ليلا من نهار، وإن كان حديثا لا يقوم بإسناده حجة فالنظر يقصده والأصول توافقه، وأورد هذا الحديث من كتاب أبي داود عن عبد الله بن الحارث عن المطلب، وذكر أن الليث خالف شعبة في هذا الحديث.

ثم أورد حديث ابن عمر مرفوعا: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى".

وفي رواية: "ركعتين"، وذكر أن في "الموطأ" أنه بلغه أن ابن عمر [ ص: 163 ] كان يقول مثل ذلك، يسلم من كل ركعتين، وقال: فهذه فتيا ابن عمر.

وقد روي مرفوعا: "صلاة الليل مثنى مثنى" وعلم مخرجه، وفهم مراده.

وحديث مالك هذا وإن كان من بلاغاته فإنه متصل عن ابن عمر، ثم ساقه بإسناده، وقال في آخره: يعني: التطوع.

قال: ومن الدليل أيضا على أن صلاة النهار كالليل مثنى مثنى سواء أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي قبل الظهر ركعتين وبعدها ركعتين، وبعد الجمعة ركعتين، وبعد الفجر، وكان إذا قدم من سفر صلى في المسجد ركعتين، وصلاة الفطر والأضحى والاستسقاء وتحية المسجد، ومثل هذا كثير.

ودليل آخر أن العلماء لما اختلفوا في صلاة النافلة في النهار، وقام الدليل على حكم صلاة النافلة بالليل وجب رد ما اختلفوا فيه على ما اجتمعوا عليه قياسا. وفي أبي داود والترمذي والنسائي بإسناد صحيح: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى" وهو محمول على بيان الأفضل، والليل والنهار فيه سواء، فإن جمع ركعات بتسليمة جاز، أو صلى ركعة فردة جاز.

وقال البخاري: وقد سئل عن زيادة النهار فصححها. وكذا قال ابن الجوزي: إنها زيادة من ثقة فقبلت، فكان ابن عمر لا يصلي أربعا إلا يفصل بينهن، إلا المكتوبة.

[ ص: 164 ] واختلف العلماء في التطوع ليلا ونهارا، فقال مالك وأحمد والليث والشافعي وابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد بن الحسن وأبو ثور: صلاة الليل والنهار مثنى للحديث السالف، لا يقال: إن معنى الحديث أن يجلس المصلي في كل ركعتين ; لأن مثل هذا اللفظ لا يستعمل بالجلوس، وكذلك لا يقال: صلاة العصر مثنى مثنى، وإن كان يجلس في كل ركعتين، ويقال: الصبح مثنى ; لما كان يسلم من ركعتين، وسيأتي في التطوع: مثنى مثنى، عن يحيى بن سعيد: ما أدركت فقهاء أرضنا إلا يسلمون في كل اثنتين من النهار.

وقال الداودي: لم يأت عنه - صلى الله عليه وسلم - حديث صحيح مفسر أنه صلى النافلة أكثر من ركعتين، وثبت عنه من غير طريق أنه كان يصلي بالليل والنهار ركعتين، ووقع في بعض طرق حديث ابن عمر هذا: يسلم من كل ركعتين. وكذا في حديث ابن عباس هنا: "ركعتين ثم ركعتين"

[ ص: 165 ] وقال غيره: روي عن الشارع في ذلك أحاديث دالة على التوسعة، منها حديث عائشة: كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، يوتر من ذلك بخمس، لا يجلس في شيء إلا في آخرها. وقال طائفة: كان نبي الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي تسع ركعات لا يجلس إلا في الثامنة ثم ينهض ولا يسلم، ويصلي التاسعة، فلما أسن وأخذه اللحم أوتر بسبع، أخرجهما مسلم. قال: وحديث: كان - صلى الله عليه وسلم - يقوم من الليل فيصلي أربعا ثم أربعا ثم ثلاثا. أخرجه البخاري.

وقال أبو حنيفة والثوري: صل بالليل والنهار إن شئت ركعتين، وإن شئت أربعا أو ستا أو ثمانيا. وقال الثوري: صل ما شئت بعد أن تقعد في كل ركعتين، وهو قول الحسن بن حي. وقال الأوزاعي: صلاة الليل مثنى والنهار أربعا، وهو قول إبراهيم النخعي وابن معين.

