التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
114 114 - حدثنا يحيى بن سليمان قال: حدثني ابن وهب قال: أخبرني يونس، [ ص: 557 ] عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: لما اشتد بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وجعه قال: " ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده". قال عمر: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا. فاختلفوا وكثر اللغط. قال: "قوموا عني، ولا ينبغي عندي التنازع". فخرج ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين كتابه. [3053، 3168، 4431، 4432، 5669، 7366 - مسلم: 1637 - فتح: 1 \ 208]


ذكر فيه رحمه الله أربعة أحاديث:

الحديث الأول:

حدثنا محمد بن سلام، أنا وكيع، عن سفيان، عن مطرف، عن الشعبي، عن أبي جحيفة قال: قلت لعلي : هل عندكم كتاب؟ قال: لا، إلا كتاب الله، أو فهم أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة. قال: قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر .

الكلام عليه من (أوجه):

أحدها:

هذا الحديث أخرجه البخاري أيضا في الجهاد عن أحمد بن يونس، عن زهير، عن مطرف، وفي الديات عن صدقة بن الفضل، عن ابن عيينة، عن مطرف .

قال أبو مسعود الدمشقي : يقال: إن حديث وكيع، عن سفيان هو ابن عيينة، ولم ينبه البخاري عليه قال: وقد رواه يزيد العدني عن [ ص: 558 ] الثوري أيضا.

قال الغساني : هو محفوظ من حديث سفيان بن عيينة .

وانفرد به البخاري عن مسلم من طريق أبي جحيفة، واتفقا على معناه بدون بيان ما في الصحيفة من حديث إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن علي .

ورواه أبو داود من حديث قيس بن عباد عن علي، ورجاله رجال الصحيح.

ثانيها: في التعريف برواته غير من سلف:

أما أبو جحيفة فهو وهب (ع) بن عبد الله السوائي -بضم السين وفتح الواو- ويقال: وهب بن وهب . ويقال: وهب الخير، من بني حرثان بن سواءة بن عامر بن صعصعة، كان من صغار الصحابة، قيل: توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يبلغ الحلم. نزل الكوفة، (روي له خمسة وأربعون حديثا، اتفقا على حديثين، وانفرد البخاري باثنين، ومسلم بثلاثة، وكان علي - رضي الله عنه - يكرمه ويحبه ويثق به، وجعله على بيت المال بالكوفة ) وشهد مشاهده كلها. مات سنة أربع وسبعين في خلافة بشر بن مروان.

وأما مطرف (ع) فهو أبو بكر ويقال: أبو عبد الرحمن مطرف بن طريف الكوفي الحارثي نسبة إلى بني الحارث بن كعب بن عمرو، [ ص: 559 ] ويقال: الخارفي -بالخاء المعجمة والفاء- نسبة إلى خارف بن عبد الله.

وثقه أحمد وغيره، مات سنة ثلاث وثلاثين ومائة، وقيل: سنة اثنتين وأربعين.

وأما وكيع فهو أحد الأعلام الثقات أبو سفيان وكيع بن الجراح بن مليح بن عدي بن فرس بن حمحمة، وقيل: غيره. أصله من قرية من قرى نيسابور، الرؤاسي الكوفي، من قيس غيلان، روى عن الأعمش وغيره، وعنه أحمد، وقال: إنه أحفظ من ابن مهدي.

وقال حماد بن زيد : لو شئت قلت: إنه أرجح من سفيان . ولد سنة ثمان وعشرين ومائة، ومات بفيد سنة سبع وتسعين ومائة.

ثالثها: في فوائده:

الأولى: كتابة الحديث : وقد اختلف الصدر الأول في ذلك، فمنهم من كره كتابته وكتابة العلم وأمروا بحفظه، ومنهم من جوز ذلك.

[ ص: 560 ] وجاء في النهي حديث: " لا تكتبوا عني شيئا (إلا القرآن) ومن كتب عني غير القرآن فليمحه " أخرجه مسلم .

وفي الإباحة الحديث الآتي: " اكتبوا لأبي شاة " ولعل الإذن لمن خيف نسيانه، والنهي لمن أمن وخيف اتكاله، أو نهى حين خيف اختلاطه بالقرآن، وأذن حين أمن، ثم إنه زال ذلك الخلاف وأجمعوا على الجواز، ولولا تدوينه لدرس في الأعصار الأخيرة.

