التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
1555 1635 - حدثنا إسحاق، حدثنا خالد، عن خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جاء إلى السقاية، فاستسقى، فقال العباس: يا فضل، اذهب إلى أمك، فأت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشراب من عندها. فقال: "اسقني". قال: يا رسول الله، إنهم يجعلون أيديهم فيه. قال: "اسقني". فشرب منه، ثم أتى زمزم، وهم يسقون ويعملون فيها، فقال: "اعملوا، فإنكم على عمل صالح -ثم قال:- لولا أن تغلبوا لنزلت حتى أضع الحبل على هذه". - يعني: عاتقه، وأشار إلى عاتقه. [فتح: 3 \ 491]


ذكر فيه حديث ابن عمر: استأذن العباس بن عبد المطلب - رضي الله عنه - رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته، فأذن له.

وحديث ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جاء إلى السقاية، فاستسقى، فقال العباس: يا فضل، اذهب إلى أمك، فأت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشراب من عندها .. الحديث.

أما حديث ابن عمر فأخرجه مسلم ، وأما حديث ابن عباس فهو من أفراده، وانفرد مسلم من وجه آخر عن ابن عباس يأتي .

[ ص: 445 ] ومن حديث جابر: "انزعوا بني عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معهم" .

والثاني: رواه البخاري، عن إسحاق: حدثنا خالد، عن خالد، عن عكرمة، وإسحاق (خ، س) هو ابن شاهين أبو بشر الواسطي، ذكره أبو نعيم، وخالد هو ابن عبد الله الطحان، وخالد الثاني هو ابن مهران الحذاء.

إذا عرفت ذلك:

فالسقاية كانت للعباس مكرمة، يسقي الناس نبيذ التمر، فأقرها - عليه السلام - في الإسلام، وموضوعها من باب إكرام الضيف، واصطناع المعروف.

قال ابن إسحاق في "سيره": لما ولي قصي بن كلاب البيت كانت إليه الحجابة، والسقاية، والرفادة، والندوة، واللواء، فأعطى ابنه عبد الدار بن قصي ذلك كله، فلما هلك قصي نازعت بنو عبد مناف بني عبد الدار ذلك، فتصالحوا على أن يكون لبني عبد مناف السقاية والرفادة، ولأولئك الحجابة واللواء والندوة .

قال طاوس: والشرب من سقاية العباس من تمام الحج .

قال عطاء: لقد أدركت هذا الشراب، وإن الرجل ليشرب فتلتزق شفتاه من حلاوته، فلما ذهبت الحرية ووليه العبيد، تهاونوا بالشراب واستخفوا به .

[ ص: 446 ] وروى ابن أبي شيبة عن السائب بن عبد الله أنه أمر مجاهدا مولاه بأن يشرب من سقاية العباس، ويقول: إنه من تمام السنة. وفي لفظ: فقد شرب منها المسلمون.

وقال الربيع بن سعد: أتى أبو جعفر السقاية فشرب وأعطى جعفرا فضله.

وقال بكر بن عبد الله: أحب للرجل أن يشرب من نبيذها. وممن شرب منها سعيد بن جبير، وأمر به سويد بن غفلة.

وروى ابن جريج، عن نافع أن ابن عمر لم يكن يشرب من النبيذ في الحج، وكذا روى خالد بن أبي بكر، أنه حج مع سالم ما لا يحصى، فلم يره يشرب من نبيذ السقاية .

وروى الطبري من حديث ابن عباس في قصة السقاية أتم مما ذكره البخاري: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن يزيد بن أبي زياد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما طاف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتى العباس وهو في السقاية فقال: "اسقوني". فقال العباس: إن هذا قد مرت -يعني: مرس- أفلا أسقيك مما في بيوتنا؟ قال: "لا، ولكن اسقوني مما يشرب الناس". فأتى به، فذاقه فقطب، ثم دعا بماء فكسره، ثم قال: "إذا اشتد نبيذكم فاكسروه بالماء". وتقطيبه منه إنما كان لحموضته فقط .

وكسره قيل: بغيره ليهون عليه شربه، ومثل ذلك يحمل على ما روي عن عمر وعلي فيه لا غير، وإنما أذن للعباس في المغيب عن منى وهو [ ص: 447 ] واجب، ولم يوجب عليه الهدي من أجل السقاية; لأنها عمل من أعمال الحج. ألا ترى قوله إذ ورد زمزم وهم يسقون: ("اعملوا فإنكم على عمل صالح").

