التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
1082 1133 - حدثنا موسى بن إسماعيل قال : حدثنا إبراهيم بن سعد قال : ذكر أبي ، عن أبي سلمة ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : ما ألفاه السحر عندي إلا نائما . تعني : النبي - صلى الله عليه وسلم - . [مسلم : 742 - فتح: 3 \ 16]


ذكر فيه حديث عبد الله بن عمرو : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له : "أحب الصلاة إلى الله صلاة داود ، وأحب الصيام إلى الله صيام داود ، وكان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه ، ويصوم يوما ويفطر يوما " .

وحديث مسروق : قال : سألت عائشة : أي العمل كان أحب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟ قالت : الدائم . قلت : متى كان يقوم ؟ قالت : يقوم إذا سمع الصارخ .

وحدثنا محمد بن سلام ، قال : أنا أبو الأحوص- واسمه سلام بن سليم الحنفي ، مات هو ومالك ، وحماد بن زيد ، وخالد الطحان سنة سبع وسبعين ومائة- عن الأشعث قال : إذا سمع الصارخ قام فصلى .

[ ص: 56 ] قلت : والصارخ : الديك .

حديث عائشة قالت : ما ألفاه السحر عندي إلا نائما ، يعني : النبي - صلى الله عليه وسلم - .

الشرح :

أما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه مسلم ، والأربعة أيضا مختصرا أو مطولا . وكرره البخاري قريبا .

وفي الصوم في مواضع ستة ، وفي أحاديث الأنبياء في موضعين ، والنكاح ، والأدب ، وفضائل القرآن ، والاستئذان .

وذكر عبد الحق في "أحكامه " أن عطاء رواه عن عبد الله بن عمرو ، وهو خطأ ، بينهما السائب بن فروخ كما أخرجه مسلم .

[ ص: 57 ] وعطاء هذا هو ابن أبي رباح ، صرح به المزي ، وذكر الطرقي أنه ابن السائب .

وروى البزار منه : "وكان لا يفر إذا لاقى " من حديث الحجاج بن أرطاة ، عن عطاء ، عن عبد الله بن عمرو ، كذا أخرجه الطبراني من طريق حجاج ، عن عطاء ، ومن طريق الأوزاعي ، عن عطاء ، عنه .

قال القرطبي : ظن من لا بصيرة عنده : إنه حديث مضطرب ، وليس كذلك ، فإنه إذا تتبع اختلافه ، وضم بعضه إلى بعض انتظمت صورته ، وتناسب مساقه إذ ليس فيه اختلاف وتناقض ، بل يرجع اختلافه إلى أن ذكر بعضهم ما سكت عنه غيره ، وفصل بعض ما أجمله غيره .

وحديث عائشة الأول أخرجه أيضا في الرقاق . وأخرجه مسلم (د ) أيضا .

و (أشعث ) في إسناده هو أبي الشعثاء سليم بن أسود .

وشيخ البخاري فيه (محمد ) قد أسلفنا أنه ابن سلام ، وكذا نسبه ابن السكن .

قال الجياني : وفي نسخة أبي ذر ، عن أبي أحمد الحموي : حدثنا محمد بن سالم .

وقال أبو الوليد الباجي : محمد بن سالم ذكر البخاري ، وساق الحديث : حدثنا محمد بن سالم -وعلى سالم علامة الحموي- قال : [ ص: 58 ] وسألت عنه أبا ذر فقال : أراه ابن سلام ، وسها فيه أبو محمد الحموي .

ولا أعلم في طبقة شيوخ البخاري محمد بن سالم .

ورواه الإسماعيلي عن محمد بن يحيى المروزي ، ثنا خلف بن هشام ، ثنا أبو الأحوص ، عن أشعث ، عن أبيه ، عن مسروق ، أو الأسود قال : سألت عائشة . . الحديث . ثم قال : لم يذكر البخاري بعد أشعث في هذا الوجه .

وفي رواية أبي داود : كان إذا سمع الصراخ قام فصلى .