[ ص: 561 ] الثانية: فيه إبطال ما يخترعه الرافضة والشيعة من قولهم: إن عليا - رضي الله عنه - أوصى إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - بأسرار العلم، وقواعده وعلم الغيب ما لم يطلع عليه غيره، وإنه - صلى الله عليه وسلم - خص أهل البيت بما لم يطلع عليه غيرهم، وهي دعاوى باطلة واختراعات فاسدة لا أصل لها.

الثالثة: فيه دلالة لمالك والشافعي والجمهور في أن المسلم لا يقتل بكافر قصاصا، وروي ذلك عن عمر، وعثمان، وعلي، وزيد بن ثابت، وبه قال جماعة من التابعين، وهو مذهب الأوزاعي أيضا والليث والثوري وأحمد وإسحاق وأبي ثور، إلا أن مالكا والليث قالا: إن قتله غيلة قتل. والغيلة: أن يقتله على ماله كما يصنع قاطع الطريق.

وذهب أبو حنيفة وأصحابه وابن أبي ليلى أنه يقتل المسلم بالذمي ولا يقتل بالمستأمن والمعاهد، وهو قول سعيد بن المسيب والشعبي والنخعي، واحتجوا بحديث ابن عمر أنه - صلى الله عليه وسلم - قتل مسلما بمعاهد، وقال: " أنا كرم من وفى بذمته " أخرجه الدارقطني ووهاه فقال: لم يسنده غير إبراهيم بن أبي يحيى وهو متروك، والصواب إرساله، وابن البيلماني ضعيف لا تقوم به حجة إذا وصل الحديث، [ ص: 562 ] فكيف إذا أرسله؟!

واحتجوا أيضا بالإجماع على أن المسلم تقطع يده إذا سرق مال الذمي، وبحديث علي في أبي داود : " ألا لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده " أي: بكافر، وجعلوه من باب عطف الخاص على العام، وأنه يقتضي تخصيصه; لأن الكافر الذي لا يقتل به ذو العهد هو الحربي دون المساوي له والأعلى وهو الذمي فلا يبقى أحد يقتل به المعاهد إلا الحربي، فيجب أن يكون الكافر الذي لا يقتل به المسلم هو الحربي تسوية بين المعطوف والمعطوف عليه.

والجواب: أما القياس فهو في مقابلة النص وهو باطل، وأما الحديث فجوابه من أوجه:

أحدها: أن الواو ليست للعطف بل للاستئناف، وما بعد ذلك جملة مستأنفة فلا حاجة إلى الإضمار، فإنه خلاف الأصل فلا يقدر فيه بكافر.

ثانيها: سلمنا أنه من باب العطف لكن المشاركة بواو العطف وقعت في أصل النفي لا في جميع الوجوه كما في قول القائل: مررت بزيد منطلقا وعمرو. فإن المنقول كما قال القرافي عن أهل اللغة والنحو أن ذلك لا يقتضي أنه مر بالمعطوف منطلقا بل الاشتراك في مطلق المرور.

[ ص: 563 ] ثالثها: أن المعنى لا يقتل ذو عهد في عهده خاصة إزالة لتوهم مشابهة الذمي، فإنه لا يقتل ولا ولده الذي لم يعاهد; لأن الذمة تنعقد له ولأولاده.

الرابعة: الكلام على العقل وفكاك الأسير يأتي إن شاء الله في الجهاد.

الحديث الثاني:

حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين ثنا شيبان، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن خزاعة قتلوا رجلا من بني ليث عام فتح مكة بقتيل منهم قتلوه، فأخبر بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم -، فركب راحلته، فخطب فقال: "إن الله حبس عن مكة الفيل -أو القتل قال أبو نعيم: وجعلوه على الشك؟ الفيل أو القتل، وغيره يقول: الفيل- وسلط عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين، ألا وإنها لم تحل لأحد قبلي، ولم تحل لأحد بعدي، ألا وإنها أحلت لي ساعة من نهار، ألا وإنها ساعتي هذه حرام، لا يختلى شوكها، ولا يعضد شجرها، ولا تلتقط ساقطتها إلا لمنشد، فمن قتل فهو بخير النظرين: إما أن يعقل، وإما أن يقاد أهل القتيل". فجاء رجل من أهل اليمن فقال: اكتب لي يا رسول الله. فقال: "اكتبوا لأبي فلان". فقال رجل من قريش: إلا الإذخر يا رسول الله، فإنا نجعله في بيوتنا وقبورنا. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إلا الإذخر، إلا الاذخر ".