وقال أحمد فيما حكاه الأثرم: أما الذي أختار فمثنى مثنى، وإن [ ص: 166 ] صلى أربعا فلا بأس، وأرجو أن لا يضيق عليه.

وضعف ابن معين حديث: "النهار مثنى". وقال: من علي الأزدي حتى أقبل منه هذا وأدع يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يتطوع بالنهار أربعا لا يفصل بينهن، وآخذ بحديث علي الأزدي ؟ ! لو كان حديث علي صحيحا لم يخالفه ابن عمر، وقد كان شعبة يتقي هذا الحديث وربما لم يرفعه، ولما أورده الترمذي ذكر فيه اختلافا عن ابن عمر في الرفع والوقف. قال: والصحيح ما روي عنه ذكر الليل فقط. وقال النسائي: ذكر النهار خطأ.

فرع:

قام إلى ثالثة سهوا فالأصح أنه يقعد ثم يقوم للزيادة إن شاء. وقال ابن القاسم: يتمها أربعا. وقال ابن عبد الحكم: يرجع إلى الجلوس يسجد بعد السلام. وقال محمد بن مسلمة: إن كان بالليل قطع - أي: رجع إلى الجلوس - وإن كان بالنهار أتم أربعا، وهو يراعي قوله: "صلاة الليل مثنى مثنى".

ثانيها:

معنى "مثنى مثنى": اثنين اثنين. يريد: ركعتين ركعتين بتسليم في آخر كل ركعتين، ومثنى معدول عن اثنين اثنين، فهي لا تنصرف للعدل [ ص: 167 ] المكرر، وكأنها عدلت مرتين: مرة عن صيغة اثنين، ومرة عن تكررها، وهي نكرة تعرف بلام التعريف، تقول: المثنى. وكذا ثلاث ورباع، وقيل: إنما لم تنصرف للعدل والوصف، تقول: مررت بقوم مثنى. أي: مررت بقوم اثنين اثنين. وموضعها رفع لأنها خبر المبتدأ الذي هو قوله: "صلاة الليل" وفي رواية عن ابن عمر سئل: ما مثنى مثنى ؟ قال: يسلم في كل ركعتين.

ثالثها:

قوله: ( "فإذا خشي أحدكم الصبح" ) وجاء: "فإذا خفت الصبح" و"إذا رأيت الصبح فأوتر بواحدة" وفي أخرى: "أوتروا قبل الصبح" وهذا دليل على أن السنة جعل الوتر آخر الليل، وعلى أن وقته يخرج بطلوع الفجر، وهذا هو المشهور من مذهبنا، وبه قال جمهور العلماء، منهم ابن عمر وعطاء والنخعي وسعيد بن جبير، وقيل: يمتد بعده حتى يصلي الفجر. وبقول الجمهور قال الثوري وأبو حنيفة وصاحباه، واختلف فيه قول مالك، والمشهور من مذهبه أنه يصليه بعد طلوع الفجر ما لم يصل الصبح، والشاذ من مذهبه أنه لا يصلي بعد طلوع الفجر.

[ ص: 168 ] وادعى ابن بزيزة: أن بالمشهور من مذهب مالك قال أحمد والشافعي، وقال به السلف: ابن مسعود، وابن عباس، وعبادة بن الصامت، وحذيفة، وأبو الدرداء، وعائشة.

وقال جماعة من السلف بقول أبي حنيفة، وهو قول جماعة من الكوفيين، وهو رواية ابن مصعب عن مالك، وحكاه الخطابي عنه، وقال طاوس: يصلي الوتر بعد صلاة الصبح.

وقال أبو ثور والأوزاعي والحسن والليث والشعبي وطاوس: يصلي ولو طلعت الشمس.

وقال سعيد بن جبير: يوتر من الليلة القابلة بعد العشاء.