وقوله: ("لولا أن تغلبوا لنزلت") -أي: لاستقاء الماء- فهذه ولاية للعباس وآله السقاية، وإنما خشي أن يتخذها الملوك سنة يغلبون عليها من وليها من ذرية العباس، ولا تختص رخصة السقي للعباسية على الأصح; لأن المعنى عام، وقيل: يختص ببني هاشم من آل عباس وغيرهم، وقيل: بآل العباس، ولا تختص أيضا بتلك السقاية على الأصح، بل ما حدث للحاج كذلك.

فوائد: الأولى: هذا الحديث أصل في أن المبيت بمنى ليالي منى مأمور به، وإلا فكان يجوز للعباس ذلك ولغيره دون إرخاص له، وإذا ترك - غير من رخص له - الثلاث ليال فدم واحد على الأصح.

وفي قول: لكل ليلة دم، وإن ترك ليلة فالأظهر أنه يجبر بدم، وفي قول: بدرهم. ونقل عن عطاء، وفي قول: بثلاث دم، وإن ترك ليلتين فعلى هذا القياس .

وقال أبو حنيفة: لا شيء عليه ، وقال ابن عباس: المبيت بمكة مباح ليالي منى، وعن عكرمة نحوه، ومنع عمر في "الموطإ" أن يبيت وراء العقبة .

[ ص: 448 ] وهو إجماع لعدم الخلاف فيه إلا شيئا عن ابن عباس وعكرمة.

الثانية: لا يحصل المبيت إلا بمعظم الليل، وفي قول: أن الاعتبار بوقت طلوع الفجر، وفي "المدونة": من بات عنها جل الليل فعليه دم.

الثالثة: الجمرة الأولى التي تلي مسجد الخيف، والثانية الوسطى، وهما بمنى، وثالثها جمرة العقبة، وليست من منى، فمنى من بطن محسر إلى العقبة.

وقال ابن التين: المبيت بمنى هو أن يبيت من جمرة العقبة إليها.

وقال مالك: من بات وراء الجمرة عليه الفدية; لأنه بات بغير منى .

وروى ابن أبي شيبة من حديث ليث، عن طاوس، عن ابن عباس أنه قال: لا يبيتن أحد من وراء العقبة ليلا بمنى أيام التشريق.

ومن حديث عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: أن عمر كان ينهى أن يبيت أحد من وراء العقبة، وكان يأمرهم أن يدخلوا منى.

وعن عروة: لا يبيتن أحد من وراء العقبة أيام التشريق.

وقال إبراهيم: إذا بات دون العقبة أهراق لذلك دما.

وعن عطاء: يتصدق بدرهم أو نحوه ، وعن سالم: يتصدق بدرهم .

الرابعة: قال ابن عباس: من كان له متاع بمكة يخشى عليه ضياعه بات بها ، ومقتضاه إباحته للعذر وعليه دم، على مقتضى قول ابن نافع [ ص: 449 ] في "مبسوطه": من زار البيت فمرض وبات بمكة فعليه هدي يسوقه من الحل إلى الحرم، وإن بات الليالي كلها بمكة.

قال الداودي: فقيل: عليه شاة، وقيل: بدنة. وروى ابن المغلس في "موضحه" عن ابن عباس: أنه كان لا يرى بأسا إن بات بمكة وقفل إذا رمى. وعن سعيد، عن قتادة أنه كان يكره إذا زار البيت أن يبيت بمكة.

قلت: فإن بات بها. قال: ما علمت عليه شيئا.

وروى ابن أبي شيبة، عن ابن عباس قال: إذا رميت الجمار بت حيث شئت. وعن عطاء: لا بأس أن يبيت الرجل بمكة ليالي منى إذا كان في ضيعته.

وعن ابن عمر: أنه كان يكره أن ينام أحد أيام منى بمكة.

ومن حديث ليث، عن مجاهد: لا بأس أن يكون أول النهار بمكة وآخره بمنى. ولا بأس أن يكون أول الليل بمنى وآخره بمكة. وعنه أنه كره أن يبيت ليلة تامة عن منى.

وعن محمد بن كعب: من السنة إذا زرت البيت أن لا تبيت إلا بمنى.

وعن أبي قلابة: اجعلوا أيام منى بمنى .