[ ص: 564 ] الكلام عليه من أوجه:

أحدها:

هذا الحديث أخرجه البخاري أيضا في الديات عن أبي نعيم به وقال فيه: "فمن قتل له قتيل " وهو الصواب، خلاف ما وقع هنا. وأخرجه أيضا في اللقطة عن يحيى بن موسى، عن الوليد، عن الأوزاعي، وفي الديات، وقال عبد الله بن رجاء : حدثنا حرب .

وأخرجه مسلم في المناسك: عن زهير و ( عبيد) الله بن سعيد، عن الوليد، عن الأوزاعي، وعن إسحاق بن منصور، عن ( عبيد) الله بن موسى، عن شيبان ثلاثتهم عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة به.

ثانيها: في التعريف برجاله غير من سلف.

أما يحيى فهو: أبو نصر يحيى بن أبي كثير صالح بن المتوكل، ويقال: نشيط. ويقال: دينار. ودينار مولى علي اليمامي الطائي مولاهم العطار أحد الأعلام الثقات العباد.

روى عن أنس وجابر مرسلا، وعن أبي سلمة، وعنه هشام الدستوائي وغيره. قال أيوب : ما بقي على وجه الأرض مثله. مات [ ص: 565 ] سنة تسع وعشرين ومائة. وقيل: سنة اثنتين وثلاثين بعد أيوب بسنة.

وليس في الكتب الستة يحيى بن أبي كثير غيره، نعم فيها يحيى بن كثير العنبري، وفي أبي داود يحيى بن كثير الباهلي، وابن ماجه :

يحيى بن كثير صاحب البصري وهما ضعيفان.

[ ص: 566 ] وأما شيبان (ع) فهو أبو معاوية (شيبان بن عبد الرحمن) النحوي المؤدب البصري الثقة مولى بني تميم، سمع الحسن وغيره. وعنه ابن مهدي وغيره، وكان صاحب حروف وقراءات.

قال أحمد: هو ثبت في كل المشايخ، وشيبان أثبت في يحيى بن أبي كثير من الأوزاعي، مات ببغداد سنة أربع وستين ومائة في خلافة المهدي .

فائدة:

النحوي نسبة إلى قبيلة، وهم ولد النحو بن شمس بن عمرو بن غنم بن غالب بن عثمان بن نصر بن زهران، وليس في هذه القبيلة من يروي الحديث سواه ويزيد بن أبي سعيد (م، د)، وأما من عداهما فنسبه إلى النحو علم العربية كأبي عمرو بن العلاء النحوي وغيره.

[ ص: 567 ] فائدة ثانية:

ليس في "صحيح البخاري " من اسمه شيبان غيره، وفي مسلم : هو وشيبان بن فروخ، وفي أبي داود : شيبان أبو حذيفة القتباني، وليس في الكتب الستة غير ذلك.

ثالثها: في فوائده:

وقد تقدم جملة من معناه في حديث أبي شريح الخزاعي في باب: ليبلغ الشاهد الغائب، ونذكر هنا نبذا منه:

الأولى: خزاعة قبيلة وكذا بنو ليث، وقد أسلفنا هناك أن المقتول كان في الجاهلية، فقتلوا هذا به.

وعند ابن إسحاق أنه بقتيل منهم قتلوه وهو مشرك. وذكر القصة:

وهو أن خراش بن أمية من خزاعة قتل ابن الأكوع الهذلي، وهو مشرك بقتيل قتل في الجاهلية يقال له: أحمر، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يا معشر [ ص: 568 ] خزاعة، ارفعوا أيديكم عن القتل.. " الحديث كما ذكرناه هناك.

وقال الدارقطني فيه إنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "لو كنت قاتل مسلم بكافر لقتلت خراشا بالهذلي ". قال بعضهم: لو كان القتل قبل الإسلام لهدر النبي - صلى الله عليه وسلم - كما هدر دماء الجاهلية.

الثانية: "الفيل" هو بالفاء ثم مثناة تحت، وشك أبو نعيم بينه وبين القتل -بالقاف ثم مثناة فوق كما سلف- وصوب الأول، والمراد بحبس الفيل أهله، ويجوز أن يكون المراد نفسه كما ورد في قصته كما هي مشهورة في السير والتفاسير.