وذكر أبو نعيم أن البخاري رواه عن عبدان ، عن ابن المبارك ، عن شعبة . والذي في البخاري عبدان ، عن أبيه ، عن شعبة ، فاعلمه . وحديثها الآخر أخرجه مسلم .

إذا عرفت ذلك ; فالكلام عليها من أوجه :

أحدها :

قوله : ( "أحب الصلاة إلى الله صلاة داود " ) يريد لمن عدا النبي - صلى الله عليه وسلم - ; لقوله تعالى : يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا [المزمل : 1 - 2] الآيات وقد سلف أن هذا الأفضل لمن قسم الليل أسداسا .

وفي "كتاب المحاملي " : وإن صلى بعض الليل ، فأي وقت أفضل ؟

فيه قولان :

أحدهما : أن يصلي جوف الليل .

والثاني : وقت السحر ; ليصلي صلاة الفجر وهو غريب .

وقوله : ( "وأحب الصيام إلى الله صيام داود ، كان يصوم يوما ويفطر [ ص: 59 ] يوما " ) ظاهره أنه أفضل من صوم الدهر عند عدم التضرر ، وقد صرح به بعض أصحابنا ، ولا شك أن المكلف لم يتعبد بالصيام خاصة ، بل به وبالحج والجهاد وغير ذلك .

فإذا استفرغ جهده في الصوم خاصة انقطعت قربه ، وبطلت سائر العبادات ، فأمر أن يستبقي قوته لها .

وبين ذلك في الحديث الآخر في قصة داود : "وكان لا يفر إذا لاقى " .

وبين ذلك لعبد الله بن عمرو فقال : إنك إذا قمت الليل -يريد كله- هجمت له العين ، ونفهت له النفس ، لا صام من صام الدهر ، وقيل : النهي لمن صام الأيام المنهي عنها ، وقيل في قوله : (لا أفضل من ذلك ) بالنسبة إلى المخاطب لما علم من حاله ومنتهى قوته ، وأن ما هو أكثر من ذلك يضعفه عن فرائضه ، ويقعد به عن حقوق نفسه .

الثاني :

وجه ترجمة البخاري من هذا الحديث : نوم داود السدس الأخير ، وقام ثلثه ، وهو الوقت الذي ينادى فيه : هل من سائل ؟ هل من مستغفر ؟ هل من تائب ؟ ونومه السدس الأخير ; ليستريح من نصب القيام السابق .

ووجه كونها أحب ; لأنها أرفق على النفس وأبعد من الملل المؤدي إلى الترك ، والله يحب أن يديم فضله ويوالي نعمه أبدا ، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : [ ص: 60 ] "إن الله لا يمل حتى تملوا " يعني : أنه لا يقطع المجازاة على العبادة حتى تقطعوا العمل ، فأخرج لفظ المجازاة بلفظ الفعل ; لأن الملل غير جائز على الرب جل جلاله ، ولا من صفاته ، ووجه كون أحب العمل إليه الدائم ; لأن مع الدوام على العمل القليل يكون العمل كثيرا ، وإذا تكلف المشقة في العمل انقطع عنه وتركه فكان أقل .

الثالث :

قولها : (كان يقوم إذا سمع الصارخ ) هو نحو من قول ابن عباس : نصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل ، كذا قاله ابن التين .

وقال ابن بطال : هذا في حدود الثلث الآخر لتحري وقت نزول الرب تعالى : أي أمره .

وقولها : (ما ألفاه السحر عندي إلا نائما ) أي : مضطجعا على جنبه ; لأنها قالت في حديث آخر : فإن كنت يقظانة حدثني وإلا اضطجع حتى يأتيه المنادي للصلاة ; فتحصل بالضجعة الراحة من نصب القيام ، ولما يستقبله من طول صلاة الصبح ; ولذلك كان ينام عند السحر .

وهذا كان يفعله - صلى الله عليه وسلم - في الليالي الطوال وفي غير رمضان ; لأنه قد ثبت عنه تأخير السحور على ما يأتي في الباب بعده .

التالي السابق


الخدمات العلمية