وقال علي بن الجهم: الخلاف في ذلك مبني على الخلاف الذي بين طلوع الفجر وطلوع الشمس، هل هو من الليل أو من النهار أو زمن قائم بنفسه ؟

وقال ابن العربي: اختلف الناس في أقل النفل، فقال الشافعي: ركعة. قال: ولا يشرع إلا في الوتر. قلت: قائل الحديث الصحيح: "الصلاة خير موضوع، فمن شاء استقل، ومن شاء استكثر". قال:

[ ص: 169 ] واختلفوا في الوتر فقالت طائفة: الوتر ركعة. وروي ذلك عن ابن عمر وقال: كذلك أوتر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعمر.

وروي عن عثمان أنه كان يحيي الليل بركعة يجمع فيها القرآن يوتر بها، وعن سعد بن أبي وقاص وابن عباس ومعاوية وأبي موسى وابن الزبير وعائشة: الوتر ركعة. وبه قال عطاء ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور، إلا أن مالكا قال: والوتر واحدة، ولا بد أن يكون قبلها شفع، يسلم بينهن في الحضر والسفر. وعن مالك: لا بأس أن يوتر المسافر بواحدة. وعنه: يوتر بثلاث وأقل. وأوتر سحنون في مرضه بواحدة، وهو دال على أن الشفع ليس بشرط في صحة الوتر.

وقال الأوزاعي: إن شاء فصل بينهما، وإن شاء وصل.

وقالت طائفة: يوتر بثلاث لا يفصل بينهن بسلام. روي ذلك عن عمر وعلي وابن مسعود وحذيفة وأبي بن كعب وابن عباس وأنس وأبي أمامة، وبه قال عمر بن عبد العزيز والفقهاء السبعة بالمدينة.

وقال سعيد بن المسيب: لا يسلم في ركعتي الوتر. وإليه ذهب الكوفيون والثوري، وقال الترمذي: ذهب جماعة من الصحابة [ ص: 170 ] وغيرهم إلى هذا.

وقال الزهري: يوتر بثلاث في رمضان، وفي غيره بواحدة.

قال القاسم: ورأينا الناس منذ أدركنا يوترون بثلاث، وإن كلا لواسع، أرجو أن لا يكون بشيء منه بأس. ذكره البخاري في الحديث الثالث.

وتأول الكوفيون حديث ابن عباس الآتي حين بات عند خالته ميمونة ورمق صلاته - صلى الله عليه وسلم - ليلا، فذكر أنه صلى ركعتين ثم ركعتين، حتى عد ثنتي عشرة ركعة. قال: ثم أوتر. فيحتمل أن يكون أوتر بواحدة مع اثنتين قد تقدمتاها. فتكون مع الواحدة ثلاثا ; ولذلك تأولوا في حديث عائشة الآتي: كان يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة، كانت تلك صلاته بالليل. أن الوتر منها الركعة الأخيرة مع ركعتين تقدمتها، ويدل على ذلك أنه - صلى الله عليه وسلم - كان لا يزيد في رمضان وغيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعا كذلك، ثم ثلاثا، فدل أن الوتر ثلاث.

وقال أهل المقالة الأولى: قوله: "صلاة الليل مثنى مثنى" تفسير حديث عائشة أنه كان يصلي أربعا ثم أربعا ثم ثلاثا، وهي زيادة يجب قبولها. وقوله: "فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة توتر لك ما قد صليت" دلالة على أن الوتر واحدة ; لأنه - صلى الله عليه وسلم - قال في الركعة: "إنما هي التي توتر ما كان قبلها".

[ ص: 171 ] والوتر في لسان العرب هو الواحد، فلذلك قال - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله وتر" أي: واحد لا شريك له والاسم يتعلق بأول الاسم، كما أن الظاهر من قوله: "مثنى مثنى" أي: ثنتين مفردتين، فدل ذلك أن الواحدة هي الوتر دون غيرها، وإذا جازت الركعة بعد صلاة ركعتين أو أكثر جازت دونها ; لأنها منفصلة بالسلام منها، وكان مالك يكره الوتر بواحدة ليس قبلها نافلة، ويقول: أي شيء يوتر له الركعة وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "يوتر له ما قد صلى" ؟ ألا ترى أنه لم يوتر قط إلا بعد عشر ركعات أو اثنتي عشرة ركعة على اختلاف الأحاديث في ذلك، فلذلك استحب أن تكون للركعة الوتر نافلة توترها، وأقل ذلك ركعتان.