الثالثة: في خطبته - صلى الله عليه وسلم - راكبا دلالة على استحبابها في موضع عال منبرا كان أو غيره، جمعة كانت أو غيرها.

الرابعة: استدل بالتسليط من يرى أن مكة فتحت عنوة، وأن التسليط وقع له - صلى الله عليه وسلم - مقابل الحبس الذي وقع لأصحاب الفيل وهو الحبس عن القتال، وقد تقدمت المسألة في الحديث المشار إليه قريبا.

قال ابن بطال : ولا خلاف أنه - صلى الله عليه وسلم - من على أهل مكة وعفا عن أموالهم.

[ ص: 569 ] وذهب مالك والكوفيون إلى أن الغنائم لا تملك ملكا مستقرا بنفس الغنيمة، بل للإمام أن يمن ويعفو عن جملة الغنائم كما من على الأسارى وهم من جملة الغنائم.

الخامسة: قال الطحاوي : الذي أحل له - صلى الله عليه وسلم - وخص به دخوله مكة بغير إحرام، ولا يجوز لأحد يدخله بعده بدونه.

وهو قول ابن عباس، والقاسم، والحسن البصري، وأبي حنيفة، وصاحبيه، ولمالك والشافعي قولان فيمن لم يرد الحج والعمرة. وقال الطبري : الذي أحل له قتال أهلها ومحاربتهم. وقد سلف شيء من ذلك في الحديث المشار إليه.

السادسة: قوله: ("ولا يختلى شوكها") هو بمعنى: "لا يعضد" وقد سلف هناك يقال: خليت الخلا أخليه: إذا قطعته، والخلا بفتح الخاء مقصور: الرطب من الكلأ.

السابعة: قوله: " ولا تلتقط ساقطتها إلا لمنشد " وجاء: " ولا تحل لقطتها إلا لمنشد ". وجاء: "ولا تلتقط لقطتها إلا من عرفها ".

والمنشد: المعرف. وأما الطالب فيقال له: ناشد. يقال: نشدت الضالة إذا طلبتها، وأنشدتها إذا عرفتها.

وأصل الإنشاد رفع الصوت، ومنه إنشاد الشعر. والمعنى على هذا: [ ص: 570 ] لا تحل لقطتها إلا لمن يريد أن يعرفها أبدا من غير (توقيت) بسنة، ثم يملكها كغيره من البلاد. وبه قال الشافعي، وابن مهدي، وأبو عبيد، والداودي، والباجي، وابن العربي، والقرطبي .

وذهب مالك وبعض الشافعية إلى أنها كغيرها في التعريف والتمليك. وحمل المازري الحديث على المبالغة في التعريف; لأن الحاج يرجع إلى بلده وهو لا يعود إلا بعد أعوام، فتدعو الضرورة لإطالة التعريف بها بخلاف غير مكة.

وعن ابن راهويه والنضر بن شميل : تقديره: إلا من سمع ناشدا يقول: من أضل كذا. فحينئذ يجوز رفعها إذا رآها ليردها (على) صاحبها. وقيل: لا تحل إلا لربها الذي يطلبها. قال أبو عبيد : وهو جيد في المعنى، لكن لا يجوز في العربية أن يقال للطالب: منشد.

قلت: قد حكاه بعضهم فجعل الناشد: المعرف، والمنشد: الطالب، عكس ما سلف حكاه عياض في "مشارقه" عن الحربي.

الثامنة: قوله: ("إما أن يعقل، (وإما أن) يقاد أهل القتيل") ، كذا رواه هنا. وقال في الديات: "إما يودي و (أو) يقاد" قال: وقال عبيد الله : "وإما أن يقاد أهل القتيل": والمعنى: إما أن يعقل المقتول [ ص: 571 ] بالدية، وإما أن يقاد، أي: يقتل القاتل. وحكى بعضهم عن رواية مسلم : "يفادى" بالفاء. والصواب: بالقاف، لأن العقل هو الفداء، فيختل المعنى. وسميت الدية عقلا بالمصدر لأنها تعقل بفنائه.

التاسعة: فيه أن ولي القتيل بالخيار بين أخذ الدية وبين القتل، وليس له إجبار الجاني على أي الأمرين شاء، وبه قال الشافعي وأحمد .

وقال مالك في المشهور عنه: ليس له إلا القتل أو العفو، وليس له الدية إلا برضا الجاني. وبه قال الكوفيون، وهو خلاف نص الحديث، وأوله المهلب بأنه - صلى الله عليه وسلم - حض الولي على أن ينظر إن كان القصاص خيرا من الدية اقتص، وإن كانت الدية خيرا قبلها من غير أن يجبر عليها.

