التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
1605 1690 - حدثنا مسلم بن إبراهيم ، حدثنا هشام وشعبة قالا: حدثنا قتادة، عن أنس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلا يسوق بدنة، فقال: " اركبها". قال: إنها بدنة. قال: "اركبها". قال: إنها بدنة. قال: "اركبها". ثلاثا. [2754، 6159 - مسلم: 1323 - فتح: 3 \ 536]
ثم ذكر حديث أبي هريرة : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلا يسوق بدنة، فقال: "اركبها". فقال: إنها بدنة. فقال: "اركبها". قال: إنها بدنة. قال: "اركبها، ويلك". في الثانية أو الثالثة.

وحديث أنس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلا يسوق بدنة، فقال: "اركبها". قال: إنها بدنة. فقال: "اركبها". قال: إنها بدنة. قال: "اركبها". ثلاثا.

[ ص: 25 ] الشرح:

(البدنة): سلف الكلام عليها في الجمعة، والبدن بإسكان الدال، وقرئ بضمها، سميت لبدانتها. أي: لسمنها.

وقد ذكر البخاري قول مجاهد في ذلك، ويقال: بدن بضم الدال، وبدن بالتشديد إذا أسن. قال الداودي: قيل: إن البدنة تكون من البقر، وهذا نقل عن الخليل.

لكم فيها خير [الحج: 36] تركب إذا احتاج إليه، و القانع : السائل في قول ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن، قالوا: بخلاف المعتر الذي يتعرض ولا يسأل.

وقال مالك: أحسن ما سمعت فيه أن القانع الفقير، والمعتر: الدائر، وقيل: القانع: السائل الذي لا يقنع بالقليل. وقرأ أبو رجاء (القنع). وهو مخالف للأول، يقال: قنع إذا رضي، وبفتح النون إذا سأل. وقرأ الحسن: (والمعتري) ومعناه: مثل المعتر، يقال: أعتره واعتراه، وعره وعراه، إذا تعرض لما عنده أو طلبه. وعبارة صاحب "العين": القنوع: التذلل للمسألة، إبراهيم قنع إليه: مال وخضع. وعنه: القانع: خادم القوم وأجيرهم، وقال الزجاج:

[ ص: 26 ] القانع: الذي يقنع بما (تعطيه) وقيل: الذي يقنع باليسير، وقال قطرب: كان الحسن يقول: هو السائل الذي يقنع بما آتيته، ويصير القانع من معنى القناعة والرضا.

وقوله: لن ينال الله لحومها [الحج: 37] يروى عن ابن عباس : أنهم كانوا في الجاهلية يضحون بدماء البدن ما حول البيت، فأراد المسلمون فعل ذلك فأنزلها الله.

وقوله: ولكن يناله التقوى منكم [الحج: 37] أي: ما أريد به وجه الله، و(الشعائر) تقدمت، و العتيق : عتقه من الجبابرة، كما ذكره البخاري، وقد روي ذلك مرفوعا بزيادة: "فلم يغلب عليه جبار قط".

[ ص: 27 ] وقال الحسن: لقدمه، وحجته إن أول بيت وضع للناس [آل عمران: 96] الآية، وجبت كما ذكر.

وحديث أبي هريرة أخرجه مسلم ولفظه: فقال: "اركبها" في الثانية أو الثالثة، وفي لفظ له: يسوق بدنة مقلدة فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اركبها" فقال: بدنة يا رسول الله؟ فقال: "ويلك اركبها" ثلاثا.

وللبخاري في باب تقليد النعل قريبا: قال: "اركبها" قال: إنها بدنة.

قال: "اركبها" قال: فلقد رأيته راكبها ليساير النبي - صلى الله عليه وسلم - والنعل في عنقها.

وحديث أنس أخرجه مسلم أيضا بلفظ: "اركبها" مرتين أو ثلاثا.

وفي رواية للبخاري: "اركبها ويلك" قالها في الثانية أو في الثالثة.

ولمسلم: مر عليه ببدنة أو هدية فقال: "اركبها" قال: إنها بدنة أو هدية، فقال: "وإن". ولأحمد: يسوق بدنة، وقد جهده المشي، وفيه قال: "اركبها وإنها بدنة".

وانفرد مسلم بحديث ابن الزبير قال: سمعت جابر بن عبد الله يسأل [ ص: 28 ] عن ركوب الهدي، فقال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهرا".

ولأحمد من حديث علي سئل: يركب الرجل هديه؟ قال: لا بأس به، قد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمر بالرجال يمشون، فيأمرهم بركوب هديهم، ثم قال: وتتبعون شيئا أفضل من سنة نبيكم؟! وفي "مراسيل أبي داود" من حديث ابن جريج عن عطاء قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يأمر بالبدنة إذا احتاج إليها سيدها أن يحمل عليها، ويركب غير منهوكة.

قلت: ماذا؟ قال: الرجل الراجل، والمتبع اليسير، وإن نتجت حمل عليها ولدها وعدله.