تنبيه: ادعى بعضهم أن معنى قوله: "فإذا خشي أحدكم الصبح" ظاهره: إذا خشي وهو في شفع انصرف من ركعة واحدة، فالوتر إذن لا يفتقر إلى نية، وليس كما زعم، بل ظاهره أنه يصلي ركعة كاملة بعد الخشية.

فرع:

هل يحتاج الوتر إلى نية ؟ قال مالك: نعم. وخالفه أصبغ، وقال محمد: إذا أحرم بشفع ثم جعله وترا لا يجزئه.

[ ص: 172 ] رابعها:

قوله: "توتر له ما قد صلى" قد يستدل به مالك أن يكون قبل الوتر شفع، وهو مشهور مذهبه، وأقل الشفع: ركعتان عنده.

وقول البخاري: ( وعن نافع.. ) إلى آخره. مبني على السند الذي قبله، وهو حديث "صلاة الليل مثنى مثنى" وإنما ذكره كذلك لأمرين: أن يكون سمع كلا منهما مفترقا عن الآخر، أو أراد أن يفرق بين الحديث والأثر. والبيهقي لما ذكر الأثر خاصة من طريق مالك عن نافع أن ابن عمر كان يسلم، فذكره وعزاه إلى البخاري، ورواه الشافعي عن مالك، ولفظه: من الوتر. بدل: في الوتر. وروي من طريق الأوزاعي عن المطلب بن عبد الله المخزومي قال: أتى عبد الله بن عمر رجل قال: وكيف أوتر ؟ قال: أوتر بواحدة. قال: إني أخشى أن يقول الناس: البتيراء. قال: أسنة الله ورسوله تريد ؟ هذه سنة الله ورسوله. وفي رواية أخرى: البتيراء: أن يصلي الرجل الركعة الثانية [ ص: 173 ] في ركوعها وسجودها وقيامها ثم يقوم في الأخرى ولا يتم لها ركوعها ولا سجودها ولا قيامها، فتلك البتيراء. ثم ساق عن عثمان أنه أوتر بركعة، وعن ابن عباس أنه قال لعطاء: ألا أعلمك الوتر ؟ قلت: بلى. فقام فركع ركعة.

وإنما ذكر البخاري عن ابن عمر هذا الأثر ليرد على أبي حنيفة قوله، وكل من روي عنه الفصل بين الشفع وركعة الوتر بسلام يجيز الوتر بواحدة ليس قبلها شيء. قال الشعبي: كان آل سعيد وآل عبد الله بن عمر يسلمون في ركعتي الوتر ويوترون بركعة.

خامسها:

أكثر العلماء على أن الوتر سنة متأكدة، منهم علي وعبادة بن الصامت وسعيد بن المسيب والحسن والشعبي وابن شهاب، وبه قال الثوري والأئمة الثلاثة والليث وعامة الفقهاء، وقال القاضي أبو الطيب: إنه قول العلماء كافة حتى أبو يوسف ومحمد. قال: وقال أبو حنيفة وحده: هو واجب وليس بفرض، فإن تركه حتى طلع الفجر أثم ولزمه القضاء. وقال أبو حامد في "تعليقه": الوتر سنة مؤكدة ليس بفرض ولا واجب، وبه قالت الأمة كلها. وقال أبو حنيفة: هو واجب. وهو آخر أقواله، وعنه: فرض. وهو قول زفر. وسنة، وهو قول صاحبيه كما سلف.

[ ص: 174 ] وعن مالك فيما رواه ابن حزم عنه: ليس فرضا، ولكن من تركه أدب وكانت جرحة في شهادته. ومال سحنون وأصبغ فيما حكاه عنه ابن العربي إلى وجوبه، وعن أحمد فيما حكاه في "المغني" أن تاركه عمدا رجل سوء، ولا ينبغي أن تقبل شهادته. وحكى ابن بطال عن ابن مسعود وحذيفة والنخعي أنه واجب على أهل القرآن دون غيرهم. وعن يوسف بن خالد السمتي شيخ الشافعي: واجب.