الخامسة: هذا الماء مرصد لمصالح المسلمين ، أرصده العباس للمارة وابن السبيل، لا يقال: إنه من الصدقات، فإنها محرمة عليه: الفرض والتطوع.

وفيه: أنه لا يكره الاستسقاء، وقد استسقى اللبن في مخرجه إلى المدينة .

[ ص: 450 ] وفيه: استعمال التواضع، فإنهم كانوا يجعلون أيديهم فيه، وشرب منه ولم يخص بماء، كما أشار إليه العباس تسهيلا للناس.

وفيه: رد ما قد يهدى له.

وفيه: حرص أصحابه وقرابته على إبراره.

وفيه: من التواضع أيضا قوله: "لولا أن تغلبوا لنزلت حتى أضع الحبل على هذه" يعني: عاتقه.

وفيه: أن أفعاله للوجوب، فتركه مع الرغبة في الفضل شفقة أن تتخذ واجبا للاقتداء. نبه عليه الخطابي .

وقال الداودي: يريد إنكم لا تدعونني إلى الاستقاء، ولا أحب أن أفعل بكم ما تكرهون، وهذا إنما يجيء إذا كان "تغلبوا" مبنيا للفاعل، والرواية المعروفة مبنيا للمفعول الذي لم يسم فاعله.

قال ابن بزيزة: وأراد بقوله: " (لولا أن تغلبوا") قصر السقاية عليهم، وأن لا يشاركوا فيها.

وقوله: (يعني: عاتقه) أي: ما قاربه.

قال ابن سيرين: خرج علي من مكة إلى المدينة فقال للعباس: يا عم، ألا تهاجر؟ ألا تمضي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال: أنا أعمر البيت [ ص: 451 ] وأحجبه، فنزلت أجعلتم سقاية الحاج [التوبة: 19] الآية. أي: هم أرفع منزلة من ذلك، وهم مشركون، أولئك الذين وصيناهم بالإيمان والهجرة والجهاد، هم الفائزون بالجنة من النار.

السادسة: في "شرح الهداية": يكره أن لا يبيت بمنى ليالي الرمي; لأن الشارع بات بها، وكذا عمر، وكان يؤدب على تركه، فلو بات في غيره متعمدا لا يلزمه شيء، وقال بعض الشيوخ: المبيت في هذه الليالي سنة عندنا، وبه قال أهل الظاهر .

قال القرطبي: وروي نحوه عن ابن عباس ، والحسن البصري قال: والمبيت بمنى ليالي التشريق من سنن الحج بلا خلاف، إلا لذوي السقاية، أو الرعاة، ومن تعجل بالنفر في ترك ذلك في ليلة واحدة، أو جميع الليالي، كان عليه دم عند مالك ، وللشافعي فيه قولان: أصحهما وجوبه ، وبه قال أحمد .

السابعة: من المعذورين عن المبيت:

من له مال يخاف ضياعه إن اشتغل بالمبيت، أو يخاف على نفسه، أو كان به مرض، أو له مريض، أو يطلب آبقا، وشبه ذلك، ففي هؤلاء وجهان عندنا، أصحهما وهو المنصوص: يجوز لهم ترك المبيت ولا شيء [ ص: 452 ] عليهم بسببه .

وقد أسلفنا نحو ذلك عن ابن عباس، ولهم النفر بعد الغروب، ولو ترك البيات ناسيا كان كتركه عامدا.

الثامنة: في مسلم -من أفراده- من حديث بكر بن عبد الله المزني قال: كنت جالسا مع ابن عباس عند الكعبة، فأتاني أعرابي فقال: ما لي أرى بني عمكم يسقون العسل واللبن وأنتم تسقون النبيذ؟ أومن حاجة بكم أم من بخل؟ فقال ابن عباس: الحمد لله ما بنا من حاجة ولا بخل، قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على راحلته وخلفه أسامة فاستسقى، فأتيناه بإناء من نبيذ فشرب، وسقى فضله أسامة وقال: "أحسنتم وأجملتم، كذا فاصنعوا". فلا نريد تغيير ما أمر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

التاسعة: في أفراد مسلم أيضا: من حديث جابر: أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - بني عبد المطلب وهم يسقون على زمزم، فقال: "انزعوا بني عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم" فناولوه دلوا فشرب منه ، وأفاد ابن السكن أن الذي ناوله الدلو العباس بن عبد المطلب.

التالي السابق


الخدمات العلمية