العاشرة: فيه أن القاتل عمدا يجب عليه أحد الأمرين من القصاص (أو) الدية، وهو أحد قولي الشافعي، وأصحهما عنده أن الواجب القصاص، والدية تدل (عند) سقوطه، وهو مشهور مذهب مالك .

[ ص: 572 ] وعلى القولين للولي العفو على الدية ولا يحتاج إلى رضا الجاني، ولو مات أو سقط الطرف المستحق وجبت الدية. وبه قال أحمد .

وعن أبي حنيفة ومالك : أنه لا يعدل إلى المال إلا برضى الجاني، وأنه لو مات الجاني سقطت الدية، وهو قول قديم للشافعي، ووقع في شرح الشيخ تقي الدين و"العمدة" ترجيحه.

الحادية عشرة: الإذن في كتابة العلم وقد سلف في الحديث ما فيه، ومعنى قوله: "اكتب لي يا رسول الله" أراد خطبة النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الفتح بمكة قاله الأوزاعي، كما حكاه عنه الوليد بن مسلم في الصحيح.

وقوله: فقال: "اكتبوا لأبي فلان" هو: أبو شاه، كما جاء في رواية أخرى في "الصحيح" ولا يعرف اسمه، وهو بالهاء درجا ووقفا، وعن ابن دحية أنه بالتاء منصوبا، وقال في "المطالع": أبو شاه مصروفا، ضبطه وقراءته أبا، معرفة ونكرة.

وقال النووي : وهو بهاء في آخره; درجا ووقفا، قال: وهذا لا خلاف فيه ولا يغتر بكثرة من يصحفه ممن لا يأخذ العلم على وجهه ومن مظانه.

الثانية عشرة: قوله: (فقال رجل من قريش إلا الإذخر) هو العباس [ ص: 573 ] كما جاء مبينا في رواية أخرى في "الصحيح".

الثالثة عشرة: "الإذخر" بكسر الهمزة، والخاء والذال المعجمتين: نبت معلوم طيب الريح، واحده إذخرة.

الرابعة عشرة: المراد بالبيوت: المعلومة، وأبعد من قال: المراد بها القبور: لقوله بعده: (وقبورنا).

وفي كتاب: الحج من حديث ابن عباس : لصاغتنا وقبورنا. وفي أخرى: لقينهم أي: لصائغهم، والقين: الحداد، ومنه قوله: كان خباب قينا، والقينة أيضا: المغنية، والماشطة، ويجمع بين الروايات أنهم كانوا يستعملونه في هذه الأمور; لمسيس الحاجة إليه، وكانوا يخلطونه; لئلا يتشقق ما بني به كما يفعل بالتبن، وكانوا يسقفون به فوق الخشب.

الخامسة عشرة: قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إلا الإذخر" هو استثناء من قوله: (لا يختلى شوكها" وهو بعض من كل، وقد استدل به الأصوليون على أنه - صلى الله عليه وسلم - كان متعبدا باجتهاده فيما لا نص فيه، وهو الأصح.

وتوقف أكثر المحققين فيه وفي وقوعه، وجوزه بعضهم في أمر الحرب دون غيره، ومثل هذا الحديث "لو سمعت ما قتلت" لأخت النضر بن [ ص: 574 ] الحارث . "ولو قلت: نعم لوجبت" في تكرار الحج، وبقوله تعالى: ما كان لنبي الآية [الأنفال: 67] في أسارى بدر وغير ذلك.

وأجاب المانعون بأنه يجوز أن يقارن بها نص أو يتقدم عليها وحي، أو كان جبريل حاضرا فأشار به، فليس ذلك من باب الاجتهاد، ويجوز أن الله تعالى أعلم رسوله بتحليل المحرمات عند الاضطرار، فلما سأل العباس ذلك أجاب به.

وقوله تعالى: وشاورهم في الأمر [آل عمران: 159] قيل: إنه مخصوص بالحرب.

الحديث الثالث

حدثنا علي بن عبد الله ثنا سفيان ثنا عمرو أخبرني وهب بن منبه، عن أخيه قال: سمعت أبا هريرة يقول: ما من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أحد أكثر حديثا عنه مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو; فإنه كان يكتب ولا أكتب . تابعه معمر، عن همام، عن أبي هريرة .