وفي المرغيناني الحنفي: لو اجتمع أهل قرية على ترك الوتر أدبهم الإمام وحبسهم، فإن امتنعوا قاتلهم. وفي "الذخيرة": يعصي في ظاهر الرواية. وعن أبي يوسف: لا. وعند محمد: أحبه. وعند الشافعي: لا يجب القضاء.

وفي استحبابه قولان: أظهرهما: نعم. وعن أحمد وأبي مصعب واللخمي: لا تقضى بعد الفجر وتقضى طلوع الشمس. لا تقضى عند مالك. حجة الجمهور حديث الأعرابي: لا أزيد على هذا ولا أنتقص قال - صلى الله عليه وسلم -: "أفلح إن صدق" فيه أدلة أربعة إخباره أن [ ص: 175 ] الواجب الخمس فقط: هل علي غيرها ؟ قال "لا إلا أن تطوع" فصريحه أن الزيادة تطوع.

"أفلح إن صدق" دليل على أن لا إثم بترك غير الخمس، وحديث معاذ: "أعلمهم بأن الله فرض عليهم خمس صلوات". الحديث. أخرجاه، وهو من أحسن الأدلة ; لأن بعث معاذ كان قبل وفاته بقليل، وبحديث عبادة بن الصامت وتكذيبه المخدجي فإنه قال: هو واجب. قال عبادة: كذب، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "خمس صلوات كتبهن الله على العباد" رواه مالك في "الموطأ" وأبو داود والنسائي بإسناد صحيح.

احتج المخالف بأدلة: بحديث أبي أيوب مرفوعا: "الوتر حق على كل مسلم" صححه الحاكم، وبحديث علي مرفوعا: "يا أهل القرآن، أوتروا، فإن الله وتر يحب الوتر" رواه أبو داود والنسائي والترمذي وحسنه. وبحديث بريدة مرفوعا: "الوتر حق، فمن لم يوتر فليس [ ص: 176 ] منا" قال ذلك ثلاثا، رواه أبو داود وصححه الحاكم. وبحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا: "إن الله زادكم صلاة فحافظوا عليها، وهي الوتر" رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وبحديث أبي سعيد مرفوعا: "أوتروا قبل أن تصبحوا" وبحديث عائشة: كان - صلى الله عليه وسلم - يصلي من الليل الوتر، فإذا أوتر قال: "قومي يا عائشة فأوتري" رواه مسلم أيضا، وبحديث خارجة بن حذافة العدوي مرفوعا: "إن الله قد أمركم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم، وهي ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، الوتر الوتر" مرتين، أخرجه أبو داود والترمذي، وبحديث أبي [ ص: 177 ] سعيد الخدري مرفوعا: "من نام عن وتره أو نسيه فليصله إذا ذكره" روياه أيضا، والقضاء فرع الأداء لكن لا يسلم الوجوب، وبحديث معاذ مرفوعا: "زادني ربي صلاة - وهي الوتر - وقتها بين العشاء إلى طلوع الفجر" رواه أحمد، وبحديث جابر: "أيكم خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر ثم ليرقد" الحديث، أخرجه مسلم. والزيادة والأمداد تكون من جنس اللاحق به كمد الله في عمرك، وأمد السلطان الجيش، ونسب زيادته للرب جل جلاله، فكان بأمره وإيجابه، ولو لم يكن واجبا لكان كالتراويح والسنن التي واظب عليها ولم يجعلها زائدة في الفرائض، فجعل الوتر زيادة على الفرائض من الله، ولم يجعل السنن زيادة عليها، فدل على أن الوتر زيادة. وذكر الطحاوي أن وجوب الوتر إجماع من الصحابة، وأجابوا عن حديث الأعرابي أنه كان قبل وجوبه ; لأن قوله: "زادكم" يشعر بتأخيره عن الخمس، ولا نسلم لهم ذلك.

وأما صلاته الوتر على الراحلة، والفرض لا يؤدى عليها، فكان واجبا عليه، ومن خصائصه تأديه على الراحلة، وحديث: "ثلاث هن على فرائض ولكم تطوع". وعد منها الوتر، لا يصح، فلا أحتج به.

