التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
951 996 - حدثنا عمر بن حفص قال: حدثنا أبي قال: حدثنا الأعمش قال: حدثني مسلم، عن مسروق عن عائشة قالت: كل الليل أوتر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وانتهى وتره إلى السحر. [ مسلم: 745 - فتح: 2 \ 486]


وذكر فيه حديث أنس بن سيرين قال: قلت لابن عمر: أرأيت الركعتين قبل صلاة الغداة أطيل فيهما القراءة ؟.. الحديث.

وحديث عائشة قالت: كل الليل قد أوتر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وانتهى وتره إلى السحر.

الشرح:

هذا التعليق أسنده البخاري، وسيأتي في باب الضحى في الحضر، وأخرجه مسلم، ونحوه في النسائي. وحديث أنس [ ص: 185 ] أخرجه مسلم، وشيخ البخاري فيه أبو النعمان، وهو محمد بن الفضل السدوسي، مات سنة أربع - وقيل: ثلاث - وعشرين ومائتين، ولقبه: عارم.

والحديث الثاني أخرجه مسلم والأربعة، ومسلم الذي في إسناده هو ابن صبيح العطار أبو الضحى، مات في خلافة عمر بن عبد العزيز.

ومسروق هو ابن الأجدع، ووالد شيخ البخاري عمر بن حفص، وكان والده ثقة مأمونا، إلا أنه كان يدلس.

وقد ورد أيضا في وقت الوتر أحاديث منها: أنه ما بين العشاء وطلوع الفجر أخرجه أبو داود من حديث خارجة، واستغربه الترمذي.

وأحمد من حديث أبي بكرة، وفي أبي داود والترمذي مصححا من حديث ابن عمر: "بادروا الصبح بالوتر". وفي أبي داود من حديث أبي قتادة أنه - صلى الله عليه وسلم - قال لأبي بكر: "متى توتر ؟ " قال: أوتر من أول الليل. وقال لعمر: "متى توتر ؟ " قال: آخره. فقال لأبي بكر: "هذا [ ص: 186 ] أخذ بالحزم " وقال لعمر: "هذا أخذ بالقوة". وفي رواية للبيهقي: "أخذت بالحزم، أو بالوثيقة". وفي رواية له من حديث ابن عمر.

وقال في حق الصديق: "بالحزم أخذت" وفي حق عمر قال: "فعل القوي فعلت". ولابن ماجه نحوه عن جابر. ولمسلم من حديث أبي سعيد: "أوتروا قبل أن تصبحوا" وأخرجه الترمذي والنسائي، وفي رواية: "قبل الصبح" وفي أخرى: "قبل الفجر".

ولمسلم أيضا من حديث ابن عمر: "من صلى من الليل فليجعل آخر صلاته وترا قبل الصبح" وله عن جابر: "من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخر الليل فإن صلاة آخر الليل [ ص: 187 ] مشهودة، وذلك أفضل". وفي لفظ آخر له: "أيكم خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر ثم ليرقد، ومن وثق بقيام من الليل فليوتر من آخره، فإن قراءة آخر الليل محضورة، وذلك أفضل". وفي "الموطأ" عن عائشة كانت تقول: من خشي أن ينام حتى يصبح فليوتر قبل أن ينام، ومن رجا أن يستيقظ آخر الليل فليؤخر وتره. ولأحمد من حديث معاذ: "زادني ربي صلاة - وهي الوتر - وقتها ما بين العشاء إلى طلوع الفجر".

واختلف العلماء في وقت الوتر، أما أوله ففيه ثلاثة أوجه:

أصحها وأشهرها، وهو قول الجمهور أنه يدخل بفراغه من فريضة العشاء، سواء صلى بينه وبين العشاء نافلة أم لا، وسواء أوتر بركعة أو بأكثر، فإن أوتر قبل فعل العشاء لم يصح وتره، سواء تعمده أو سها فظن أنه صلى العشاء أم ظن جوازه، وكذا لو صلى العشاء فظن الطهارة، ثم أحدث فتوضأ فأوتر، فبان حدثه في العشاء، فوتره باطل.

ثانيها: بدخول وقت العشاء، وله أن يصليه قبلها سواء تعمده أو سها.

ثالثها: إن أوتر بركعة فلا بد أن يسبقه نفل، فإن خالف وقع تطوعا، بخلاف ما إذا أوتر بأكثر من ركعة. وقال المرغيناني: أول وقته بعد [ ص: 188 ] العشاء، وهذا قولهما، أما عند أبي حنيفة فأول وقتهما إذا غاب الشفق، ووقتهما واحد، والوتر فرض على حدة، عملا عنده، وعندهما: سنة.

وثمرة الخلاف تظهر فيما إذا صلى العشاء بغير طهارة ثم توضأ وأوتر ثم علم بحدثه فإنه يعيد العشاء ولا يعيد الوتر عنده، خلافا لهما، وهو قول مالك وأحمد ; لأنها سنة تبع للعشاء كركعتي العشاء، لا تقدم عليها. وفي أخرى: وهو أن الترتيب شرط بين فرض الوقت عنده حتى يفسد الفجر عنده إذا كان ذاكرا لترك الوتر، وعندهما كسنة الفجر، إلا عند أبي حنيفة: لا تقدم على العشاء مع الذكر حتى لو أوتر قبل أن يصلي العشاء وهو ذاكر لها لم يجزه اتفاقا لأدائها قبل وقتها المرتب.

وفي "مختصر الطحاوي": وقت الوتر: وقت العشاء، فمن صلاها في أول الوقت أو آخره يكون مؤديا لا قاضيا.

وأما آخر وقت الوتر فقد سلف في الباب قبله واضحا. ونقل ابن المنذر إجماع أهل العلم على أن ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر وقت للوتر.

