التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
1444 1515 - حدثنا إبراهيم، أخبرنا الوليد، حدثنا الأوزاعي، سمع عطاء يحدث، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أن إهلال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ذي الحليفة حين استوت به راحلته.

رواه أنس وابن عباس رضي الله عنهم. [فتح: 3 \ 379]


ذكر فيه عن ابن عمر: قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يركب راحلته بذي الحليفة، ثم يهل حتى تستوي به قائمة.

وعن عطاء، عن جابر بن عبد الله: أن إهلال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ذي الحليفة حين استوت به راحلته.

رواه أنس وابن عباس -رضي الله عنهم -.

الشرح:

معنى يأتوك رجالا أي: رجالة كما قاله ابن عباس ، وقرأه عكرمة مشددا، وقرأ مجاهد رجالا مخففا، ويجوز رجلة ورجل [ ص: 29 ] ورجال، فهذه ستة أوجه في جمع راجل، إلا أن ما روي عن مجاهد غير معروف، قال ابن عباس فيما ذكره ابن المنذر في الآية: هم المشاة والركبان على كل ضامر من الإبل. وروى محمد بن كعب، عن ابن عباس قال: ما فاتني من شيء أشد علي إلا أن أكون حججت ماشيا; لأن الله تعالى يقول: يأتوك رجالا وعلى كل ضامر أي: ركبانا، فبدأ بالرجال قبل الركبان .

وذكر إسماعيل بن إسحاق، عن مجاهد قال: أهبط آدم بالهند ، فحج على قدميه البيت أربعين حجة. وعن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: أن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام حجا ماشيين ، وحج الحسن بن علي خمسة وعشرين حجة ماشيا، وإن النجائب لتقاد بين يديه .

وفعله ابن جريج والثوري، وحج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - راكبا، وكذلك حديث ابن عمر وجابر في هذا الباب، وذلك كله مباح ، لكن الأظهر عندنا أن الركوب أفضل ، وفاقا لمالك ، للاتباع ولفضل النفقة; فإن النفقة فيه كالنفقة في سبيل الله سبعمائة ضعف، كما أخرجه أحمد من حديث بريدة .

وقال المروذي: قرئ على أبي عبد الله، ثنا وكيع، ثنا فضيل -يعني: ابن عياض- عن ليث عن طاوس قال: حج الأبرار على الرحال .

[ ص: 30 ] وصحح جماعة أن المشي أفضل، وبه قال إسحاق; لأنه أشق على النفس، ولذلك بدأ به في الآية. وفي حديث صححه الحاكم من حديث ابن عباس مرفوعا: "من حج إلى مكة ماشيا حتى يرجع كتب له بكل خطوة سبعمائة حسنة من حسنات الحرم" فقيل: وما حسنات الحرم؟ قال: "كل حسنة بمائة ألف حسنة" .

ولأبي موسى المديني بإسناده: "الحاج الراكب له بكل خف يضعه بعيره حسنة، والماشي له بكل خطوة يخطوها سبعون حسنة من حسنات الحرم" وفيه القدامي .

وفي "مستدرك الحاكم" من حديث أبي سعيد الخدري قال: حج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه مشاة من المدينة إلى مكة فقال: "اربطوا على أوساطكم مآزركم ، وامشوا مشيا خلط الهرولة" ثم قال: صحيح الإسناد .

قلت: ينظر هذا أو يبدأ بأصحابه .

[ ص: 31 ] قال ابن القصار: في قوله: يأتوك رجالا دليل قاطع لمالك أن الراحلة ليست من شرط السبيل، والمخالفون يزعمون أن الحج لا يجب على الرجالة، وهذا خلاف الآية. ولا نسلم له ما ذكره ، وأين القطع؟

وقول البخاري: ( فجاجا : الطرق الواسعة) اعترض عليه الإسماعيلي فقال: الفج: الطريق في الجبل بين الجبلين، فإذا لم يكن كذلك لم يسم الطريق فجا. وليس بجيد منه; فقد قال ابن سيده: الفج: الطريق الواسع في جبل أو قبل جبل، وهو أوسع من الشعب، وقال ثعلب: هو ما انخفض من الطرق، وجمعه فجاج، وأفجة نادرة . وقال صاحب "المنتهى": فجاج الأرض: نواحيها. وقال القزاز، وابن فارس ، والفارسي في "مجمعه": الفج: الطريق الواسع.

وفي "التهذيب": من كل فج عميق أي: واسع غامض . وكذا ذكره أبو عبيد.

وقال الطبري: يأتين من كل طريق ومكان ومسلك بعيد، وقال: ابن عباس، وقتادة: من كل مكان بعيد ، والعميق في اللغة: البعيد، بئر عميق أي: بعيدة القعر.

وقال الزجاج: يأتين على معنى الإبل وعلى كل بعير ضامر يعني: الجماعة.

وقال الفراء: وقرئ (يأتون) فذهب إلى الركبان .

[ ص: 32 ] وعزيت إلى ابن مسعود، وذكر بعضهم أنه يقال: ناقة ضامر فيجيء يأتين مستقيما عليه ، وقيل: الضامرة: ما اتصف بذلك من جمل وناقة وغير ذلك، وهو الأظهر ، لكنه يتضمن معنى الجماعات أو الرفاق، فيحسن لذلك قوله: يأتين وذكر أن العميق: البعيد في المسافة، وذكر عن الفراء.

وأما في الحفير في الأرض وشبهه، فهو بغين معجمة.

وقوله: ليشهدوا منافع لهم فقال ابن عباس وسعيد بن جبير: التجارة . زاد مجاهد وعطاء: ما يرضي الله من أمر الدنيا والآخرة .

وقال أبو جعفر: المغفرة ، واختاره إسماعيل بن إسحاق.

وسيأتي الاختلاف في بدء إهلال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد في موضعه إن شاء الله.

وأحمد بن عيسى شيخ البخاري في حديث ابن عمر هو: التستري، وأخرجه البخاري عن شيخه هذا، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أخيه.

والذي في "مسند ابن وهب" عبد الله، رواية يونس بن عبد الأعلى عنه، أنا يونس، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يهل ملبدا. وعطاء في حديث جابر هو ابن أبي رباح، وإن كان أيضا ابن يسار روى عن جابر، لكن الأوزاعي لم يرو إلا عن ابن أبي رباح. والحديث من رواية الأوزاعي عنه.

[ ص: 33 ] واعترض الإسماعيلي فقال: ليس في الحديثين شيء بما ترجم الباب به.

قلت: قد أسلفنا مناسبته، ولا شك أن ذا الحليفة فج عميق، وركوبه تفسير للضامر في الآية، وحديث أنس يأتي مسندا في باب: من بات بذي الحليفة . وحديث ابن عباس أسنده في باب ما يلبس المحرم .

التالي السابق


الخدمات العلمية