[ ص: 178 ] وادعى القرافي في "الذخيرة" أن الوتر في السفر ليس بواجب عليه، وفعله - صلى الله عليه وسلم - كان في السفر، وهو غريب، وروى الطحاوي عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يصلي على راحلته ويوتر بالأرض. ويزعم ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يفعل ذلك. وفي "المحيط" للحنفية: لا يجوز أن يوتر قاعدا مع القدرة على القيام، ولا على راحلته من غير عذر. وفي "المبسوط": يوتر عندهما - يعني: الصاحبين على الدابة - من غير ضرورة. وإنما لم يكفر جاحده للاختلاف. وفي النسائي والترمذي محسنا عن علي قال: ليس الوتر يحتم كهيئة المكتوبة، ولكنه سنة سنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وقال عبادة بن الصامت: الوتر أمر حسن جميل عمل به النبي - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون من بعده، وليس بواجب. أخرجه [ ص: 179 ] الحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين ; ولأنها صلاة لا يشرع لها أذان ولا إقامة فلم تكن واجبة على الأعيان كالضحى وغيرها، واحترزنا بالأعيان عن الجنازة والنذر. والأحاديث التي استدلوا بها للوجوب محمولة على الاستحباب والتأكد، ولا بد من ذلك للجمع بينهما وبين الأحاديث التي استدللنا بها على عدم الوجوب، وقال تعالى: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى [البقرة: 238] فأخبر أن لها وسطى. وإذا جعلنا الوتر واجبا لزمنا المحافظة على ست، وإنما هي خمس. وحديث الباب: "فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة توتر له ما قد صلى" أي: توتر له تلك الصلاة، وصلاة الليل ليست بواجبة فكذا ما يوتر بها.

الحديث الثاني:

حديث كريب عن ابن عباس أنه بات عند ميمونة.. الحديث.

وقد سلف في باب: السمر في العلم، والتخفيف في الوضوء وغيرهما، ويأتي - إن شاء الله - في تفسير آل عمران بزيادة، ومما لم يتقدم هناك قوله: فاضطجعت في عرض وسادة. كذا في الرواية ; وفي رواية أخرى: الوسادة.

والعرض بفتح العين: ضد الطول، قال صاحب "المطالع": كذا لأكثرهم، ولبعضهم بضمها وهو: الناحية والجانب. والفتح أشهر. قال ابن عبد البر: وهي الفراش وشبهه. قال: وكان - والله أعلم - [ ص: 180 ] مضطجعا عند رجلي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو رأسه. قال ابن الأثير: الوسادة: المخدة، والجمع: وسائد. وقد وسدته الشيء فتوسده. أي: جعلته تحت رأسه، وكذا هو في "الصحاح". وقال صاحب "المطالع": وقد قالوا إساد ووساد، واشتقاقهما واحد، والواو هنا بعد الألف ولعلها صورة الهمزة، والوساد: ما يتوسد إليه للنوم. يقال: إساد وإسادة ووسادة، وكانت هذه الوسادة آدم حشوها ليف كما في أبي داود والنسائي. قال أبو الوليد: والظاهر أنه لم يكن عندهما فراش غيره، فلذلك ناموا جميعا فيه.

واستنبط بعضهم منه قراءة القرآن على غير وضوء ; لأنه - صلى الله عليه وسلم - نام ثم استيقظ فقرأ قبل أن يتوضأ. أقول: ولا يصح ; لأن وضوءه - صلى الله عليه وسلم - لا ينتقض بالنوم كما هو معلوم، ولا شك أن الأولى قراءته على وضوء، وبهذا قال عمر للذي قال له: أتقرأ وأنت على غير وضوء ؟ ! فقال له عمر: من أفتاك بهذا، أمسيلمة الكذاب ؟ وكان الرجل فيما زعموا من بني حنيفة قد صحب مسيلمة ثم هداه الله للإسلام.

وقول ابن عباس: فصنعت مثله. يحتمل كما قال ابن التين: أن يريد به جميع ما فعله - صلى الله عليه وسلم - على وجه الاقتداء به والمبادرة إلى الانتفاع لما يعلم منه.