وهذا الحديث من أفراده، ولم يخرجه إلا هنا، وسبب قلة رواية [ ص: 575 ] عبد الله بن عمرو أنه سكن مصر وكان الواردون إليها قليلا، بخلاف أبي هريرة فإنه توطن المدينة، وهي المقصد من كل جهة، وانتصب للرواية، لا جرم روى فوق الخمسة آلاف (حديث)، ووجد لعبد الله بن عمرو سبعمائة حديث كما ذكرته في ترجمتهما.

وأخو وهب هو همام، وهو أكبر من وهب، وهم أربعة إخوة:

وهب، ومعقل أبو عقيل، وهمام، وغيلان، وكان أصغرهم. وكان آخرهم موتا همام. ومات وهب ثم معقل ثم غيلان ثم همام . ووالدهم منبه بن كامل (بن) سيج -بسين مهملة كما سلف، وقيل: معجمة ثم مثناة تحت ساكنة ثم جيم- بن ذي كبار وهو الأسوار الصنعاني اليماني الذماري -بكسر الذال المعجمة، وقيل: بفتحها، وذمار على مرحلتين من صنعاء - الأبناوي نسبة إلى الأبناء -بباء موحدة ثم نون- وهم كل من ولد من أبناء الفرس الذين وجههم كسرى مع سيف بن ذي يزن، كما سلف في باب حسن إسلام المرء.

ولم يذكر البخاري وهب بن منبه إلا في هذا الموضع كما نبه عليه الباجي، وسمع في غير البخاري جابرا، وأبا هريرة وغيرهما من الصحابة، وثقوه خلا الفلاس فإنه ضعفه، وكان إخباريا قاضيا صاحب ( ليث ). مات سنة أربع عشرة ومائة، ابن ثمانين سنة فيما قيل، أخرجوا له خلا ابن ماجه .

[ ص: 576 ] وأخوه همام أبو عقبة، أخرج له الجماعة، وهو تابعي يروي عن ابن عباس أيضا. مات سنة إحدى أو اثنتين وثلاثين ومائة، وقد سلف في الباب السالف المشار إليه ترجمته واضحة.

الحديث الرابع:

حدثنا يحيى بن سليمان، حدثني ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: لما اشتد بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وجعه قال: "ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده". قال عمر : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا. فاختلفوا وكثر اللغط. قال: "قوموا عني، ولا ينبغي عندي التنازع". فخرج ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين كتابه .

الكلام عليه من أوجه:

أحدها:

هذا الحديث أخرجه البخاري أيضا في الطب والاعتصام عن [ ص: 577 ] إبراهيم بن موسى، عن هشام، عن معمر . وفي المغازي عن علي، وفي الطب عن عبد الله بن محمد، عن عبد الرزاق، عن معمر .

وأخرجه مسلم في الوصايا عن محمد بن رافع وعبد، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري به.

ثانيها: في التعريف برواته: وقد سلف مفرقا.

ثالثها: في فوائده:

الأولى: قوله: (لما اشتد بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وجعه)، هو المراد بقوله في كتاب الطب: لما حضر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وفيه: واختلف أهل البيت فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتابا لن تضلوا بعده. ومنهم من يقول ما قال عمر .

وفي بعض طرقه في "الصحيح" " ائتوني بالكتف والدواة أو اللوح والدواة أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا ".

الثانية: اختلف العلماء في الكتاب الذي هم - صلى الله عليه وسلم - بكتابته ما هو؟

قال الخطابي : يحتمل وجهين:

أحدهما: أنه أراد أن ينص على الإمامة بعده فترتفع تلك الفتن العظيمة كحرب الجمل وصفين .

[ ص: 578 ] وثانيهما: أنه أراد أن يبين كتابا فيه مهمات الأحكام ليحصل الاتفاق على المنصوص عليه، ثم ظهر للنبي - صلى الله عليه وسلم - أن المصلحة تركه، أو أوحي إليه به.

الثالثة: لا شك في عصمته - صلى الله عليه وسلم - من تغيير شيء من الأحكام الشرعية في حال صحته ومرضه، وليس هو معصوما من الأمراض العارضة للأجسام مما لا نقص فيه لمنزلته ولا فساد لما تمهد من شريعته، وقد سحر ولم يصدر منه في هذه الحالة حكم مخالف لما قرره من الأحكام.