إذ تقرر ذلك: ففيه استعمال ما وجه لله تعالى إذا احتيج إليه على خلاف ما كانت الجاهلية عليه من أمر البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، فأعلم الشارع أن ما أهل به لله إنما هو دماؤها، وأما لحومها، والانتفاع بها قبل نحرها وبعده فغير ممنوع، بل هو مباح بخلاف سنن الجاهلية.

وقد اختلف العلماء في ركوب الهدي الواجب والتطوع: فذهب أهل الظاهر إلى أن ذلك جائز من غير ضرورة، وبه قال أحمد وإسحاق، وبعضهم أوجب ذلك، واحتج بحديثي الباب، وكره مالك، وأبو حنيفة، والشافعي وأكثر الفقهاء -فيما حكاه صاحب "الاستذكار"- ركوبها من غير ضرورة، وكرهوا شرب لبن الناقة بعد ري فصيلها، وقال أبو حنيفة والشافعي: إن نقصها الركوب والشرب فعليه قيمة ذلك.

[ ص: 29 ] واحتجوا: أن ما أخرج لله فغير جائز الرجوع في شيء منه والانتفاع به إلا عند الضرورة. وركوبها يحتمل أن يكون لغير ضرورة، وأن يكون لها، ورواية جابر السالفة تشهد له، وكذا رواية أحمد: وقد جهده المشي، فأباح ركوبها للضرورة، وقد روى نافع، عن ابن عمر أنه كان يقول في الرجل إذا ساق بدنة وأعيا ركبها: وما أنتم بمستنين سنة هي أهدى من سنة محمد. وكذا لا يجوز بيع منافعها إجماعا.

وقد قال مجاهد في قوله تعالى: لكم فيها منافع إلى أجل مسمى قال: في ظهورها وألبانها وأصوافها وأوبارها حتى تصير بدنا. وبه قال النخعي وعروة. واختلف متى ذلك؟ فقال عروة: بعد أن يقلدها، وقال مجاهد: قبله، وهو أولى; لأن الأجل المسمى أن يقلد ولم يوجد.

وقال ابن القاسم: فإن ركبها محتاجا فليس عليه أن ينزل إذا استراح. وقال إسماعيل: مذهب مالك يدل على أنه إذا استراح نزل، وبه قال ابن الجلاب، وإذا نزل لحاجته أو لليل لم يركبها حتى يحتاج إلى ذلك كأول مرة. وعن بعض الشافعية والحنفية فيما حكاه ابن التين: إن نقصها (ركوبه) ضمن النقصان، إن ركب ركوبا قادحا.

[ ص: 30 ] وقوله: ("ويلك") مخرجه مخرج الدعاء عليه من غير قصد; إذ أبي من ركوبها أول مرة، وقال له: (إنها بدنة) وكان - عليه السلام - يعلم ذلك، فخاف أن لا يكون علمه، وكأنه قال: لك الويل في مراجعتك إياي فيما لا تعرف وأعرف، وفي رواية: "ويحك" ذكرها ابن التين، وكان الأصمعي يقول: ويل: كلمة عذاب، وويح كلمة رحمة، وقال سيبويه: ويح زجر لمن أشرف على هلكة، وفي الحديث أنه واد في جهنم.

فرع:

يجوز إهداء الذكر والأنثى من الإبل، وهو مذهبنا، وقول جماعة من الصحابة، ونقل ابن التين عن الشافعي أنه قال: لا يهدى إلا الإناث، ثم قال: دليلنا ما رواه في "موطئه" عن نافع عن عبد الله بن أبي بكر: أنه - صلى الله عليه وسلم - أهدى جملا كان لأبي جهل بن هشام، ثم قال: وهذا نص في محل النزاع، ولا يسلم له ذلك، ومن جهة القياس: أن الهدي جهة من جهات القرب، فلم تختص بالذكور كالضحايا والزكاة والعتق والكفارات.

[ ص: 31 ] فرع:

فيه من العلم تكرير العالم الفتوى، وتوبيخ من لا يأتمر بها. وقوله: ("اركبها، ويلك") في الثانية أو الثالثة، يحتمل أن يريد في الثانية من قوله: "اركبها" ابتداء، فيقول له ذلك زجرا عن مراجعته عن أمر قد كان له في التعليق بما أمره به، وحمله على عمومه في الأحوال سعة، ويحتمل أن يريد الثانية من جوابه له عن قوله: (إنها بدنة) فيكون في ذلك زجر عن تكرير سؤاله عن أمر قد بينه، ولم يقيد أمره بركوبها بحال الإعياء دون حال الإراحة، ولا قال له: فإذا استطعت المشي، فانزل، فاقتضى ذلك استدامة ركوبها، وإن زال تعبه، كما سلف.

فرع:

بوب البخاري عليه أن من حبس شيئا ينتفع به، وأنكره الداودي عليه، وقال: إنما جعلها الله إذا بلغت محلها، وفيه نظر.

التالي السابق


الخدمات العلمية