[ ص: 181 ] وفيه: ما كان عليه - صلى الله عليه وسلم - من التواضع كيف أمكنه.

وقوله: ( فاستيقظ يمسح النوم عن وجهه ). يحتمل أن يكون أراد بمسحه إزالة النوم عن وجهه أو إزالة الكسل به.

وقوله: ( ثم قرأ عشر آيات من آل عمران ). وفي رواية: العشر الآيات الخواتم منها. وفي أخرى: فاستيقظ فتسوك وتوضأ وهو يقول: إن في خلق السماوات والأرض [آل عمران: 190] إلى آخر السورة فيقتدى به ليبدأ يقظته بذكر الله تعالى، ويختمها به عند نومه.


وآخر شيء أنت أول هجعة. .. وأول شيء أنت عند هبوبي



فيذكر ما ندب إليه من العبادة وما وعد على ذلك من الثواب، وتوعد على المعاصي من العقاب، فإن الآيات المذكورة جامعة لكثير من ذلك، فينشط على العبادة.

وقوله: ( ثم صلى ركعتين.. ) إلى آخره. مقتضاه الفصل بين كل ركعتين بسلام.

وقوله: ( ثم اضطجع حتى جاءه المؤذن ). هذا الاضطجاع ; لأجل طلوع الفجر، والخلاف في الاضطجاع بين الفجر والصبح.

وقوله: ( فقام فصلى ركعتين ) زاد في "الموطأ": خفيفتين يعني بذلك: ركعتي الفجر. وفيه أن قيام الليل سنة مسنونة لا ينبغي تركها لهذا الحديث.

وقد روى عبد الله بن سلام قال: لما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة، [ ص: 182 ] وكان أول ما سمعته يقول: "يا أيها الناس أطعموا الطعام، وأفشوا السلام، وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام" وقد روي عن بعض التابعين أن قيام الليل فرض، حكاه ابن عبد البر، وسيأتي.

واختلفت الآثار في اضطجاعه المذكور في هذا الحديث، فروي أن ذلك كان بعد وتره قبل أن يركع الفجر، وروي أن ذلك كان بعد ركوعه الفجر، وذلك في رواية عروة عن عائشة.

وقوله: فقمت إلى جنبه. جاء أن ذلك على يساره فأخذ بأذنه فجعله عن يمينه.

الحديث الثالث: حديث ابن عمر: "صلاة الليل مثنى مثنى".. الحديث. وقد سلف ما فيه.

الحديث الرابع: حديث عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي إحدى عشرة ركعة.. الحديث.

يأتي في صلاة الليل في باب: طول السجود، فإنه أليق به، [ ص: 183 ] وأخرجوه أيضا، ورواه جماعة عن ابن شهاب فزادوا فيه: يسلم من كل ركعتين، ويوتر منها بواحدة. كذا في "الموطأ"، وروى مالك عن هشام، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، ثم يصلي إذا سمع النداء بالصبح ركعتين خفيفتين.

وفيما سلف: لا يزيد على إحدى عشرة ركعة.

وذكر بعض من لم يتأمل قوله أن رواية عائشة اضطربت في الحج والرضاع وصلاته بالليل وقصر الصلاة في السفر، وهو عجيب، فإنه راجع إلى اختلاف حالاته، وأغلبها: إحدى عشرة، ومرة وصلها: ثلاث عشرة، ومرة: خمس عشرة بإضافة الركعتين أول قيامه إليها وركعتي الفجر، أو ركعتي سنة العشاء، ولم يعتد بذلك في غيرها فلا تضاد إذن.

وقوله: ( ثم يضطجع على شقه الأيمن ) هذه الضجعة سنة، ويقوم مقامها الكلام، وعند المالكية: بدعة، وإنما فعلت للراحة. ووافقنا ابن حبيب، وشذ ابن حزم فأوجبها وجعلها شرطا للصحة - وستكون لنا عودة عند الكلام عليها - وكونها على الأيمن ; لأنه كان يستحب التيمن في شأنه كله.

التالي السابق


الخدمات العلمية