ثم حكي عن جماعة من السلف أنهم قالوا: يمتد وقته حتى يصلي الصبح، وعن جماعة: يفوت بطلوع الفجر.

[ ص: 189 ] وقال ابن التين: أول وقته انقضاء صلاة العشاء، واختلف في آخره، فقال مالك: يصلى بعد الفجر ما لم يصل الصبح، وقال أبو مصعب: لا يقضى بعد الفجر، وقال بعض الناس: من نسيه أو نام عنه فليصله من الغد.

واختلف فيما إذا ذكره، وهو في الصبح، هل يقطعها أم لا ؟ فقيل: يقطعها مطلقا، وسواء كان إماما أو مأموما أو فذا لتأكده، وقيل: لا يقطع مطلقا ; لأنه سنة، وقيل: يقطع الإمام والفذ فقط ; لأن المأموم تابع لغيره بخلافهما، وقيل: يقطع الفذ خاصة لتأكد الجماعة، وقيل: إن يذكر قبل أن يعقد ركعة قطع، وإلا فلا.

واستدل من رأى بجواز الوتر بعد الصبح بحديث أبي سعيد الخدري: "من نام عن وتره فليصل إذا أصبح" أخرجه الترمذي، وله في رواية عنه: ( من نام عن الوتر أو نسيه، فليصله إذا ذكر وإذا استيقظ ). قال الترمذي: والأول أصح، وأخرج الثاني وأبو داود إلى قوله: "إذا ذكر"، وفي النسائي من حديث محمد بن المنتشر قال: كان في مسجد عمرو بن شرحبيل فأقيمت الصلاة فجعلوا ينتظرونه فقال: إني كنت أوتر. قال: وسئل عبيد الله: هل بعد الأذان وتر ؟ قال: نعم، وبعد ( الإقامة ) قال: وحدث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نام [ ص: 190 ] عن الصلاة حتى طلعت الشمس ثم صلى.

وفي "الموطأ" عن ابن عباس: نام ليلة ثم استيقظ وقال لغلامه: انظر ما صنع الناس. وكان قد ذهب بصره، فذهب الخادم ثم رجع فقال: انصرفوا من الصبح، فقام فأوتر ثم صلى الصبح.

وفيه عن عبادة: كان يؤم قوما فخرج يوما إلى الصبح فأقام المؤذن فأسكته حتى أوتر، ثم أقام.

وفيه: مالك بلغه أن ابن عباس وعبادة والقاسم بن محمد وعبد الله بن عامر بن ربيعة: إني لأوتر وأنا أسمع الإقامة بالصبح، أو بعد الفجر. شك راويه.

وعن ابن مسعود فيما حكاه ابن الأثير من غير عزو: ما أبالي لو أقيمت الصلاة للصبح وأنا أوتر.

واستدلوا أيضا بالحديث - السالف -: "فإذا خشي أحدكم الصبح فليوتر" وقد سلف وجهه. قال ابن التين: فيه متعلقان: أحدهما: قوله: "إذا خشي" فنص على أنه مما ينبغي لصاحب الوتر، وذلك يدل على أن له تأثيرا فيه، والثاني: قوله: "فليوتر" فأمر بالوتر إذا خشي الفجر، وذلك يقتضي فعله قبل الفجر.

وفي وصيته - صلى الله عليه وسلم - أبا هريرة بالوتر قبل النوم، وفعل أبي بكر دليل أن [ ص: 191 ] ذلك مخافة فوات فعله، وإلا فلا شك أنهما يستيقظان بعد الفجر لصلاة الصبح.

واعلم أن البخاري ذكر في هذا الباب الأحاديث الثلاثة السالفة، وهي جامعة لأوقات الوتر، مطابقة لما بوب له، وذلك أن حديث أبي هريرة يقتضي أوائل الليل قبل النوم، وحديث: "يصلي من الليل مثنى مثنى ويوتر بركعة" مجموع الليل، وحديث: "انتهاء وتره إلى السحر" آخر الليل. قال المهلب: ليس للوتر وقت مؤقت لا يجوز غيره ; لأنه - صلى الله عليه وسلم - قد أوتر كل الليل كما قالت عائشة، وقد اختلف السلف في ذلك، فعن الصديق وعثمان وأبي هريرة ورافع بن خديج أنهم كانوا يوترون أول الليل، وكان يوتر آخره عمر وعلي وابن مسعود وأبو الدرداء وابن عباس وابن عمر، وجماعة من التابعين.

واستحبه مالك والثوري والكوفيون وجمهور العلماء، فإن قلت: ما وجه أمره - صلى الله عليه وسلم - بالوتر قبل النوم لأبي هريرة ؟ قلت: خشية أن يستولي عليه النوم، فأمره بالأخذ بالثقة، وبهذا وردت الأخبار عنه - صلى الله عليه وسلم - منها:

[ ص: 192 ] حديث عائشة: "من خاف أن لا يستيقظ آخر الليل ; فليوتر أول الليل، ومن علم أنه يستيقظ آخر الليل ; فإن صلاته آخر الليل محضورة، وذلك أفضل"، ومنها حديث أبي قتادة السالف.

وقوله: ( وكأن الأذان بأذنيه ). قال حماد: أي: سرعة، المراد بالأذان هنا: الإقامة كما قال المهلب، يريد أنه كان يسرع ركعتي الفجر قبل الإقامة من أجل تغليسه بالصبح.

وقول عائشة: ( كل الليل قد أوتر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) دال على أن الليل من فعل العشاء وقت له كما سلف، وقد يكون أوتر من أوله لشكوى حصلت، وفي وسطه لاستيقاظه إذ ذاك وآخره غاية له.

التالي السابق


الخدمات العلمية