التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
962 1007 - حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق قال: كنا عند عبد الله فقال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما رأى من الناس إدبارا قال: " اللهم سبع كسبع يوسف". فأخذتهم سنة حصت كل شيء حتى أكلوا الجلود والميتة والجيف، وينظر أحدهم إلى السماء فيرى الدخان من الجوع، فأتاه أبو سفيان فقال: يا محمد إنك تأمر بطاعة الله وبصلة الرحم، وإن قومك قد هلكوا، فادع الله لهم قال الله تعالى: فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين إلى قوله: عائدون يوم نبطش البطشة الكبرى [الدخان: 10 - 16] فالبطشة: يوم بدر، وقد مضت الدخان والبطشة واللزام وآية الروم. [1020، 4693، 4767، 4774، 4809، 4820، 4821، 4822، 4823، 4824، 4825 - مسلم: 2798 - فتح: 2 \ 492]


ذكر فيه رحمه الله حديثا معلقا، وهو: "اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف" وهذا يأتي بعد مسندا.

وذكر بعده حديثين:

[ ص: 221 ] أحدهما:

حديث أبي الضحى - مسلم بن صبيح - عن مسروق قال: كنا عند عبد الله فقال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما رأى من الناس إدبارا قال: "اللهم. .. " الحديث

ويأتي قريبا في باب استشفاع المشركين بالمسلمين، وفي مواضع من التفسير في سورة يوسف والروم والدخان. وأخرجه مسلم في التوبة والترمذي والنسائي في التفسير.

والكلام عليه من أوجه:

أحدها:

قوله: ( كنا عند عبد الله ) هو ابن مسعود، وجاء عنه: كنا جلوسا عنده، وهو مضطجع بيننا فأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن، إن قاصا عند أبواب كندة يقص ويزعم أن آية الدخان تجيء فتأخذ بأنفاس الكفار، وتأخذ المؤمن كهيئة الزكام فقال عبد الله - وجلس وهو غضبان -: يا أيها الناس، اتقوا الله. من علم منكم شيئا، فليقل بما يعلم، ومن لا يعلم، فليقل: الله أعلم. فإنه أعلم لأحدكم أن يقول لما يعلم: الله أعلم، فإن الله قال لنبيه: قل ما أسألكم عليه من [ ص: 222 ] أجر وما أنا من المتكلفين [ص: 86] والمراد بالناس هنا: كفار قريش، كما قاله ابن التين. وجاء في رواية: لما دعا قريشا كذبوه، واستعصوا عليه، فقال: "اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف".

الثاني:

قوله: "اللهم سبعا كسبع يوسف" هذا إشارة إلى قوله تعالى: ثم يأتي من بعد ذلك سبع [يوسف :48]، وقوله: تزرعون سبع سنين دأبا [يوسف: 47]

وفيه: جواز الدعاء على الكفار بالجوع والجهد وغيرهما. وإنما دعا عليهم بالسبع إرادة بالإضعاف بالجوع عن طغيانهم ; فإن نفس الجائع أخشع لله، وأقرب إلى الانقياد والتذلل، نبه عليه المهلب، وأجاب الله دعاء نبيه، فأخذتهم سنة حصت كل شيء، حتى أكلوا الجلود والميتة والجيف، وأعلمه أنهم سيعودون بعد أن يرغبوا في رد العذاب عنهم.

وفيه: الدعاء على الظلمة بالهلاك.

والسنة - بفتح السين -: القحط والجدب قال تعالى: ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين [الأعراف: 130] و"حصت" - بالحاء والصاد المهملتين - أي: استأصلت وأذهبت النبات، فانكشفت الأرض، والأحص: القليل الشعر، وحص رحمه: قطعها.

ثالثها:

قوله: ( فينظر أحدهم إلى السماء فينظر الدخان من الجوع ). قد فسر ابن مسعود - فيما ذكره ابن الجوزي - الدخان في هذا الحديث بأنه كان [ ص: 223 ] من شدة جوع أهل مكة كأن أحدهم يرى ما بينه وبين السماء، كهيئة الدخان، وأنه يمور فأنكر أن يكون دخان يجيء قبل يوم القيامة، وقال: أفيكشف عذاب الآخرة، يشير إلى قوله تعالى: إنا كاشفو العذاب قليلا [الدخان: 15] وقد ذهب إلى ما أنكره ابن مسعود جماعة، وقالوا: إنه دخان يأتي قبل قيام الساعة، وهو مروي عن علي، وابن عمر، وأبي هريرة، وابن عباس، والحسن، وعن حذيفة بن أسيد مرفوعا: "إن من أشراط الساعة دخانا يمكث في الأرض أربعين يوما" ويؤيد هذا القول قوله تعالى: ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون [الدخان: 12] وقوله: إنا كاشفو العذاب قليلا إنكم عائدون .