إذا تقرر ذلك فقول عمر - رضي الله عنه -: أنه غلبه الوجع.. إلى آخره معناه: أنه خشي أن يكتب أمورا قد يعجزوا عنها فيستحقوا العقوبة عليها; لأنها منصوصة لا مجال للاجتهاد فيها، وقصد التخفيف عليه حين غلبه الوجع، ولو كان المراد كتابة ما لا يستغنى عنه لما تركه لاختلافهم.

وقد حكى سفيان بن عيينة عن أهل العلم قبله: أنه - صلى الله عليه وسلم - أراد أن يكتب استخلاف الصديق ثم ترك ذلك اعتمادا على ما علمه من تقدير الله تعالى.

وذلك كما هم في أول مرضه حين قال: "وارأساه" وترك الكتاب. وقال: " يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر "، ثم قدمه في الصلاة، ورأى عمر الاقتصار على ما سبق، لئلا ينسد باب الاجتهاد والاستنباط، وقد كان سبق منه قوله - صلى الله عليه وسلم -: [ ص: 579 ] " إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر ". وفي تركه - صلى الله عليه وسلم - الإنكار على عمر دلالة على استصوابه.

فإن قلت: كيف ساغ لعمر الاعتراض؟ قلت: أجاب عنه الخطابي حيث قال: لا يجوز أن يحمل قوله أنه توهم (الغلط) عليه أو ظن به غير ذلك مما لا يليق به بحال، لكنه لما رأى ما غلب عليه من الوجع وقرب الوفاة خاف أن يكون ذلك القول مما يقوله المريض مما لا عزيمة له فيه، فيجد المنافقون بذلك سبيلا إلى الكلام في الدين.

وقد كانت الصحابة يراجعونه - صلى الله عليه وسلم - في بعض الأمور قبل أن يجزم فيها، كما راجعوه يوم الحديبية في الحلاق وفي الصلح بينه وبين قريش، فإذا أمر بالشيء أمر عزيمة فلا يراجعه فيه أحد.

قال: وأكثر العلماء، على أنه يجوز عليه الخطأ فيما لم ينزل عليه فيه وحي، وأجمعوا كلهم على أنه لا يقر عليه.

قال: ومعلوم أنه - صلى الله عليه وسلم - وإن كان قد رفع درجته فوق الخلق كلهم فلم ينزهه من العوارض البشرية، فقد سها في الصلاة، فلا ينكر أن يظن به حدوث بعض هذه الأمور في مرضه، فيتوقف في مثل هذه الحال حتى يتبين حقيقته، فلهذه المعاني وشبهها توقف عمر - رضي الله عنه -.

وأجاب المازري بنحوه حيث قال: لا خلاف أن الأوامر قد يقترن بها قرائن تصرفها من الندب إلى الوجوب، وعكسه عند من قال: إنها للوجوب [ ص: 580 ] وإلى الإباحة وغيرها من المعاني، فلعله ظهر من القرائن ما دل على أنه لم يوجب ذلك عليهم، بل جعله إلى اختيارهم، ولعله اعتقد أنه صدر ذلك منه - صلى الله عليه وسلم - من غير قصد جازم، فظهر ذلك لعمر دون غير.

الرابعة: معنى قول عمر - رضي الله عنه -: (وعندنا كتاب الله حسبنا)، أي: كافينا في ذلك مع ما تقرر في الشريعة، قال تعالى: ما فرطنا في الكتاب من شيء [الأنعام: 38] وقال: اليوم أكملت لكم دينكم [المائدة: 3].

وزعم الداودي أن معناه: أنه - صلى الله عليه وسلم - ذكر كلاما لم يذكر في الحديث، فأما أن يكون حضهم على كتاب الله والأخذ بما فيه. فقال عمر : عندنا كتاب الله، تصديقا لقوله.

وسيكون لنا عودة إن شاء الله إلى هذا الحديث في موضع من المواضع السالفة بيانها، فإن فيه زيادة في بعض الطرق نتكلم عليها، ومن تراجمه عليه في الاعتصام، باب: النهي على التحريم إلا ما تعرف إباحته.

الخامسة: في قوله: "ائتوني بكتاب أكتب لكم" دلالة على أن للإمام أن يوصي عند موته بما يراه نظرا للأمة، وفي تركه الكتاب إباحة الاجتهاد كما سلف; لأنه وكلهم إلى أنفسهم واجتهادهم.

التالي السابق


الخدمات العلمية