رابعها:

قوله: فأتاه أبو سفيان: هو صخر بن حرب والد معاوية، وكان إذ ذاك كافرا ; لأن هذه القضية كانت قبل الهجرة إلى المدينة.

وقوله: ( وإن قومك ). أي: قريش قد هلكوا أي: من القحط والجدب وقوله: فذلك يوم نبطش البطشة الكبرى [الدخان: 16] يعني: يوم بدر، وقال جماعة إنها يوم القيامة. وفي رواية أسباط عن منصور، فدعا - صلى الله عليه وسلم - فسقوا الغيث فأطبقت عليهم سبعا.

[ ص: 224 ] وفيه من الفوائد:

إجازة استشفاع المشركين بالمسلمين، والإجابة إذا رجي رجوعهم إلى الحق، وقد ترجم عليه البخاري بذلك كما ستعلمه قريبا. وكانت هذه القصة والنبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة قبل الهجرة كما سلف آنفا.

وفيه: أن الإمام إذا طمع بدار من دور الحرب أن يسلم أهلها أن يرفق بهم ويأخذ عفوهم، ويدعو لهم بالصلاح، ويكف عن ثمارهم وزرعهم، وإن أيس من إنابتهم فلا يدعو لهم بل عليهم، ولا بأس حينئذ بقطع ثمارهم وزرعهم.

وقال المهلب: الدعاء على المشركين يختلف معناه، فإذا كانوا منتهكين لحرم الدين وحرم أهله، فالدعاء عليهم واجب وعلى كل من سار بسيرهم من أهل المعاصي في الانتهاك، فإن لم ينتهكوا حرم الدين وأهله، وجب أن يدعى لهم بالتوبة، كما قال - صلى الله عليه وسلم - حين سئل أن يدعو على دوس: "اللهم اهد دوسا وأت بهم" وقيل: إنما يجب الدعاء على أهل المعاصي في حين انتهاكهم وأما عند إدبارهم وتركهم، فيجب أن يدعى لهم بالتوبة. وروي أن الصديق وزوجته كانا يدعوان على ابنهما عبد الرحمن بالهلاك يوم بدر إذا حمل على المسلمين، وإذا أدبر يدعوان له بالتوبة.

وفيه أيضا: إقرار الكفار بفضل نبينا، وقربه من ربه، والتشفع به، وأن ذلك عادة من الله علموها، ولولاها ما لجأوا إليه في كشف الضر عند إشرافهم على الهلاك، وذلك أدل دليل على معرفتهم بصدقه، ولكن الحسد والأنفة الجاهلية حملتهم على معاندته ومعاداته [ ص: 225 ] ومخالفته، لما سبق في أم الكتاب من كفرهم، أعاذنا الله تعالى من العناد وغيره.

خامسها:

قوله: ( وقد مضت البطشة يوم بدر ). هذا على قول ابن مسعود وقد مضت، وعلى قول الجماعة السالفة تكون يوم القيامة.

وقوله: ( وقد مضت الدخان ) هو مجاز على قول ابن مسعود، واللزام: هو ما أصابهم من القتل يوم بدر، ذكره ابن أبي حاتم، عن ابن مسعود، وأبي ومحمد بن كعب ومجاهد وقتادة والضحاك.

قال القرطبي: وعلى هذا فالبطشة واللزام واحد، وإليه نحا ابن مسعود، وهو قول أكثر الناس. وعن الحسن: إن اللزام يوم القيامة، وعنه يكون موتا، وعنه: يكون بذنبكم عذابا لازما لكم.

وفي رواية البرقاني قوله: فسوف يكون لزاما يوم بدر.

وقال ابن العربي: قال أبو عيسى: اللزام: يوم بدر، والذي عندي أن المراد به الانتقام منهم بظهوره عليهم حتى يؤمنوا أو يهلكوا.

قال: وقال البخاري في حديث مسروق، عن عبد الله: أن البطشة الكبرى يوم بدر وهو الصحيح أقوى من كلام أبي عيسى عن نفسه.

[ ص: 226 ] وفي "الصحيح" عن مسروق، عن عبد الله قال: خمس قد مضين: الدخان، واللزام، والروم، والبطشة، والقمر. وقوله: ( وآية الروم ) تأتي في سورة الروم إن شاء الله وحاصلها أن المسلمين حين اقتتلت فارس والروم كانوا يحبون ظهور الروم على فارس ; لأنهم أهل كتاب، وكان كفار قريش يحبون ظهور فارس ; لأنهم مجوس، وكفار قريش عبدة أوثان، فتخاطر أبو بكر وأبو جهل في ذلك أي: أخرجا سبقا وجعلوا بينهم مدة بضع سنين.

فقال - صلى الله عليه وسلم - للصديق: "إن البضع قد يكون إلى تسع - أو قال: إلى سبع فزد في المدة - أو - في الخطار" ففعل، فغلبت الروم فقال تعالى:
الم غلبت الروم
يعني: المدة الأولى قبل الخطار ثم قال: وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين إلى قوله: يفرح المؤمنون بنصر الله [الروم: 4 - 5] يعني: بغلبة الروم [ ص: 227 ] فارس وربما أخذوا من الخطار، ويفرحون بالآية العظيمة التي لا يعلمها إلا الله سبحانه خبرهم بما سيكون. قال الشعبي: كان القمار في ذلك الوقت حلالا.

الحديث الثاني:

حديث أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا رفع رأسه من الركعة الأخيرة يقول: "اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة.. " الحديث.

وأخرجه أيضا في التفسير في مواضع، وفي الجهاد والأدب والإكراه، وأخرجه مسلم والنسائي أيضا.

إذا عرفت ذلك فالكلام عليه من أوجه:

أحدها:

كان إذا رفع رأسه من الركعة الأخيرة. صريح في الدعاء بعد ذلك. وكذا جاء مصرحا به في رواية: "سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد"

[ ص: 228 ] وهو قائم وفي أخرى: من الركعة الثانية، وهو دال على أنه كان في صلاة الصبح، ولهذا قال أبو الزناد في آخره: وهذا كله في الصبح. نعم جاء في أخرى أن ذلك كان في العشاء، وفي أخرى الظهر والعشاء.

ثانيها:

عياش بالمثناة تحت وبالشين المعجمة، واسم أبي ربيعة عمرو بن المغيرة أخو أبي جهل لأمه وابن عمه، وكان إسلامه قبل دخول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دار الأرقم، وهاجر إلى الحبشة ثم عاد إلى مكة، وهاجر إلى المدينة مع عمر، فقدم عليه أبو جهل والحارث ابنا هشام، فذكر له أن أمه حلفت أن لا تدخل رأسها دهن، ولا تستظل، حتى تراه، فرجع معهما، فأوثقاه وحبساه بمكة، وقتل يوم اليرموك، وقيل: مات بمكة.

وسلمة بن هشام هو ابن المغيرة ( بن عم ) خالد بن الوليد، أخو أبي جهل، أسلم قديما بمكة، وهاجر إلى الحبشة، ثم رجع إلى مكة، فأخذه أخوه أبو جهل فحبسه وضربه، ثم هاجر إلى المدينة بعد الخندق، [ ص: 229 ] ولم يزل بها حتى مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقتل بمرج الصفر في ربيع الأول سنة أربع عشرة، وقيل: بأجنادين.

والوليد هو أخو خالد بن الوليد، أسر يوم بدر كافرا، فافتدى أسره أخواه خالد وهشام بأربعة آلاف درهم، ولما افتدي خرجا به، فلما بلغا ذا الحليفة أفلت، فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأسلم، فقيل: هلا أسلمت قبل أن تفتدى ؟ قال: كرهت أن يقال: جزعت من الأسر، فأخذ وخرجا به إلى مكة وحبس ثم أفلت ولحق برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وشهد عمرة القضية، وقيل: لم يشهدها، وقيل: بل لما أفلت بمكة مشى على رجله، ومات عند بئر أبي عنبة.

ثالثها:

معنى "اشدد وطأتك" أي: اشدد بأسك وعقوبتك، وهو ما أصابهم من الجوع والشدة وأصله: وطأ الرجل، وقوله: "على مضر" هم: أهل مكة وما والاها، وقوله: "كسني يوسف" يعني: لا تنبت شيئا، وقوله: "كسني" هذا على من جمع بالياء والنون. ومن قال: سنون، ورفع النون فقيل وزنه فعيل، مثل مكيث وعبيد، وكسرت السين لكسرة ما بعدها.

قال الأخفش: هو فعلين مثل غسلين، وهو جمع شاذ.

[ ص: 230 ] وفيه: الدعاء على الظالم بالهلاك، وقد سلف. وللمستضعفين من المؤمنين الذين سمى الرسول وأجمل في دعائه، ولأسرى المؤمنين بالنجاة من أيدي العدو، وجواز الدعاء في الفرض بما ليس من القرآن، وخالف في هذا الكوفيون. وقوله في غفار وأسلم، قال ذلك تفاؤلا لهما من أسمائهما فألا حسنا، وكان يحبه.

وقال الخطابي: خص غفارا - والله أعلم - بالمغفرة لمبادرتهم إلى الإسلام، وحسن بلائهم فيه، ودعا لأسلم ; لأن إسلامهم كان سلما من غير ( خوف )، ويقال: كان مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين من أسلم أربعمائة، ومن غفار مثلها، وفي ذلك كله الدعاء بالمغفرة للمؤمنين.

التالي السابق


الخدمات العلمية